ثلاث قصص قصيرة لروبرت فالزر

لـ

 

النصّ الأول

شيئان بسيطان

(1)

في البداية، وقبل كلّ شيء، وحتى تسير الأمور ببساطة وسلاسة للجميع، ينبغي لكل إنسان أن ينتبه إلى نفسه جيدًا. بداخلكَ ميل إلى أن تفكّر دائمًا في غيركَ، وتنسى نفسكَ.

ولكن، هل يشكركَ الآخر على سلوككَ؟ وهل في وسعه ذلك؟ لا أحد يحبّ أن يكون شاكرًا لغيره، فكل إنسان يودّ أن يُوجّه الشكر  إليه. يحبّ الإنسان أن يقول دائمًا:”..هذا بفضلي، لا بفضل غيري”.  على أي حال، بقدر ما تكتفي بالتفكير في شخصٍ ما، دون أن تكون قد ساعدتَه مساعدةً فعلية، فأنتَ تتجاهل نفسكَ تجاهلًا سافرًا. وأنتَ تعلمُ بالطبع، لا أحد يحبّ مَنْ يتجاهلون أنفسهم”.

(2)

بينما كنتُ أمشي في طريقي ظهر لي كلب. أظهرتُ اهتمامًا واضحًا بهذا المخلوق الطيب لما أمعنتُ النظر إليه. ألستُ رجلًا أحمقَ؟ أليس من الحماقة التوقّف في منتصف الشارع والتحديق باهتمام في عينيْ كلب، أليس من الحماقة إهدار  هذا الوقت الثمين؟ الحقيقة أنني بينما كنتُ أمشي في طريقي لم أشعر مطلقًا بأن وقتي ثمين. بعدها واصلتُ السير بخطوات متمّهلة.

 

****

النصّ الثاني

المرأة الواقفة أمام النافذة

لماذا تقف هذه المرأة أمام النافذة؟ هل تقف لمجرّد الفرجة على الحيّ؟ أم ربما قادها شعورها إلى الوقوف أمام النافذة حتى تتمكّن من التفكير.  بِمَ تفكّر؟ هل تفكّر في شيء مفقود، في شيء يستحيل استعادته؟ هكذا يبدو المنظر  لمَنْ يتأمّل المشهد بعين فاحصة.

هل تبكي المرأة؟ أم هي على وشك أن تجهش بالبُكاء؟ وهل بكَتْ المرأة بالفعل قبل الوقوف أمام النافذة مباشرةً؟ أم هل ستشرع في البكاء بمجرّد مغادرة النافذة؟ من يتأملّ المشهد، سيكتشف أن ذلك مستحيل. هل لهذه المرأة، الواقفة هناك، وحيدةً أمام النافذة، حبيب؟ وهل غادر هذا الحبيب إلى الأبد؟ أغلب الظنّ، نعم.

هل كان لها يومًا حبيب؟ لو أن الأمر  هكذا، فهي الآن بلا رفيق. ألا تقف هذه المرأة الرقيقة المسكينة هكذا، كما لو أن أحبّ الأشياء إلى قلبها قد ذهب بلا رجعة؟ ألا يبدو الأمر  كما لو  يتبقّ أمامها سوى التفكير فيما فقدته، إلى الأبد؟ وكأن لسان حالها يقول:

“لقد فقدته في اللحظة التي كاد يعترف ليّ فيها بحبه، في اللحظة التي كدتُ فيها أعانقه، وضغطت عليه ليلامسَ قلبي”.

كم هو قاسٍ هذا الأمر. ولكن، ما الذي دفع الحبيب إلى هجر حبيبته، الحبيبة التي أحسّ بحبها في قلبه؟ هل فرّق بينهما القدر؟ أم هل فرّقت بينهما نوائب الدهر التي لا تهتمّ بحبٍ أو بأية مشاعر رقيقة؟ أمر جدير بالتفكير. فالأمور السيئة جديرة بالتفكير مثلها مثل الأمور الحسنة. ربما لم تفقد المرأة الأمل في لقاءٍ ثانٍ حُلو، ربما؟

لا، ليس لديها أمل سوى أن تتمكّن من البكاء، أن تتمكن من الغرق في بحر الألم الذي ترتجف به روحها. لم يعد لهذه المرأة، التي فقدتْ حبيبها، رفيق حميم سوى الألم، وهذا آخر نوع من الأصدقاء يُمكن للإنسان أن يملكه؛ هو صديقٌ قاسٍ، له وجه شاحب، وشفتان غارقتان في حزن لا يمكن محوه، يقول للمرأة شيئًا، ثمّ يعانقها. وهو في واقع الأمر  يفعل ذلك، فألم مفارقة الحبيب هو العناق. ربما لا يكون ألم فقد الحبيب بالشدّة نفسها التي سيكون عليها بعد مرور عامٍ،أو بعد مرور عاميْن من الفراق، فالألم ينمو في سكون.

الأمر ما يزال في البداية، مثله مثل رنين جرسٍ خافت (بِم..بِم). لكنه قد يتحوّل إلى رنين متلاحق، مجنون، مفجع، يمزق القلب.

ألا تبدأ الحفلة العنيفة، الصاخبة المدوّية بلحنٍ هادئ بسيط؟

إن كان الأمر كذلك، ففي انتظار هذه المرأة، الواقفة أمام النافذة، معركة أخرى قاسية.

(1914)

***

 

النصّ الثالث

رسالة من رجل إلى رجل

تكتبُ إليّ لتخبرني عن قلقكَ من البقاء عاطلًا دون عمل، وعن خشيتكَ من المكوث في المنزل دون مورد رزق. أنا أكبر منكَ سِنًا، وأستطيع أن أسدي لك نصيحة مجرّبة.

لا تخفْ، ولا تفكّر في شيء. إن كنت تعاني العوز والحرمان، فكن فخورًا بقدرتكَ على تحمّله. عش هكذا، على قليل من الحساء، وكسرة خبز وكأس من النبيذ، وهذا ممكن.

لا تدّخِن، فالتدخين يسلبكَ القوة الجسدية اللازمة لمواصلة الحياة. بين يديكَ حريّة لا يحدّها سور. الأرض كلها تتنفّس حولكَ، الأرض كلها طوع يدك، راغبة في الخضوع إلى إرادتك، فلتستمتع بها. الهاربون لا يتمتعون بشيء. انزع الخوف من قلبكَ. لا تكن وقحًا، ولا تسبّ غيركَ، ولا حتى أشّدهم سوءًا. جرّب الحبّ، في الوقت الذي يجرّب فيه غيرك الكُره، أقصد مَنْ هو أضعف بصيرة وأكثر جبنًا. صدّقني فيما أقول لكَ: الكُره يمزّق روح الإنسان إلى أشلاء. أحبب كل شيء. لا يضيرك أن تختفي عن الناس قليلًا. استيقظ في الصباح الباكر، لا تلزم الجلوس طويلًا، اخلدْ إلى النوم بسرعة وبطريقة صحيحة، وهذا ممكن.

إذا كنت تعاني من الحرّ، تظاهر أنّك لم تلاحظ. وإذا تصادف مروركَ بجوار نبع ماءٍ طبيعي في الغابة، لا يفوتكَ أن تشرب منها. إذا أهداكَ أحدٌ هدية بأدب، فاقبلها منه بأدب.

حاسبْ نفسكَ كل ساعة، واعتمد عليها، الأفضل أن تتحدّث إلى روحكَ، بدلًا من الحديث إلى المثقّفين. تجنّب المثقّفين، لإن أغلبهم- إلا قليلًا- بلا قلب. اخلق لنفسك كلما استطعتَ فرصة لكي تضحك وتلهو. النتيجة: ستصير إنسانًا راقيًا وجادًا. كن راقيًا في كل شيء، حتى إن وجدتَ في ذلك صعوبة.

تأنّق في ملبسك، سيمنحكَ هذا الحبّ والاحترام، لا يتطلّب الأمر مالًا، بل جهدًا لامتلاك الحسّ. عوّدَ نفسك على أن يكون لديكَ شغفٌ بشيءٍ ما، الشغف هو ما يميّز الرجل النبيل. تعلّم ذلك: الرجل الأكثر شغفًا، هو الرجل الأكثر  نُبلًا.  تعلّم ذلك، في وسع الإنسان تعلّم كل شيء. سأكتب لكَ في وقتٍ آخر.

***

روبرت فالزر (1878- 1956)، كاتب سويسريّ، يكتب بالألمانية، ولِدَ في مدينة بييل بسويسرا. لم تُكتب لأعماله الذيوع في أثناء حياته. كتب الرواية والقصّة القصيرة والمقال الأدبي، يُعدّ  أحد آباء الحداثة النثرية في الأدب الألماني في القرن العشرين،من أشهر رواياته “ياكوب فون جونتِن”، “”المُعاون”، “الإخوة تانير”. أثنى على أدبه  كُتّاب كِبار من أمثال (هيرمان هسّه، فالتر بينيامين، روبرت موزيل، وأديب نوبل الجنوب إفريقي ج. إم كوتسي).

النصوص السابقة مُترجمة عن الألمانية مباشرة، من كتابه “نصوص قصيرة”، الصادر للمرّة الأولى سنة 1914 عن دار كورت فولف في لايبزج.