مقتطفات من “داخل العقل النقدي”

لـ

  • “هناك فاصلة بين الذات المفكرة وبين ما يمكن أن نسميه فكر، وهي فاصلة لا نكاد نشعر بها عندما نتذوق قطعة موسيقية أو نمارس رياضة ما أو نتعاطى حقل عمل ما كالجراحة والبرمجة والتصميم. لا يمنع ذلك أن يكون لدينا جدل حول موسيقيٍّ معين، أو تحليل لعمل فني ما، أو وصف وشرح تصميم قيد العمل، ولكن هذا ينقلنا من ساحة الذات إلى ساحة الموضوع، وهنا يتولد الفكر. الموسيقى والفنون والرياضة والحرف العمليّة لا تشترط ذلك؛ على العكس من الفلسفة والسياسة والتاريخ والأدب إلى حد ما.”
  • “الكثير من الكتابات النقدية اليوم لا نستطيع أن نسميها نقدا لأنها خالية من أية إشكاليات، إذ لا يكفي أن ننتج المقاييس ما لم توجد هناك إشكاليات حقيقية للمعالجة؛ يتم في ضوئها تبادل عمليات الشرح والاقناع كوظائف مطلوبة في النقد. الإشكالية نتاج متقدم ومتراكم للفكر النافي، فهي صياغة شكّيّة تتجاوز المصادرات واليقينيات لتتيح فرص أكبر ومستمرة للتعاطي مع العلاقات المتشابكة داخلها، على اعتبار أنها مسألة لم تحل بعد، فهي تقبل الاثبات والنفي، وتظل تثير القلق الداخلي باستمرار، وتعبّر عن البحث الدؤوب والسعي غير المنقطع وراء الحقيقة. بمعنى آخر؛ الدخول على الوجود من بوابة السلب.”
  • “الاكتفاء بالذات قاتل للنقد، وسلب الذات مُولِّد ومنتج للنقد. السلب يراكم التغييرات مع استمرار الاستعداد لدى الانسان للتفكير السالب، ومن هذه التبدلات الجزئية التي تتراكم؛ سينتج في الأخير التحول الكبير في حياة الانسان أو الجماعة نحو تمثّل وانسجام أعلى مع الواقع. فالنقد مفتاح صنع الذات الجديدة، والنقد بما هو جسر بين الذات والموضوع؛ هو يوحّد بين الذات والموضوع في الوقت نفسه، مقلّلا بذلك من غلواء هذه الثنائية واستئسادها على الانسان.”
  • “إن القيمة الصانعة للالتزام المتمثل في الرفض والاعتراض؛ تمكّن من تمييز الاعتراض الناتج عن أنانية ضيقة من الاعتراض الناتج عن شعور بالمسؤولية تجاه الواقع. لذ فهي تمثل الأساس الذي يبرر مقولات الاختلاف والاعتراف والتعددية والحوار في الفلسفة اليومية. وهي مقولات أصبح لها حضور كبير ضمن مفاهيم ما بعد الحداثة، وبرغم أنها لا تلتقي مع هوى السلطة التي تنزع بطبيعتها للتوحيد وإقصاء المختلِف؛ غير أن حضورها ما يزال مستمرا ويزداد يوما بعد يوم؛ لأنها خيار الشعوب التي تعلمت وتتعلم أن التوحيد القهري يعود بنتيجة عكسية؛ مزيد من التقسيم والعنف والتطرف.”
  • “إن الاعتراض في حقيقة الأمر محاولة لاختراق النظام السائد بغية تحصيل الاعتراف بحق المعترض وإدراجه كخيار داخل النظام. فالاعتراضات بعد مدة تكون بمثابة التحديثات التي يجب أن تتحقق حتى يستوعب النظام التغيرات المستجدة. كون النظام نفسه هو من نتاج اعتراضات قديمة منسية، وبالتالي فالتوقف عند لحظة تاريخية معينة ورفض الحوار مع الاعتراضات سيكون بمثابة دق مسمار جديد في تابوت النظام تمهيدا لنظام جديد سيولد قريبا.”
  • “الاعتراض بذلك ليس مجرد حدث يتم في الزمان، ولا إرادة لحظية للتغيير بالقوة، ولا ينطلق من شعور مفاجئ بالارتهان لقبضة صارت منكشفة وواضحة. بل هو سيرورة مستمرة يجب أن تكون من صلب الانسجام والتوافق مع النظام ومع المجتمع. فهو انكشاف مستمر لحالة الغياب في الحضور. النقص هو الأساس في الذات وفي الموضوع. لا يوجد كمال يستدعي الخضوع الأبدي، ففي كل لحظة يوجد غياب ما يستدعي التدخل للكشف عنه، تماما كما لا توجد قبضة يجب رفعها سوى قبضة الشعور بالاكتمال، وهي مستمرة. التدخل المطلوب هو التحديث المستمر للداخل والخارج. الداخل ونحن ندرك ضعفنا وجهلنا وخوفنا، والخارج ونحن ندرك تناقضاته ومشاكله وتحدياته.”
  • “الفضاء العمومي هو المجال العام الذي تولَّد في الدولة الحديثة عندما أصبحت طرفا داخل معادلة الوطن الجغرافي في مقابل الناس أو الشعب أو المواطنين. فسيطرة الدولة على المؤسسات تبعه ولادة فضاء ينشط فيه غالبا متعلمون واختصاصيون متذمّرون من سيطرة الدولة، فيحاولون انتزاع بعض القوة منها وإعادتها للشعب، أو استثمارها لصالحهم.”
  • “العقل النقدي بذلك سيرفض التمركز حول مفهوم كلي أو سلطة مطلقة، فحالة التحول والتبدل تجعل العقل النقدي في حركة مستمرة لا يمكن لسلطة ما أن تدعي تمثيله. وبالمثل مع الأنساق وأنظمة الهوية التي تكافح من أجل الوصول إلى تصور ثابت وساكن عن الحياة؛ فهي الأخرى تقع على طرف نقيض مع العقل النقدي. لذا يقع الاصطدام دائما بين العقل النقدي وبين السلطة والنسق والهوية.”
  • “والعقل الأداتي بذلك لا يختلف عن العقل الأسطوري القديم، فالمعطى السابق الخرافي الذي جعل القدماء يفسرون الظواهر بأنها أفعال الكائنات الخارقة؛ هو نفسه تقريبا لدى العقل الأداتي، ولكن بدل الثقة في الإله الغيبي؛ تصبح الثقة في العلم والتقنية والدولة. العقلان الأسطوري والأداتي كثيرا المصادرات، فهما يبنيان مصادراتهما من إرادة التوحيد للمتغيرات والأشياء حول مركز. مصادرات على شكل: الغاية أهم من الطريق، حل المشكلة أهم من مضمونها، الماهية قبل الوجود، الذات أولا ثم اللغة. جميع المصادرات السابقة لو عادت إلى مسارها الجدلي؛ فسوف تنتج تصوّرات عن الواقع أكثر نضجا، ومجتمعا أكثر حيوية. ولكن المركز دائما يشد نحوه ويرفض الهوامش.”
  • “فالعقلانية أوهمتنا بالحداثة؛ ولم تفعل سوى أن نقلت الميتافيزيقا من مشروع مثالي إلى مشروع واقعي يتحكم بكل تفاصيل الواقع. هذا المشروع هو العقل الأداتي، والميتافيزيقيا الجديدة هي التي أصبحت جوهر التقنية . يكفي أن نقول اليوم عن قرارات الدولة بأن وراءها مصلحة ما خافية! ليتم إلغاء أي تراجع وتشكيك في جدوى الخضوع لتلك المصلحة الهلامية غير الواضحة. النتيجة الأخيرة للعقل الأداتي هي الحتمية؛ بكل ما تحمله من قسوة وظلم وامتهان للإنسان والمجتمع.”
  • “النقد كأداة حكم تتشكل فيه الذات بطريقة جدلية تشرف على نفسها بنفسها ولا تخضع إلا لصيرورة تطورات النقد وقيمه ونتائجه، لأن استمرارية النقد كفيل بأن لا تتحول الذات إلى أي شكل من أشكال السلطة التي تجعلها تتمركز على نفسها.”
  • “النقد يظل قادرا على العمل حتى في أقسى الشروط، كونه يعمل وفق نظامه الخاص وليس من السهل إخضاعه للعقلانية الأداتية، وخصوصا عندما يتشكل في قوالب تتسم بقدر أكبر من الذاتية؛ كالفنون والشعر والسينما وحركات الرمزية والسريالية، وفي الأشكال اللاأداتية لرؤية العالم؛ كالتصوف واللاسلطوية وحركات أنصار البيئة والثقافات الفرعية ومناهضي الحروب والعنصرية والتمييز ضد المرأة.”
  • “يقع النقد في قلب أي مشروع تنويري، بل إن التنوير كمشروع ما هو سوى نقد. غير أن الفرق هو أن النقد في التنوير يتجه للعقل؛ أي نقد العقل؛ العقل كبنية كلية تمثل النهايات الكبرى للمجتمع والثقافة والأمة. في نقد العقل؛ يكون تركيز النقد على الكشف عن عيوب نموذج التفكير السائد وثغراته، تمهيدا لإحلال نموذج آخر أكثر صدقا وواقعية. التنوير يقع عندما يبدأ النموذج الجديد في العمل واكتساب الممارسين الذين ينسحبون تدريجيا من النموذج السابق إلى الجديد. العقل النقدي هو من يقوم بنقد العقل، ولكي ينجز المهمة فإنه: 1) يغربل المعلومات ليستخرج ما يصدق عليه أنه معرفة ويستبعد الزائف منها. 2) يكشف عن التناقضات والوهم والخداع في التفكير وفي الثقافة بما يقوّض بُنى التخلف المعشعشة في المجتمعات. 3) ينتج المفاهيم والعناوين التي تعيد طرح التساؤلات القديمة أو تصنع الجدل المفضي إلى الوعي الجديد. 4) يمكّن الفرد (والمجتمع) من قيادة نفسه بعيدا عن الافتراضات القروسطية الهلامية بضعف الانسان وعدم قدرته على إدراك مصالحه.”
0 644 24 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, ثقافة وفكر فبراير 24, 2019