أيديولوجيا الوعي الزائف

لـ

 

لعل أبرز الإشكالات في الأوساط العربية التي أصبحت عقبة في التغيير، وبناء الديمقراطيات وانتزاع الحقوق والحريات ما يرتبط بطبيعة الوعي العربي الذي أصبح إلى درجة ما وراثيا وجينيا لشدة التصاقه بالواقع العربي عبر التاريخ؛ إذ يقوم الوعي الأيديولوجي المستحكّم عبر الاندماج بالسلطة السياسية، والدينية بترسيخ مفاهيم مختلفة ومتناقضة أحيانا، ومنها تصنيف الإنسان إلى فئتين هما:  “العوامّ” الذين ليس لهم أن يفكروا؛ لأن العامّي كائنٌ ساكن لا يمتلك أدوات التفكير والوعي ولا يحسنهما، أما “أهل الاختصاص” وأولياء الأمر فهم الذين يَقدرون وحدهم على الفعل السياسي ويقيسون للعوام تفكيرهم ووعيهم حتى في علاقتهم بالله؛ وهم وحدهم القادرون على الوعي بكتاب الله وسائر النصوص الشرعية لما آتاهم الله من فضيلة العقل الفطري القادر على التأويل والفقه؛ صحيح أن بعضهم قد فشل في دراسة بعض التخصصات العلمية فاتجه إلى الوعظ، والعلوم الشرعية؛ ليجد طريقه وحظوته مع الناس، ولكنه ما إن فعل ذلك حتى جعله الله من أهل الفقه والصلاح والاختصاص والتقوى، وتبعا لذلك فما على العامة إلا أن يداوموا على تلاوة الكتاب العزيز دونما تدبر أو تأمل؛ أو هو تأمل وتدبر في نطاق مغرق في الانعزال عن الحياة؛ لأن رسّام الحياة هو رجل الدين وحده العالم بالحلال والحرام.

تشتغل هذه التراتبية الاجتماعية في كل مناحي الحياة اليومية، وهي أمر تاريخيٌّ، وسياسيٌّ، واجتماعيٌّ مستحكم كما قد أسلفت آنفا؛ فليس للعوام من الناس – مهما كان مستوى الوعي والثقافة عند أفرادهم – أن يحاولوا المشاركةَ في الاجتماع الإنساني إلا ما كان من أداء واجب الطاعة منهم لأولي الأمر: رجال السلطة ورجال الدين حتى في أشدّ ادعاءات الديمقراطية أو الشورى؛ لذلك يصنف الشيبة السالمي الناس إلى الفئتين السابقتين: العلماء أهل السلطة الشرعية والفقه، والعامة منتجي الطاعة، في كتابه “نهضة الأعيان” الذي يفترض أن يكون في سياق الحرية الإنسانية كما يبدو من عنوانه وادعاءاته؛ فيقول: “ليست الإمامة أمرا مخترعا في الوقت الجديد، بل هي سلطةٌ دينيةٌ سياسيةٌ، جرى عليها الخلفاء الراشدون، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت بعمان منذ القرن الثاني من الهجرة… ومتى صحّت البيعةُ باتفاق العلماء، كان حقا على العامة من الرعية أن يسمعوا ويطيعوا للإمام، وأن يسلموا الأمر لأهل العلم، وليس لحاضر أن يأبى منها، ولا لغائب أن يتخلف عنها، ولا لمختار أن يختار. إن العلماء حكامٌ على الملوك، والملوك حكام على الرعية”[1]؛ بل يتبين أن الوعي بالحرية، والسعي إلى التغيير ليس إلا لــ”الأعيان” وهم الخاصة دون العامة؛ فهم وحدهم يمتلكون تدابير التاريخ الإنساني؛ ولهم أن يتلاعبوا باللغة في سبيل صلاح الأمة كما فعل الشيخ عدي بن سليمان الذهلي حينما رأى اضطراب العامة في انتخاب الإمام بعد وفاة سلطان بن سيف؛ فما كان منه إلا أن عمد إلى تغيير حركة الهمزة قائلا: “أمامكم سيف بن سلطان” حتى يسكت عنهم الغضب فيتولى مصلحة الأمة.

ولعل المسألة ترتبط بالجانب الأسطوري؛ والوظائف المتعددة للأسطورة والتي من بينها “المحافظة على الوضع القائم أو الإيهام بحقيقته أو واقعيته؛ وكذلك حل الصراعات والمشكلات وإيجاد نسق خاص لتفسير الكون والحياة”[2]، ولذلك فإننا نلاحظ استهلاك الطبقات الاجتماعية في الواقع العربي لمفاهيمَ أو مفرداتٍ أو تراكيبَ تُسهم في خلق “الوعي الأيديولوجي” أو الوعي الزائف؛ بحيث تصطبغ هذه المفردات أو المفاهيم بالصبغة الشرعية أو الواقعية؛ فتتحول من الزيف والوهم إلى الحقائق القارّة؛ كالإيمان بالقدر الذي لا يكتفي بالإقرار بالتدبير الإلهي؛ الذي فحواه أن الله الخالق قدّر وخلق كل شيء وفق ناموس أو نظام، إذ يفترض أن يقع الإنسان داخل هذا التدبير ويكون قادرا على التصرف والتغيير انطلاقا من مفهوم الاستخلاف؛ فالفعل الإنساني هو جزءٌ من الناموس الكوني والحرية علة ذلك الفعل، وإنما يتحول المفهومُ إلى أداة سياسية أو قمعية أحيانا بتسريب “أزلية الواقع” بوصفه قدرا قد كتبه الله وعلينا أن نقبله على علاته؛ إذ هو ابتلاء إلهي محض وما على المؤمنين إلا التسليم بهذا الواقع، ومنح الطاعة المطلقة أولا لعلماء الدين أصحاب الثروات الملتصقين بالسلطة أو الوعاظ أصحاب الوظائف الدينية؛ وثانيا للسلطة السياسية عبر تلك الكائنات الوسيطة التي تعدّ مظهرا من مظاهر تشظّي السلطة، وفي خضم هذا الزيف ينسى الإنسان العربي أنه ليس أداة ساكنة تتقاذفها الأقدار، وإنما هو فاعلٌ لتغييرها وفق المسؤولية الأخلاقية على ما كان رسخه قادة الوعي من جهابذة المعتزلة قديما.

في السياق ذاته يطلق كارل ماركس مصطلح “الوعي الزائف” على هذه الظاهرة التي تنطلق من الأيديولوجيا وهي تروم تشويه الحقائق، وتزييفها بقصد تبرير موقف السلطة، أو الطبقات الاجتماعية المختلفة؛ وقد جاء هذا التعبير النقدي بسبب الرغبة في تفنيد مثالية هيغل التي تجعل البشر أدوات في أيدي التاريخ[3]، وأعتقد أن هذا الوعي الزائف قد ظهر مبكرا في التاريخ الإسلامي منذ ظهور الفرقة “الحُليسية” التي نص عليها ابن شرشير من معتزلة بغداد بوصفها فرقة تبرر للسلطة فعلها وتنحاز إلى المتغلب، وازدادت حدّتها بظهور الفرق المستكينة في ظلال السياسة الأموية وبظهور مصطلح “الجماعة” وهو مصطلح قد يحيل أحيانا على الانسياق القطيعي، واستكملت حلقاتها في “السلفية الجامية” في الراهن العربي في حرب الخليج الثانية، ولكنّها موجودة في كل أشكال الوعي الإسلامي وتحولاته؛ لذلك ظهرت حالة الاندماج بين العلماء الذين يَفترض وائل حلاق أن يكونوا ضمن المجتمع المدني باستقلاليته، ولذلك أيضا جاءت السلطة السياسية وهي تُفيض بالثروات على رجال الدين وعلمائه لتشكيل طبقة علماء الدين أو البورجوازيات الدينية؛ بحيث يصبح الواعظ وهو يبث كلمات الزهد على “العامة” غارقا في أعلى درجات الترف والرفاهية في حياته ويتمتع بجزء من امتيازات السلطة، والعوامُّ تنثر على البورجوازية الدينية ألقاب الثناء والزهد والتقوى والنزاهة وتتعامى عن الواقع، ولا بأس بقليل من البكاء في صلاة التراويح أو حلقات الذكر، أو المحاضرات، وإصدار الشعارات والكلام على الخمر والزنا، وتوزيع قصص الأقدمين من علماء الدين أصحاب الأسرار والزهد والكرامات؛ وإذا كان علي الرواحي في كتابه “ماركس في مسقط” قد لفت الانتباه إلى ظاهرة “الإنسان المستثنى” وهي ظاهرة تاريخية في العالم العربي كما أرى؛ من حيث إن فروقا فردية محددة تمنح الاختلاف والتمايز لطبقة من الناس على آخرين هم عوامّ؛ وتتحول الثقافة والتعليم عند العامة إلى وسيلة للحصول على الرفاهة المادية عوض أن يكون عاملا في إدارة الشؤون الإنسانية والتفكير والوعي والتغيير، وبالتالي تعود فكرة أن طبيعة السلطة في البلاد العربية وسوء الأحوال قضاءٌ  وقدر وابتلاء من الله وما على العامة إلا أن يصبروا ويحتسبوا الأجر والثواب؛ لأن الدار الآخرة هي للذين آمنوا، وعليهم أن يكثروا من الاستغفار والصوم والصلاة، وحينما تُشكِل عليهم قضية محددة كاختيار طريقة النوم، أو الاستنشاق والمضمضة، أو التعامل مع الهاتف، أو تسوير المقابر، أو التعامل مع الزوجة، أو طريقة دخول المنزل فما عليهم إلا أن يتوجهوا إلى العلماء؛ فهم أهل الاختصاص والفهم للنص الشرعي[4]. ولعلنا نلحظ بعض المظاهر المشتركة في مجتمعاتنا كونها سماتٍ واضحةً لهذا الوعي الأيديولوجي ومنها:

أولا: يركز الوعي الزائف على مصائر الناس الأخروية ويشغلهم عن بناء الحياة وتغييرها؛ بحيث تقوم المؤسسات الدينية في العالم العربي، بكل تشظياتها؛ بوصفها مؤسسات وسيطة أو كائنات أداتية أو وصلاتٌ تنقل واسمات السلطة إلى العوام أو المجتمع؛ مؤسسين هذا الفعل على عنصر “تجهيل الآخر” ومصادرة حقه في التفكير الديني وغير الديني؛ فيتحول الإنسان داخل اعتمال قوى هذه الدائرة بفعل الفتوى والقياس والوعظ إلى كائن لا يدرك إلا ضجيج التحريم، وترقّب العذاب وتأنيب الضمير الدائم إلى درجة الشلل في التفكير، فيغادر منطقة الإيمان والأخلاق القائمة على الحرية والاختيار إلى منطقة الخوف والازدواجية والانحراف الباطني، ويتحول الدين إلى تعاليم متعددة، ومعقدة، وثقيلة وتمايزية قائمة على الصورة الماضوية الشكلية التي تتمثل في إعادة إنتاج “الإنسان” بصورته وأشكال حياته من القرون الوسطى أو ما يسمى بعهد الصحابة والتابعين؛ ليعيش داخل الإنسان المعاصر المفرّغ من معنى الحياة تحت دعاوى إحياء السنة.

ثانيا: ترسيخ بعض الأيديولوجيات التي تضمن لطبقة العلماء والوعاظ استمرار وظيفتهم بوصفها مؤسسة وسيطة بين العامة والسلطة السياسية؛ فيتحول النقد العلمي في المجال العام، والذي يعد جوهر النظرية السياسية إلى دائرة الإثم كالغيبة والنميمة لأولياء الأمر لا سيما عند تراكم الجهل بالأوضاع السياسية عند الطبقات المتدينة؛ أو تتحول إلى تتبع للعورات والمساوئ في المجال العام؛ وفي السياق العماني وعلى خارطة التفكير الديني تظهر المؤلفات السلفية الجامية التي ترسّخ هذه المبادئ وتسرّب أن المطالبة بالحقوق والنقد للسياسات يعد من “الانحراف الفكري” مثلما فعل أحد المنتمين إلى التيار ذاته في دراسته: “إدانة الانحراف الفكري في دول الخليج العربي”؛ بجعل السلبية المطلقة إلى درجة التناقض مع النص القرآني دينا؛ فيعتمد في وجوب الطاعة المطلقة لولي الأمر على أحاديث ومرويات وفتاوى التيار السلفي؛ من مثل حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله: “إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها”، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: “أدّوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم”[5]؛ فهذا الحديث يختزل واقع الوعي الأيديولوجي الزائف في ترسيخ مفاهيم السلبية والجهل بالنظرية السياسية إلى درجة الفهم الشعبوي بالتعبير الكانطي في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق؛ لأن الواعظ الديني لا يكلف نفسه اطلاعا خارج العقل الديني، وإنما يصرُّ على اجترار مفاهيم “السياسة الشرعية” فهو يريد للدولة بمؤسساتها، ونظرياتها الحديثة، وتطور فلسفتها ومفاهيمها أن تدار بعقلية السلفي الذي يعتمد على مجموع مرويات مرفوعة إلى النبي وضعت في خضم الصراع السياسي الإسلامي في القرن الثالث الهجري؛ فعلى السلطة أن تفعل ما تشاء، وتجتهد، وعلى رجل الدين أن يشرعن لها كل اجتهادها أو سلب للحقوق، وعلى “العوام” الطاعة وانتظار الحقوق يوم القيامة، وبهذا يتحقق الاستخلاف والاستعمار للأرض؛ لأن مرويات الشيخ الحديثية تقتضي هذا الوعي الذي يسميه “السنة النبوية” ويقدسها ويعرض من يخالفها إلى اتهامه بالردة.

ثالثا: الازدواجية الدينية بين السلوك الظاهري والوعي الباطني، أو بين التيارات الدينية ذاتها؛ لذلك فإن كارل ماركس يرى أن ظاهرة الاغتراب الديني؛ أساسه التعبير عن الاغتراب الواقعي في ميدان الاقتصاد؛ لذلك “ربط ماركس الظاهرة الدينية بالصراع الطبقي من خلال معاينته للحركات والثورات الاجتماعية والاحتجاجات التي حدثت في أوروبا عقب انهيار الطبقة الإقطاعية وصعود الطبقة البورجوازية إلى السلطة التي سيطرت على رؤوس الأموال، وامتلكت الأراضي ووسائل الإنتاج، واتخذت من الدين سلاحا تستعين به تخدير عقول الناس أو الطبقة الخاضعة”[6]؛ فالدين الظاهري أو الشعبي أو الاجتماعي بوصفه أداة للوعي يتحول إلى أداة مزدوجة تمارس دورين: دور الحصول على الثروات باندماج رجال الدين مع السلطة السياسية وتشكيل طبقة رجال الدين،ودور تشكيل الوعي الأيديولوجي؛ ليبقى الفارق بين “العلماء” و”العامة” أهم أدوات اشتغال الوعي لأداء الكائنات الوسيطة دورها في المجتمع.

 

_________________________

[1] أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، نهضة الأعيان بحرية عمان، القاهرة: مطابع دار الكتاب العربي، ص. ص. 164- 165 ، وانظر: سعود بن عبدالله الزدجالي، تبرير السياسة بالدين عند نور الدين السالمي، لندن: دار عرب، 2018، ص. 12

[2] أمل مبروك، الأسطورة والإيديولوجيا، بيروت: دار التنوير، 2011، ص. 108

[3] المرجع السابق، ص. 111

[4] علي سليمان الرواحي، ماركس في مسقط: بحوث حول البنية المادية وتوزيع الثروات وتاريخية القوانين، بيروت: جداول للنشر، 2017، ص. ص. 100- 101

[5] إبراهيم حسن البلوشي، إدانة الانحراف الفكري في دول الخليج العربي، سلطنة عمان، 2014، ص. 43

[6] أمل مبروك، الأسطورة والإيديولوجيا، ص. 120

0 810 21 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, سياسة فبراير 21, 2019