الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا

لـ

ترجمة: ريم سعيد العبري

جون مينارد كينز

حول تراكم رأس المال في مقابل قصر وقت العمل وإمكانات تحقيق الحرية خلال الكساد العظيم

 

نعاني الآن من حالة شديدة من التشاؤم الاقتصادي. أصبح من الشائع سماع أن حقبة التطور الاقتصادي الهائل التي شكّلت ملامح القرن التاسع عشر قد انتهت؛ إذ إن التطور المتسارع لمستوى المعيشة سيبدأ الآن في التباطؤ- بأي معدل في بريطانيا العظمى- حيث أصبح احتمال تراجع الازدهار أعلى من تحسنه خلال العقد القادم الذي ينتظرنا.

أعتقد بأن هذا تفسير خاطئ جدا لما نمر به؛ فنحن لا نعاني من “التهاب كبر السن”، بل نعاني من الآلام المتزايدة للتغيرات السريعة؛ كما نعاني من آلام التأقلم بين حقبة اقتصادية وأخرى. حدث تزايد الكفاءة التقنية بشكل أسرع من إمكانياتنا في التعامل مع مشكلة استيعاب العمالة، وكان التحسن في المستوى المعيشي بشكل متسارع قليلا، فقد كان النظام المصرفي والنقدي في العالم يمنع معدل الفائدة من الانخفاض بالسرعة التي يتطلبها التوازن. ومع ذلك، فإن الإهدار والارتباك الناتجان لا يتعلقان بأكثر من 7 في المائة من الناتج القومي. نحن نتخلى عن واحد وستة بنسات في الجنيه الاسترليني، ولدينا فقط 18 شلنا و6 بنسات، في حين إنه إذا كنا أكثر منطقية، كان يمكن أن يكون لدينا 1 جنيه إسترليني، ومع ذلك فإن 18 شلنا و6 بنسات تصل إلى ما كان سيصل إليه 1 جنيه إسترليني منذ خمس أو ست سنوات. نحن ننسى أنه في عام 1929[1] كان الناتج المادي للصناعة في بريطانيا أكبر من أي وقت مضى، وأن صافي الفائض من رصيدنا الأجنبي المتاح للاستثمار الأجنبي الجديد- بعد الدفع لكل وارداتنا- كان أعلى في السنة السابقة من أي بلد آخر، وهو في الواقع أعلى بمقدار 50% من الفائض المقابل في الولايات المتحدة. أو مرة أخرى، إذا كانت المسألة متعلقة بالمقارنات، أفترض بأننا كنا سنخفض معاشاتنا إلى النصف، ورفضنا أربعة أخماس الدَين الوطني، وادخرنا فائض ثروتنا في الذهب بدلا من إقراضها بنسبة 6% أو أكثر، ربما يجدر بنا الاقتداء بفرنسا التي نحسدها كثيرا. ولكن هل سيكون ذلك تحسنًا ؟

الإحباط السائد في العالم، والبطالة الهائلة في عالم مليء بالاحتياجات، الأخطاء الكارثية التي ارتكبناها، جميعها تعمينا عن معرفة ما يجري تحت السطح للتفسير الحقيقي لمجرى الأشياء. لذلك أعتقد بأن كلا من الخطأين المعرضين للتشاؤم الذين يثيران الآن الكثير من الضجة في العالم، سيتم إثبات خطئهما في وقتنا نحن- تشاؤم الثوار الذين يعتقدون بأن الأوضاع سيئة جدا لدرجة أن لا شيء بإمكانه أن ينقذنا سوى التغيير الجذري، وتشاؤم الرجعيين الذين يرون أن التوازن في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية متزعزع جدا، لذا يجب ألا نخاطر بخوض التجارب.

غير أن هدفي من هذا المقال ليس فحص الواقع أو حتى المستقبل القريب، بل هو تحرير نفسي من الرؤى قصيرة المدى، والتحليق إلى المستقبل. ماذا يمكننا أن نتوقع بصورة معقولة المستوى، ما ستكون عليه حياتنا الاقتصادية في السنوات المائة الآتية؟ ما الإمكانات الاقتصادية الممكنة لأحفادنا ؟

منذ الأزمنة المبكرة التي نمتلك سجلات عنها – رجوعاً، فلنقل إلى ألفي سنة قبل الميلاد – وصولًا إلى بداية القرن الثامن، لم يكن هناك تغير كبير في مستوى المعيشة للإنسان العادي الذي يعيش في مراكز متحضرة من الأرض. هناك ارتفاع وهبوط بالتأكيد، كذلك ظهور الطاعون والمجاعة والحرب وفترات ذهبية، ولكن بدون تقدم أو تغيير جذري. بعض الفترات ربما أفضل من فترات أخرى بنسبة 100% في أفضل الأحوال – في الأربعة الآلاف سنة المنتهية، في حوالي 1700 ق.م.

يرجع هذا المعدل البطيء للتقدم، أو حتى انعدام التطور، لسببين اثنين: الأول هو الغياب الواضح للتحسينات التقنية المهمة، وإلى فشل رأس المال في التراكم.

يعد غياب الاختراعات التقنية المهمة في الفترة ما بين عصر ما قبل التاريخ والعصور الحديثة نسبيًا واضحًا بشكل كبير. تقريبا كل ما هو مهم حقًا وكل ما امتلكه العالم في مطلع العصر الحديث كان معروفًا سابقًا لدى الإنسان في فجر التاريخ: اللغة، النار، الحيوانات الأليفة ذاتها التي نمتلكها اليوم، القمح، الشعير، الكرمة والزيتون، المحراث، العجلة، المجذاف، الشراع، الجلود، الكتان والأقمشة، الطوب والأواني، الذهب والفضة، النحاس، القصدير – وأضيف الحديد للقائمة قبل 1000 ق.م – الصرافة ، السياسة، الرياضيات، الفلك، والدين. ليس هناك تأريخ  للوقت الذي امتلكنا فيه هذه الأشياء أول مرة.

في وقت ما قبل بزوغ فجر التاريخ، بل ربما خلال إحدى الفترات المريحة التي تسبق العصر الجليدي الأخير – لا بد أنه كان هناك حقبة من التقدم والابتكار مقارنة  بالفترة التي نعيشها الآن. إلا أنه من خلال الجزء الأكبر من التاريخ المسجل، ليس هناك شيء من هذا القبيل.

بدأ العصر الحديث؛ وأظن أنه مع تراكم رأس المال الذي بدأ في القرن السادس عشر. في اعتقادي – ولأسباب يجب معها ألا أعيق الجدل الحالي- أن السبب هو ارتفاع الأسعار في الأساس، والأرباح التي أدى إليها هذا الارتفاع، والتي نتجت عن كنز الذهب والفضة الذي جلبته إسبانيا من العالم الجديد إلى القديم. منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ولدت من جديد قوة التراكم بواسطة الفائدة المركبة، التي يبدو أنها كانت مستغرقة لأجيال عديدة، وتجددت قوتها. أصبحت قوة الفائدة المركبة عبر مائتي سنة تربك الخيال.

دعني أعطي صورة توضيحية لهذا المبلغ الذي قمت بتطبيقه. تقدر قيمة الاستثمارات الأجنبية لبريطانيا العظمى اليوم بـ 4,000,000,000 جنيه استرليني، وهذا ينتج لنا أرباحًا بمعدل  6 بالمائة؛ نصف هذه القيمة نعود بها إلى الوطن ونستمتع بها، أما النصف الآخر –وهو بالضبط 3 بالمائة – فنتركها لتتراكم في الخارج بفائدة مركبة. ما زال يحدث شيء من هذا القبيل منذ 250 سنة تقريبا.

بتتبعي لبدايات الاستثمار الأجنبي البريطاني للكنز الذي سرقه دريك من إسبانيا في عام 1580. في ذلك العام عاد إلى إنجلترا محملا بغنائم الـجولدن هند المذهلة، وكانت تعدّ الملكة إليزابيث مساهمًا مهما في النقابة التي مولت البعثة، ومن حصتها استطاعت سداد الديون الخارجية لإنجلترا كاملة، ووازنت ميزانيتها، وتبقى لها ما يقرب من 40,000 جنيه استرليني في يدها، وقد استثمرتها في شركة المشرق التي ازدهرت. ومن أرباح شركة المشرق، وُلدت شركة الهند الشرقية. وكانت أرباح هذا المشروع الضخم الأساس للاستثمار الأجنبي اللاحق لإنجلترا. يحدث الآن أن 40,000 جنيه استرليني تتراكم بفائدة مركبة بنسبة 3 بالمائة، تماثل تقريبًا الحجم الفعلي للاستثمارات الأجنبية لإنجلترا في تواريخ مختلفة، وستصل قيمتها فعليًا اليوم إلى إجمالي 4,000,000,000 جنيه استرليني، والذي أشرت مسبقا إلى كونه ما وصلت إليه استثماراتنا الأجنبية الآن. وهكذا فإن كل جنيه استرليني جلبه دريك إلى الوطن في عام 1580 أصبح الآن 100,000 جنيه استرليني. هذه هي قوة الفائدة المركبة.

منذ القرن السادس عشر، ومع التصاعد التراكمي بعد القرن الثامن عشر، بدأ عصر العلم والابتكار التقني العظيم، الذي كان في طوفان كامل منذ بداية القرن التاسع عشر- الفحم، والبخار، والكهرباء، والبترول، والفولاذ، والمطاط، والقطن، والصناعات الكيماوية، والآلات الأوتوماتيكية، وأساليب الإنتاج الضخم، اللاسلكي، والطباعة، ونيوتن ، وداروين، وآينشتاين ،وآلاف من الأشياء الأخرى والأشخاص المشهورين جدا والمألوفين فلا توجد حاجة لذكرهم.

ما النتيجة؟ بالرغم من التزايد الهائل في الكثافة السكانية في العالم، والتي تطلبت توفير احتياجاتها من المنازل والآلات، ارتفع متوسط المستوى المعيشي للأفراد في كل من أوروبا والولايات المتحدة بمقدار أربعة أضعاف على ما أظن. لقد كان نمو رأس المال على نطاق يتجاوز مائة ضعف ما عرفه أي عصر سابق. ومن الآن فصاعدا، لا نتوقع زيادة كبيرة في عدد السكان.

إذا تزايد رأس المال – فلنقل – بمقدار 2 بالمائة سنويًا، فإن المعدات الرأسمالية للعالم ستتزايد بمقدار النصف خلال عشرين عامًا، وبمقدار سبع مرات ونصف خلال مائة عام. فكر في هذا من حيث الأشياء المادية: المنازل، والنقل، وما شابه ذلك.

في الوقت ذاته فإن التطورات التقنية في الصناعة والنقل قد كانت مستمرة في السنوات العشر الأخيرة بمعدل أفضل من أي وقت مضى في التاريخ. في الولايات المتحدة، كان إنتاج المصنع الواحد لكل رأس أكبر بنسبة 40 بالمائة في عام 1925 عنه في عام 1919. تعيقنا في أوروبا بعض العقبات المؤقتة، ولكن مع ذلك من الآمن القول إن الكفاءة التقنية تتزايد بأكثر من 1 بالمائة سنويًا. هناك دليل على أن التغيرات التقنية الهائلة، التي أثرت حتى الآن بشكل رئيس في الصناعة، قد تهاجم قريبا قطاع الزراعة. قد نكون في بداية الطريق في تحسين كفاءة عملية إنتاج الغذاء بقدر ما حدث بالفعل في مجال التعدين والصناعة والنقل. في سنوات قليلة جدا، وأعني في حياتنا الخاصة، قد نكون قادرين على القيام بجميع عمليات الزراعة والتعدين والصناعة فقط بربع الجهد البشري الذي اعتدنا عليه.

في الوقت الحالي، السرعة الكبيرة لهذه التغييرات تؤذينا وتجلب لنا العديد من المشكلات التي يصعب حلها. وتعاني تلك البلدان بالتبعية لذلك، التي هي ليست في طليعة التقدم. نحن الآن معرضون لمرض جديد قد يكون بعض القراء لم يسمعوا باسمه من قبل، ولكنهم سوف يسمعون الكثير عنه في السنوات القادمة. هذا المرض يسمى البطالة التكنولوجية، ويعني البطالة بسبب اكتشافنا أساليب لتحجيم استخدام العمالة تفوق الوتيرة التي يمكن بها أن نجد استخدامات جديدة للعمالة.

ولكن هذه مرحلة مؤقتة من عدم التوازن، إذ إن كل هذا يعني على المدى الطويل أن البشرية تعمل على حل مشكلتها الاقتصادية. في توقعي إن مستوى المعيشة في الدول المتقدمة بعد مائة عام من الآن سيكون أعلى بمقدار أربع إلى ثمان مرات مما هو عليه الآن. وهذا الأمر لن يكون مفاجئًا حتى في ظل معرفتنا الحالية، فليس من الحماقة التفكير في إمكانية إحراز تقدم أكبر بكثير.

 

II

فلنفترض جدلًا بأنه بعد مائة عام سيكون المستوى الاقتصادي لكل فرد منا، في المتوسط، أفضل بثماني مرات مما هو عليه اليوم. بالتأكيد ليس هناك ما يفاجئ في ذلك.

صحيح أن حاجات الإنسان لا تنتهي، ولكنها تنقسم إلى قسمين: تلك الحاجات المطلقة، التي نشعر بها مهما كان وضع البشر الآخرين، وتلك الحاجات النسبية، التي نشعر بها فقط إذا كان إشباعها يشعرنا بأننا متفوقين على غيرنا من البشر. النوع الثاني من الحاجات، تلك التي تشبع فينا الحاجة للتفوق، قد تكون حتما حاجات نهمة لا يمكن إشباعها؛ إذ إنه كلما ارتفع المستوى العام، زادت هي أكثر. ولكن هذا لا ينطبق على الحاجات المطلقة، إذ إن هناك نقطة قد يتم الوصول إليها سريعًا، ربما أسرع مما قد يدرك أي منا، وذلك عندما يتم إشباع هذه الحاجات بالطريقة التي نفضل بها أن نكرس طاقاتنا في غايات غير اقتصادية.

والآن نأتي لاستنتاجي، الذي أعتقد بأنك ستجده مثيرًا للدهشة، كلما أطلت التفكير به.

في النهاية أستخلص أنه على افتراض عدم وجود حروب مهمة أو زيادة مهمة في أعداد السكان، فإن المشكلة الاقتصادية يمكن حلها، أو على الأقل يمكننا أن نرى الحل، خلال مائة عام. وهذا يعني أنه إذا نظرنا إلى المستقبل، فإن المشكلة الاقتصادية ليست المشكلة الدائمة بالنسبة للجنس البشري.

قد تتساءل لماذا هو مثير للدهشة؟ هو كذلك لأنه لو نظرنا إلى الماضي بدلاً من المستقبل، لوجدنا أن المشكلة الاقتصادية – الكفاح من أجل الكفاف- كانت دائما وما زالت هي المشكلة الرئيسة والأكثر إلحاحًا للجنس البشري، وليس فقط للجنس البشري بل لكل المملكة الأحيائية منذ بدء الحياة، حتى في صورها الأكثر بدائية.

لذلك طورتنا الطبيعة بشكل واضح، بجميع دوافعنا وأعمق غرائزنا، بهدف حل المشكلة الاقتصادية. فإذا تم حل المشكلة الاقتصادية ستحرم البشرية من غايتها التقليدية.

هل ستكون هذه فائدة؟ إذا كان المرء يؤمن على الإطلاق بالقيم الحقيقية للحياة، فإن الاحتمالات تفتح على الأقل إمكانية الاستفادة، ولكنني أفكر قلِقًا في إعادة تعديل عادات الشخص العادي وغرائزه، التي ترعرعت فيه لأجيال لا حصر لها، والتي قد يُطلب منه التخلي عنها في غضون بضعة عقود.

وبلغة اليوم، ألا يجب علينا أن نتوقع “انهيارًا عصبيًا” عامًا؟  نحن لدينا بالفعل خبرة قليلة عما أعنيه – الانهيار العصبي من النوع الرائج بالفعل بالقدر الكافي في كل من إنجلترا والولايات المتحدة وسط الزوجات المنتميات للطبقة الثرية والعديد من النساء التعيسات اللاتي حرمتهن ثروتهن من مهامهن ومهنهن التقليدية، واللاتي عندما حُرمن من دافع الضرورة الاقتصادية، لم يستطعن أن يجدن الطبخ والتنظيف ممتعًا بما فيه الكفاية، ولكنهن غير قادرات على أن يجدن ما هو أكثر إمتاعًا.

وبالنسبة لأولئك الذين يعملون بكد ليحصلوا على قوت يومهم، فإنهم يتوقون للحلوى إلى أن يحصلوا عليها.

هناك مرثية تقليدية كتبتها خادمة عجوز لنفسها:

لا تنعني يا صديقي، لا تبك علي أبدا..

لأنني لن أفعل شيئا إلى الأبد، أبدا..

هذه كانت جنتها. وكما يتطلع الآخرون للراحة، تصورت هي كم سيكون لطيفا أن تقضي وقتها في الاستماع- ذلك أنه كان هناك مقطع آخر ظهر في قصيدتها:

مع المزامير والموسيقى الجميلة، ستُقرع أجراس السماء..

ولكني لا أجيد الغناء..

ومع ذلك فإن الحياة تكون محتملة لأولئك الذين يجيدون الغناء، وكم هم قليلون.

لذلك ولأول مرة منذ خلقه، سيواجه الإنسان مشكلته الحقيقية الدائمة، وهي كيفية استغلال حريته من ضغط المسؤوليات الاقتصادية، وكيف يملأ وقت فراغه، وأي علم أو فائدة مركبة ستكفل له العيش بحكمة وانسجام وبشكل جيد.

قد يحملنا صناع النقود الهادفين العازمين معهم إلى حضن الوفرة الاقتصادية. ولكن هؤلاء الناس الذين سيستطيعون البقاء على قيد الحياة، ويسعون إلى كمالٍ أسمى، هو فن الحياة ذاته، ولا يبيعون أنفسهم لوسائل الحياة، هم من سيستطيعون التمتع بالوفرة عندما تأتي.

ولكن مع ذلك، أعتقد أنه ليس هناك دولة أو أشخاص يتطلعون إلى عصر الراحة والوفرة دون الشعور بالرهبة؛ فقد تدربنا طويلا على الكفاح وليس على التمتع. إنها مشكلة تبعث الخوف في نفس الشخص العادي، الذي لا يملك مواهب خاصة ليُشغل نفسه خاصة إذا لم تعد لديه جذورٌ في الأرض أو الأعراف أو التقاليد المحببة لمجتمع تقليدي. إذا أردنا أن نطلق حكمًا من خلال سلوك الطبقات الثرية وإنجازاتها اليوم في أي جزء من العالم، فالمستقبل يبدو محبِطًا للغاية؛ ذلك أن هؤلاء – إن جاز التعبير- هم حراسنا المتقدمون، الذي يبحثون عن الأرض الموعودة لأجلنا جميعا، ويقيمون مخيمهم هناك. ولأن معظمهم فشلوا فشلًا ذريعًا؛ فإنه يبدو إليّ أن هؤلاء الذين لديهم مصدر دخل مستقل، ولكن ليس لديهم واجبات أو ارتباطات، هم من سيجدون حلاً لهذه المشكلة.

أنا متأكد من أنه مع تجربة أكثر بقليل، سنستخدم الهبة الجديدة التي منحتنا إياها الطبيعة بشكل مختلف عما استخدمها الأثرياء اليوم، وسوف نضع لأنفسنا خطة جديدة للحياة تختلف عن تلك التي وضعوها.

في العصور القادمة، سيكون آدم القديم أقوى بكثير في داخلنا، بحيث سيصبح كل إنسان في حاجة للقيام بعمل ما حتى يشعر بالقناعة. نحتاج أن نقوم بأشياء أكثر لأنفسنا من المعتاد لهؤلاء الأغنياء اليوم، الذين يسعدون كثيرا بالقيام بواجبات ومهام قليلة وروتينية. ولكن لأبعد من هذا، علينا أن نوسع من مجالات الأعمال التي نقوم بها، بحيث يكون هناك دائما عمل ما زال يتعين القيام به، ليكون على أوسع نطاق ممكن من المشاركة. ثلاث ساعات مناوبة يوميا أو 15 ساعة أسبوعيا من شأنها أن ترجئ المشكلة لفترة طويلة. فثلاث ساعات يوميا كافية لإرضاء آدم القديم بداخل معظمنا.

هناك أيضا تغييرات على أصعدة أخرى، والتي يجب علينا بدورنا أن نتوقعها. عندما يصبح تراكم الثروة ليس بأهمية عالية اجتماعيا، ستكون هناك تغيرات هائلة في القيم الأخلاقية. يجب علينا أّن نكون قادرين على أن نخلص أنفسنا من الكثير من المبادئ الأخلاقية الزائفة التي طاردتنا لمائتي عام، والتي جعلتنا نضع الكثير من الصفات الإنسانية القبيحة في مرتبة أعلى الفضائل. يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة بأن نقيّم الدافع المالي بقيمته الحقيقية. حُب المال كتملّك –الذي يختلف عن حب المال كوسيلة للتمتع وكواقع للحياة- سيظهر على حقيقته؛ كداء مَرَضي مثير للاشمئزاز إلى حد ما، واحدة من تلك النزعات شبه الإجرامية وشبه المَرَضية ، التي يسلمها المرء، مع شعور بالقشعريرة، إلى المتخصصين بالأمراض العقلية. جميع أنواع الأعراف الاجتماعية والممارسات الاقتصادية، التي تؤثر على توزيع الثروات والعوائد الاقتصادية والغرامات، والتي نحافظ عليها الآن بأي ثمن مهما كانت مقيتة وغير عادلة، فقط لأنها فعالة جدا في تعزيز تراكم رأس المال، سنصبح حينها أحرارًا- على الأقل- من أن نهتم بها.

مؤكد أنه سيكون هناك العديد من الأشخاص الذين لديهم غاية شديدة لا تشبع، والذين يسعون نحو الثروة بشكل أعمى، ما لم يتمكنوا من العثور على بديل معقول. ولكن لن يكون البقية حينها ملزمين بالإطراء عليهم وتشجيعهم لأننا سنبحث بفضول أكثر مما هو آمن اليوم في الشخصية الحقيقية لهذه ” الغاية” التي وهبتنا إياها الطبيعة معظمنا بدرجات متفاوتة.

فالغاية تعني أننا نهتم بالنتائج المستقبلية البعيدة لأفعالنا أكثر من اهتمامنا بجودتها أو أثرها الفوري على بيئتنا الخاصة. فالشخص الذي لديه غاية يحاول دائما أن يؤمّن لأفعاله خلودًا مضللًا وزائفًا عن طريق دفع اهتمامه بها إلى الأمام. هو لا يحب قطته، بل يحب صغار قطته، ولا صغارها أيضا في الحقيقة، بل صغار صغارها، وهكذا حتى النهاية. بالنسبة له، لا يعد المأزق مأزقًا إلا إذا كان بالغد وليس اليوم. لذا فهو بدفعه للمأزق للأمام دائمًا إلى المستقبل، يسعى جاهدًا من أجل تأمين الخلود لفعله.

 

دعني أذكرك بالأستاذ في سيلفي وبرونو[2]

إنه الخياط فقط يا سيدي، ومعه فاتورتك الصغيرة ” قال صوت وديع من خارج الباب.

آه، حسنا، أستطيع تسوية عمله قريبا” قال الأستاذ للأطفال، ” انتظر لدقيقة من فضلك. كم قيمتها هذه العام يا رجل؟” دخل الخياط للداخل في الوقت الذي كان يتحدث فيه الأستاذ.

حسنا، لقد كانت تتضاعف منذ سنوات عديدة كما ترى” أجاب الخياط ببعض الجدية “ وأعتقد بأنني أريد المال الآن. ويبلغ ألفي جنيه

أوه، إنه لا شيء” أجاب الأستاذ بقلة اكتراث واضحة، وهو يتحسس جيوبه، كما لو أنه دائما يحمل ذلك المقدار على الأقل من المال معه.” ولكن ألا ترغب في أن تنتظر سنة أخرى لتجعلها أربعة آلاف؟ فقط فكر إلى أي مدى يمكن أن تصبح غنيا؟ تستطيع أن تكون ملكًا إذا أردت

لا أعلم إذا ما كنتُ مهتمًا بأن أصبح ملكًا” قال الرجل بتفكير. ” ولكنه يبدو مبلغًا كبيرًا من المال! حسنا، أعتقد بأنني سأنتظر

بالطبع ستفعل” قال الأستاذ. ” لديك حدس جيد كما أرى، طاب يومك يا رجل!”

هل ستضطر يوما أن تدفع له تلك الأربعة آلاف؟” سألت سيلفي والباب ينغلق عقب الدائن المغادر.

أبدا يا صغيرتي” أجاب الأستاذ بشكل قاطع. “سيستمر هو بمضاعفتها حتى يموت. كما ترين، يستحق الأمر دائمًا انتظار عام آخر للحصول على ضعف ما لديك من مال

 

ولعله ليس من قبيل الصدفة أن السلالة التي بذلت الكثير لجلب وعد الخلود إلى قلب وجوهر أدياننا، هي ذاتها التي بذلت أيضًا الكثير من أجل مبدأ الفائدة المركبة، ولاسيما أنها تحب هذه المجتمعات البشرية صاحبة الغاية الأكبر.

لذاك؛ أرى أننا أحرار في العودة إلى أكثر مبادئ الدين والفضيلة تأكيدًا ورسوخًا – وهي أن الجشع رذيلة، وأن الربا جريمة، وأن حب المال مقيت، وأن أولئك الذين يمشون بصدق في دروب الفضيلة والحكمة هم الأقل تفكيرا في الغد. مرة أخرى، يجب علينا أن نعطي قدرًا أكبر للنهايات أكثر من الوسائل، وأن نميل للأفضل على النافع. يفترض بنا أن نكرم هؤلاء الذين يعلموننا كيف نستغل اليوم والساعة بشكل جيد وصحيح، الأشخاص المبهجين القادرين على الاستمتاع بالأشياء بشكل مباشر، زنابق الحقل التي لا تكدح ولا تدور.

ولكن انتبه! لم يحن الوقت لكل هذه الأشياء بعد. لمائة عام أخرى على الأقل، يجب علينا أن ندّعي أمام أنفسنا وأمام غيرنا أن العدل فساد، وأن الفساد عدل؛ لأن الفساد نافع، والعدل ليس كذلك. ما زال يجب أن يكون الجشع والربا والاحتياط آلهتنا لفترة طويلة قليلا؛ لأنها هي فقط التي تستطيع أن تقودنا خروجا من نفق الضرورة الاقتصادية إلى ضوء النهار.

لذلك أتطلع لأيام ليست بالبعيدة جدا، إلى أعظم تغيير حدث على الإطلاق في البيئة المادية لحياة الإنسان في مجملها، ولكنه بالطبع سيحدث بشكل تدريجي وليس ككارثة، وهو حقًا قد بدأ بالفعل. ستكون طريقة سير الأمور ببساطة أنه ستكون هناك فئات ومجموعات أكبر وأكبر من الأشخاص الذين تم التخلص عمليًا من مشكلاتهم وحاجاتهم الاقتصادية. سيلاحَظ الفرق الحاسم عندما يصبح هذا الشرط عامًا بحيث تتغير طبيعة واجب كل شخص تجاه جاره، وسيبقى من المعقول أن تكون لك غايات اقتصادية تجاه الآخرين، بعد أن تتوقف عن كونها مقصورة عليك.

سوف تتحكم أربعة أمور بالسرعة التي نستطيع الوصول بها إلى وجهتنا من النعيم الاقتصادي: قدرتنا على السيطرة على التعداد السكاني، وعزمنا على تجنب الحروب والخلافات المدنية، واستعدادنا لأن نعهد للعلم توجيه تلك الأمور التي هي على الأغلب من اختصاصه، ومعدل التراكم المحدد بواسطة الهامش بين إنتاجنا واستهلاكنا؛ من بينها تستطيع الأخيرة بسهولة تدبر أمرها بالنظر إلى الثلاث الأولى.

في غضون ذلك، لن يكون هناك من ضير في القيام ببعض الاستعدادات البسيطة لمصيرنا، من خلال التشجيع والتجريب في فنون الحياة، فضلًا عن الأنشطة الهادفة.

ولكن فوق كل شيء، دعونا لا نبالغ في تقدير أهمية المشكلة الاقتصادية أو أن نضحي لضروراتها المفترضة بمسائل أخرى ذات أهمية أكبر وأبقى. يفترض بها أن تكون مسألة للمتخصصين مثل طب الأسنان. إذا استطاع الاقتصاديون أن يجعلوا الناس تفكر بهم بوصفهم أشخاصًا متواضعين ومختصين بمستوى أطباء الأسنان نفسه، سيكون ذلك رائعا!

 

_______________________

[1] في إشارة إلى العام الذي اندلعت فيه أزمة الكساد العظيم التي انتهت بخروج بريطانيا من قاعدة الذهب (المترجم)

[2] رواية للكاتب لويس كارول (المترجم)

0 188 17 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, ثقافة وفكر فبراير 17, 2019