القدس .. وانبعاث صرخة ” يا خجلة ملوك المسلمين” التاريخيّة

لـ

 

الذاكرة النشطة.. وبما تتمتع به من قدرة على استحضار ما فات، حتى وإن كان هذا الذي فات مضى عليه عقود وربما قرون طويلة، فإنها تبقى الكاشف القادر بأمانة على تلمس النسق التاريخي للقضايا الكبرى التي شغلت وما تزال تشغل اهتمام الناس، إنها القوة الخفية التي تتفجر من داخلها كل الأخبار المهملة أو المستبعدة، وتكشف أولئك الذين طوّعوا جانبًا من الأحداث أو الأخبار، بالاجتزاء حينًا والتزوير أحيانا أخرى ليظهروا أنفسهم بصيغة المخلّص.

ومن الطبيعي في ظل أوضاع مؤلمة، كالتي نعيش، أن تنشط الذاكرة في استحضار الأوجاع وخيبات الأمل المتكررة. إنه ذات المعنى الذي أبدع بعض ملامحه الشاعر المصري إبراهيم ناجي في ملحمته ” الأطلال”، ورددته سيدة الغناء العربي، أم كلثوم، وهي تشدو:

أيها الساهر تغفـــو        تذكر العهد وتصحو

وإذا ما التام جرح         جـدّ بالتذكار جـرح

فالتذكار- ويعني هنا عملية نبش تاريخي في تسلسل أحداث لموضوع محدد – وإن كان عاملا مساعدًا على إثارة الجرح الذي لم يبرأ، فإنه بالمقابل خير معين في محاولات الفهم الشاقة للعلاقة النسقية بين هذه الأحداث المتباعدة. وهذه حال من أراد خوض غمار تجربة البحث التاريخي، أو المذاكرة، في قضية كبيرة وبالغة الأهمية مثل قضية القدس. هذا الجرح  الذي لم يكتب له التئام لأكثر من مائة عام، بعد ضياع المدينة للمرة الرابعة في عام 1917. لتتجلى للراغب في التذكار حقيقة أن الضياع الأخير ما هو إلا حلقة ضمن حلقات متسلسلة يجمعها من نقاط الشبه أكثر مما يفرق بينها، وأن الضياع الأخير ما هو سوى نسخة مكررة عن مشاهد سابقة، وأن العناصر الجامعة بين لحظات الضياع الأربع شديدة التشابه.

الضياع الأول للقدس كان في صيف عام 1099أمام الزحف الصليبي الأول. غير أنه لم يكن ضياعًا سهلا، فمع حالة الضعف العام التي أخذت بالوضوح تدريجيًا على جسد الأمة، إلا أن ضياع القدس لم يكن بدون تضحيات حقيقية، فالحامية المصرية الموجودة في المدينة بقيادة افتخار الدولة “الفاطمي”، استبسلت في دفاعها،  وتذكر كتب التاريخ تضحيات النبّالة السودانيين – رماة النبال- في تصديهم لهجمات فرسان الحملة الصليبية. لم يكن الضياع الأول للمدينة سهلًا كما يحاول تصويره بعض من يوظف مادة التاريخ لأغراض مذهبية.

بقيت القدس تحت الحكم الصليبي الأول مدة 88 عامًا، بالطبع كان الجو السياسي المحيط بالمدينة أكبر عون للصليبيين كي يستمروا في حكمهم هذه الفترة الطويلة، فالنزاعات ومشاعر الشك والحسد استهلكت حكام الولايات الإسلامية المحيطة بيت المقدس، وأشغلتهم عن تحرير المدينة ذات الرمزية الدينية الفائقة، لدرجة أن بعضهم انغمس في تحالفات مع أمراء الممالك الصليبية في فلسطين، ضد أمراء مسلمين بعضهم أشقاء وأقرباء. وبقي هذا حال المنطقة إلى أن ظهر على الساحة صلاح الدين الأيوبي التكريتي – كردي- فكانت أولى خطواته لتحرير القدس، توحيد كلمة الحكام الذين تمرّسوا في الخلاف، ليقودهم بعد سجالات عسكرية وثقافية بالغة التعقيد، وكانت ثمرة هذه السجالات الوحدوية خوض ملحمة تاريخية، بكل ما لهذه الكلمة من دلالة، أسفرت عن تحرير القدس عام 1187 وكان أول تحرير لها.

وإذا كان يحسب لصلاح الدين الأيوبي في سيرته أنه أمضى عمره في سبيل توحيد ممالك المسلمين وإماراتهم في دولة واحدة، إلا أنه يؤخذ عليه بالمقابل أن هذا الإنجاز التاريخي أعاده إلى صورته الأولى قبل موته، وقرر إعادة تفتيت جزء كبير من العالم الإسلامي الخاضع لحكمه، وعهد إلى أولاده وأقربائه بحكم هذه الأجزاء المبعثرة، فما لبث أن عاد الخلاف إلى سيرته الأولى بين الأشقاء والأقارب من ذوي الحكم.

وفي أجواء سياسية يحكمها الخلاف ومشاعر التكايد والحسد، تغدو فرص التآمر مهيأة، واحتمالية وقوعها واردة بصورة كبيرة، وكان قدر القدس أن تدفع ثمن هذه الحالة بعد 42 عامًا فقط على تحريرها للمرة الأولى. وها هو أحد أقرباء صلاح الدين، الملك الكامل محمد بن العادل الأيوبي، يضيع القدس على نحو لا يكاد يصدقه عقل، عندما قدم المدينة بصفة  “هدية” لإمبراطور ألمانيا وملك صقلية، فردريك الثاني، الذي كان مهددا بالحرمان الكنسي لتقاعسه عن قتال المسلمين واسترداد القدس منهم؛ فجاءه الخلاص والحل على يد الملك الكامل الذي دخل مع الإمبراطور الألماني في صلح تنازل بموجبه الملك المسلم عن القدس، مقابل هدنة عسكرية يستثمرها الأخير لغرض  التفرغ لقتال شقيقه، المعظم عيسى، الذي عقد تحالفًا مع الخوارزميين – سلالة تركية مسلمة ترجع أصولها غربي إيران -. إنها إحدى آثار التركة التي خلفها صلاح الدين وراءه.

دخل فردريك الثاني القدس مطلع عام 1229، وقبل دخوله نادى رسول الملك الكامل بأهلها يدعوهم إلى مغادرتها. وسادت حالة من الغضب في العالم الإسلامي، فأقيمت المآتم حزنا على تسليم القدس، وعلا صوت الوعاظ والخطباء وهم يذكرون مآثر القدس وينددون بهذه الفعلة التي جلبت العار على الأمة بأسرها. وكان مما وعظ به عالم مدينة دمشق، سبط ابن الجوزي قوله في إحدى خطبه :” … أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه تسكب العبرات، ولمثلها تنقطع القلوب من الحسرات”.

لم يتجاوز الاحتلال الصليبي الثاني للقدس عشرة أعوام، ليحررها الملك الناصر داوود في عام 1239، فكان هذا هو تحريرها الثاني. ولم تكد تمضي خمسة أعوام على تحرير المدينة آخر مرة، حتى أعادها محررها الملك الناصر للفرنج من جديد، وكان ذلك في عام 1243. بالطبع كان وقع هذا الحدث على الأمة كسابقه، وللتخفيف من وقع الصدمة على المسلمين تحايل الكامل على العامة بان أصدر أمرا يقضي باحتفال الناس بعيد المولد النبوي، وكانت هذه أول مرة تحتفل دولة سنية بهذه المناسبة التي اختصت بها الدولة الفاطمية من قبل. وفي صورة تاريخية مشابهة جرى الاحتفال لأول مرة في التاريخ بعيد رأس السنة الهجرية وكان ذلك في عام 1908 عندما وجّه رئيس وزراء مصر، بطرس غالي – وهو مسيحي قبطي – في أولى قراراته أن تحتفل مصر بعيد الهجرة النبوية، في وقت كان المصريون يتهيأون فيه لثورة على الاستعمار البريطاني. غير أن احتلال الصليبيين آخر مرة للقدس لم يتجاوز عاما، إذ تمكن الملك الصالح نجم الدين أيوب بمساعدة الخوارزميين من تحريرها للمرة الثالثة عام 1244.

بقيت القدس بأيدي المسلمين: أيوبيون، ومن بعدهم مماليك، ومن بعدهم عثمانيون، الى أن دخلتها القوات البريطانية عام 1917 تحت قيادة الجنرال الإنجليزي اللنبي، بمشاركة قوات نيوزلندية وأسترالية وحضور كثيف لجنود مصريين متطوعين بالجيش البريطاني، ضمن ما يعرف تاريخيًا باسم “التجريدة المصرية في فلسطين” التي بلغ قوامها مليون جندي. وكان دخول القوات الاستعمارية بعد هزيمة سريعة للقوات العثمانية التي كانت تحمي المدينة، وفور دخوله ردد اللنبي مقولته المشهورة “الآن انتهت الحروب الصليبية” وكأنه يقرر أن هذا الدخول سيحسم مستقبل المدينة إلى الأبد، وأنها لن ترجع إلى المسلمين في يوم من الأيام.

جاء ضياع القدس للمرة الرابعة في سياق معاهدة دولية توافقت عليها كل من: بريطانيا وفرنسا، وفي مرحلة مبكرة روسيا القيصرية قبل أن تنسحب منها بعد نجاح الثورة البلشفية، وعرفت هذه المعاهدة باسم ” سايكس – بيكو ” التي تقاسمت  منطقة المشرق العربي” بلاد الشام والعراق ” فيما بينها، وكانت القدس ضمن المناطق الواقعة تحت النفوذ البريطاني. وكشفت الدولة العثمانية تفاصيل هذه المعاهدة للشريف حسين بن علي، حاكم مكة، الذي حفزه البريطانيون لإعلان ثورة على الأتراك ومن ثم الاستعانة به، لتغدو هذه ” الثورة ” منذ هذه اللحظة الغطاء التي تمكنت الإمبريالية العالمية غزو المنطقة.

وفيما يبدو فإن حظوظ هذا الرجل المسنّ، الذي أقحم المنطقة في مضمار أكبر مغامرة استعمارية عرفتها عبر تاريخها، لم تكن كبيرة جدا، وأصرت الأحداث المتلاحقة على تجريده من أي غطاء أو مبرر يمكن أن يركن إليه باعتبار أنه لم يكن يعلم بوجود تواطؤ دولي لاقتسام المنطقة بين القوى الإمبريالية، فهذا الوالي التركي على سورية، جمال باشا، يكشف للشريف حسين وابنه الأمير فيصل، تفاصيل المؤامرة الدولية، وكان هذا الكشف مدعمًا بنسخ أصلية عن المعاهدة الاستعمارية. وأعلن الوالي التركي على الملأ وأمام أهل دمشق أنه بعث ” إلى الشريف حسين باشا كتابا صورت له فيه هذه الحقائق، وأفهمته حرج مركزه الحاضر وخطره، فإذا كان مسلما حقيقيا، وكان جامعا لخصال العرب وخصائلها وإحساساتها، يقلب للإنكليز ظهر المجنّ، ويؤول راجعا إلى خليفة الإسلام والمسلمين”. وفيما يتعلق بمصير القدس، فإن الخلافة العثمانية حملت الشريف حسين المسؤولية التاريخية عن ضياعها للمرة الرابعة، ومما قاله والي الشام بهذا الخصوص :” إن الانكليز لم يجتازوا الترعة- قناة السويس- إلا بعد تأمين خروج الشريف وعصيانه، فإذا كانوا اليوم أصبحوا أمام القدس، فذلك نتيجة عصيان الشريف حسين في مكة”. المثير للدهشة أن حاكم مكة بقي ماضيًا في مشروعه ضمن ما أطلق عليه آنذاك بـ “الثورة العربية الكبرى”، رغم أنه لم يتلق نفيا أو تكذيبا من الحكومة البريطانية لادعاءات الأتراك وهي إحدى الدلائل التي تقطع أنه وأبناءه كانوا على علم ومنذ البداية بتفاصيل هذه المعاهدة الاستعمارية، ناهيك عن أدوارهم اللاحقة في تثبيتها وتأكيد حضورها على خارطة المنطقة.

هذا ” التذكار ” المرتبط بتاريخ المدينة المقدسة على مدى 818 عامًا، وحالات الضياع التي شهدتها، تنطق بعدد وافر من الاستنتاجات، يمكن أن تشكل بمجموعها مؤشرًا على نحو ما لمستقبل هذه المدينة.

  • أولى هذه الاستنتاجات ملاحظة أن السكان المحليين في منطقة فلسطين وعموم بلاد الشام كانوا غائبين تماما عن اللحظات الحاسمة، ليس فيما يخص تاريخ المدينة وإنما تاريخ المنطقة بأسرها، وأن الذين أمسكوا زمام الفعل التاريخي هم أمم أو قبائل أو جماعات وافدة على المنطقة: أكراد، ومماليك، وأتراك، وفرس، وسودانيون … هؤلاء هم الذين صاغوا أحداث المنطقة في تاريخها. هذه الحالة من الفراغ السياسي ما زالت حاضرة إلى الآن: الأتراك يمارسون ضغوطا من جهتهم، الإيرانيون كذلك، قوى عالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تملأ الحيز الأكبر من الفراغ، والدور الإسرائيلي آخذ بالتنامي على نحو لافت، الكل يمارس فعلًا سياسيًا وعسكريًا، عدا أبناء المنطقة الذين لا تتعدى أدوارهم أن تكون صدى لإرادات قوى خارجية.
  • ثاني هذه الملاحظات أن القدس كانت في صميم التبدلات والتغيرات الحاسمة التي تشهدها المنطقة، لذا كان من الطبيعي أن تكون هي محور دعوات تآلف وتحالف بهدف تحريرها، أو محور إبرام صفقات وعقد اتفاقيات تآمرية مع أعداء من الخارج.
  • يرى العالم الغربي في القدس مركز الصراع الحضاري بينه وبين المشرق العربي/الإسلامي، ومن الواضح أن الدين ما زال عصب هذا الصراع ونقطته المحورية، ولدى العالم الغربي إرادة على إدماج هذه المدينة في صميم تطلعاته ونظرته للمستقبل، ووفقا لهذا السياق يمكن التعامل مع الاحتلال الصهيوني للمدينة باعتباره يأتي في سياق مشروع غربي طويل المدى، وهي النظرة التي لخصها اللنبي لحظة دخوله القدس المشار إليها.
  • وكما لم يكن للعرب دور واضح في تحرير المدينة على مدى القرون الثمانية الماضية، كذلك لم يكن لهم دور كبير وواضح في التآمر عليها، إلا أن التآمر العربي عليها بدأ منذ اللحظة التي تواصلت ببرجوازيات بدوية تنافسية مع القوى العالمية، وكانت القدس في صميم التفاهمات بين الطرفين، وما زالت هذه الحالة ماثلة حتى هذه اللحظات.

هناك مقولة عتيقة، ذات صلة بقراءة التاريخ واستذكاره، لكنها مع مرور آلاف الأعوام عليها، إلا أن هذه المقولة ما زالت تحتفظ بقوتها ونضارتها، ومضمونها يتوافق مع كثير مما نشهده في هذه الأيام، تدعو هذه المقولة الراغبين فيمن يرغب :” أن يفهم التاريخ سيكون عليه أن يبحث عن البقايا التي ما زالت حية من العصور القديمة”.

0 254 12 مارس, 2019 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, سياسة مارس 12, 2019