الحداثة

لـ

يحظى مصطلح الحداثة باستخدام واسع النطاق في الكتابات والبحوث والحوارات التي تختص بالحديث عن الحضارة في عصورها الحديثة وتطورها والمقارنة بين مستوياتها التي بلغتها في مختلف دول العالم، وكثيرًا ما يتم الحديث عن منجزات الحداثة وقيمها، وكذلك الحديث عن تراجعها وارتكاسها فيما يعرف بعصر ما بعد الحداثة، وفي مجال التدارس التاريخي فإن الحداثة كثيرًا ما ترتبط بمصطلحات أخرى مثل التنوير والنهضة وحقوق الإنسان، ولكن عند القارئ العادي وغير المطلع على مسار التشكل التاريخي لمفهوم الحداثة فإن خلطًا شائعًا يحدث بين هذا المصطلح ومفهوم (العصر الحديث)، لذلك نجد أن عدم الاتفاق في وجهات النظر أثناء كثير من الأحاديث التي يكون مفهوم الحداثة محورها أو يحظى فيها باهتمام كبير سببُه المباشر هو غياب التصور الموحد أو المتقارب لهذا المصطلح في أذهان الأطراف المتحاورة، في هذا المقال سوف نقوم بمحاولة لتوضيح الحداثة وتعريفها، وبالأخص في سياقها التاريخي، ثم سنذكر أهم ثمارها ومنجزاتها وردود الفعل تجاهها خاصةً خارج مجال تشكلها أي في البلدان غير الأوروبية. 

تاريخيًا؛ فإن الحداثة هي وصف لمرحلة زمنية من مراحل تطور الحضارة الغربية، وهي مرحلة جاءت بعد تحولات فكرية مهمة ومحورية في منظومات التفكير الغربي وأسسه ومنطلقاته، وهذه التحولات الفكرية – التي كانت الحداثة أهم ثمارها – قامت بوضع الحدود الفاصلة بين العقل الديني والعقل النقدي الفلسفي وقامت بتحديد مجال كل منهما، وهو ما مهّد وسرّع في ظهور العلوم التجريبية وتطورها، كما أدى إلى تحولات سياسية مهمة في أوروبا أثرت في تشكيل منجزات الحداثة وقيم وفي ترسيخ حقوق الإنسان، رياح التغيير الفكري هذه بدأت تبرز بفاعلية ملحوظة في القرن السادس عشر، وهي الفترة التي تسمى بعصر النهضة في أوروبا، وشهدت ظهور مفكرين أسسوا اللبنة الأولى في التفكير النقدي، ودعوا إلى وضع مسلمات التفكير وأسسه تحت مجهر البحث والدراسة، خاصة وأن نمطًا معينًا من التفكير كان يسود العقليات السائدة آنذاك، وهو نمط ثابت يُمليه رجال الدين ولم يتغيّر منذ قرون طويلة. من أهم هؤلاء المفكرين نذكر فرنسيس بيكون الذي أرسى الدعائم الأولى للمنهج العلمي التجريبي ورينيه ديكارت الذي قامت على يديه الفلسفة العقلانية النقدية الحديثة. تلا ذلك ظهور عصر التنوير أو عصر الأنوار الذي بلغ ذروته في فرنسا القرن الثامن عشر مع مفكرين كبار مثل فولتير وروسو والألماني كانط وغيرهم، وهم الذين دفعوا بعجلة الفلسفة النقدية إلى الأمام، وتمكنوا من إشاعة روح التفكير الحر والنقدي بين الناس، فلم تعد التشريعات ولا المجهودات الفكرية خاضعة لنمط التفكير وأسسه  المفروضة من قِبل الكنيسة والمذاهب الدينية أو من رجال الدين بشكل عام. إن هذه التغيرات في أساليب التفكير وطرقه، وتوسيع صلاحيات التشريع لتصبح حقاً معترفا به للمفكرين غير المنتمين للتيارات الدينية هو الذي أدى إلى ولادة الحداثة  التي يمكننا الآن تعريفها كما يأتي ( هي مرحلة تاريخية في تاريخ أوروبا تميزت بظهور العقل الفلسفي النقدي وبروزه على حساب تراجع الفكر الديني التقليدي الذي كان يميل إلى تقييد حركة التاريخ والمجتمع ووضعه في سياقات تاريخية ماضوية بحجة قدسية الفهم الديني) وقد صاحب تقدم الفكر النقدي تقلبات سياسية وتضحيات في سبيل إرساء عدة قيم كانت خارج مجال التفكير بالنسبة للعقل الديني، قيم الحداثة هذه صارت مقدسة في نظر الشعوب الأوروبية، قداسةً لا تقل أهمية؛ بل وتنافس القيم الدينية.

لأجل مزيد من التوضيح لمعنى الحداثة حسب التعريف السابق، سوف نذكر عدداً من قيم الحداثة التي لم يكن لها وجود في عهد حكم الكنيسة ونفوذ رجال الدين، ولنبدأ بمفهوم المساواة الذي يعني أن أفراد الشعب متساوون في الحقوق والواجبات تحت ظل الدولة التي ينتمون إليها، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو عقيدتهم، وهذه القيمة صارت من البدهيات في عصرنا الحالي بعد أن كانت غائبة في العصور السابقة؛ إذ كان الناس يتفاوتون في الحقوق والواجبات حسب تصنيفهم العرقي والديني، فالعقل الديني كان يستحيل عليه أن يقبل المساواة بين العبد والحر أو بين المؤمن وغير المؤمن؛ بل إلى الآن ما تزال الشعوب التي لم تدخل في طور الحداثة نراها محكومة بثنائية المؤمن وغير المؤمن، حتى إننا نحن المسلمين ما زال فقهاؤنا يفكرون بعقلية القدماء فيما يخص اللامساواة بين المسلم وغير المسلم في الحقوق والواجبات، وكذلك بين الحر والعبد، وذلك في تعارض صريح وسافر لدساتير الدول الحديثة التي يعيشون تحت ظلالها. مثال آخر لقيم الحداثة هو الكرامة البشرية لجميع الأفراد، وهي كرامة ذاتية وغير مكتسبة ولا يقلل من شأنها أي اعتبار آخر، هذه الكرامة البشرية لا يمكن أن توجد في ظل كثير من الممارسات القديمة للقرون الوسطى، كما وتتعارض معها كثير من الأعراف الاجتماعية والتقاليد الدينية لعدد من الشعوب، ومن الأمثلة على الممارسات التي لا تتواءم مع حق الكرامة الإنسانية استغلال أمراء الإقطاع للفلاحين وسلب ثمارهم، ومن الأمثلة كذلك تعذيب المتهمين، واستعمار الشعوب الضعيفة ومعاملة العبيد على أنهم في مرتبة أدنى من البشر، وفي مجال الفقه الإسلامي نجد بأن بعض المعاملات مثل ضرب الرجل لزوجته وحق الأب في تزويج ابنته ومفاهيم كقوامة الرجل وتكافؤ النسب في الزواج ومقولة (العرق دساس) جميعها لا يمكن أن تتصالح مع قيمة الكرامة الإنسانية الذاتية والمتأصلة بوصفها حقًا طبيعيا لكل كائن بشري. ومن القيم الكبرى التي دعت إليها الحداثة كذلك قيمة (العقل) واعتباره من المقدسات التي لم تنل حقوقها من التعظيم، فقد دعا المفكرون الأحرار – الذين تجرؤوا على نقد نظام التفكير الديني ومساءلته- إلى ضرورة أن يكون العقل المتجرد من الأحكام السابقة هو المشرِّع الأول والأخير، وقالوا بأن التوفيق بين أي تعارض بين العقل والنقل – أو الإيمان- إذا ما وجد مثل هذا التعارض لا يكون إلا بترجيح نتائج العقل ثم تصحيح نتائج الفهم الديني وتقويمه، وذلك بعد أن كان التوفيق بينهما يتم عن طريق تبرير الأحكام الدينية السابقة بمسوغات عقلية متهافتة. 

من ذلك كله؛ نرى بأن الحداثة مثلت في معظم قيمها قطيعة مع عقليات قديمة لا تتناسب مع الحياة المعاصرة، بل هي بقايا قرون كانت أقل تقدمًا، وكان لا بد للبشرية من أن تمر بها قبل أن تصل إلى مرحلة أرقى من التطور والرقي الحضاريين، ولئلا يفسر الكلام هنا بأنه تطاول على الدين وثوابته فلا بد من توضيح نقطة مهمة، وهي أنه من الممكن الجمع بين الدين والحداثة، وأن يتحدا معاً في مهمة الرقي بالإنسان، ولكن بشرط أن يتغير الفهم الديني لكثير من القضايا وأن يتم إعادة التفكير والعمل على نقد منظومة التفكير الديني التي يأتي التقليد الأعمى في مقدمة أسسها وثوابتها، إذ لا أحد من رجال الدين وعلمائه ولا من الوعاظ والمتدينين ينكر أن أساليب الاجتهاد والتفكير الديني في جزئها الأكبر تم بناؤها منذ أكثر من ألف سنة وما زالت على حالها من الثبات، ولم يتغير فيها شيء ذو قيمة جوهرية، وهو ما يتصادم مع العقل المتجرد باعتاره القيمة العليا في منظومة قيم الحداثة. 

وإذا تعمقنا في تحليل العلاقة بين الحداثة من جهة والإسلام بصفته نظامًا فكريًا من جهة أخرى، فلا بد أن نؤكد بأن الدين ليس مقابلاً أو خصماً للحداثة بل هما أمران مختلفان تماماً، وليسا محلاً للمقارنة وإن كان ثمة محك للمقارنة بينهما فهو أن بعض قيم الحداثة كالعدل والحرية والإخاء وحرية التعبير والتعددية الفكرية لا توجد مكافئات لها في أغلب منظومات التفكير الديني، بل قد يوجد ما يعارضها رأساً في مفاهيم ومصطلحات كالرق والعبودية وحد الردة والفرقة الناجية والجزية و الجهاد وغيرها، فهذه المفاهيم – إذا أخذناها حسب التفسير التقليدي لها- لا يمكنها أن تتعايش مع قيم الحداثة ومكتسباتها، وذلك بالعكس من تفسيرها حسب منظومات تفكير دينية مخالفة وأكثر حداثة وتجديداً. 

ولكي يكتمل تصورنا لمعنى الحداثة يتوجب علينا توضيح مفهوم آخر مهم هو (ما بعد الحداثة)، وبداية نقول بأن الحداثة بوصفها نظرية، وبعيداً عن التطبيق هي فكرة طوباوية ومثالية وقد تكون حالمة أكثر من اللازم في بعض الأحيان، فهي أشبه بالمدينة الفاضلة (اليوتوبيا) التي يعيش أفرادها حسب القيم النبيلة والإنسانية الخالصة، ولذلك فإن الحداثة – وهي مرحلة تاريخية شهدت لأول مرة دعوة لا نظير لها إلى تلك القيم العظيمة- مُنيت بخيبات أملٍ وإحباطات كثيرة ومتتالية من الشعوب التي احتضنتها، وأكثر هذه الخيبات تبدَّت في جشع الرأسمالية واستعمار الشعوب المستضعفة والحروب الدموية التي لا ترحم مثل الحربين العالميتين، إن كل ذلك شكل نكوصًا ونكسةً ضد منجزات الحداثة والقيم الداعية إليها، وهو ما أدى بالمفكرين في القرن العشرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت الإنسانية – في شطرها الغربي على الأقل – معرضة للتراجع في سلم رقيها الحضاري الذي كانت قد بلغت فيه شأواً عظيماً بعد عصور النهضة والتنوير والنهضة الفكرية، ومن هذا المنطلق تعالت أصوات تدعو إلى مراجعة المفهوم التاريخي للحداثة، والتساؤل عما إذا كانت الإخفاقات الحضارية والمصائب والظلم الذي حلّ بالبشرية تتحمل الحداثة – نظريةً أو تطبيقاً- تبعاتها ونتائجها المخزية، جميع هذه الأصوات النقدية والمؤلفات الفكرية نشأت ضمن حركة فكرية جديدة تمت تسميتها (ما بعد الحداثة).

إن الصدمة التي شكلتها مرحلة ما بعد الحداثة ترتبط كثيراً بـ (فلسفة التاريخ) التي ارتأت – منذ ظهور هذا المصطلح في عصر فولتير- بأن التاريخ والحضارة البشرية يتقدمان بازدهار إلى الأمام، بمعنى أن سيرورة التاريخ لا بد أن تنتج تقدماً متزايدًا يسهم في رخاء الإنسانية، وأن هذا التقدم يشمل فيما يشمله الأنظمة الفكرية، إذ تتجدد هذه الأنظمة وتتطور لتدفع عجلة الحضارة إلى الأمام مع تعاقب السنين، وهي فكرة ما كانت لتجد صدى طيباً في أوساط المنظومات الدينية المحافظة، التي كانت ترى على العكس من ذلك بأن أزهى عصور التاريخ – أي عصر نشأة الدين- قد ولى، وأن جريان الزمن يؤدي إلى الانحطاط وظهور الفتن وتقهقر الدين. من ذلك ندرك سبب الصدمة التي شكلتها الردة على منجزات الحداثة، وما أعقبها من استعمار وحروب وجشع، وهو ما أدى إلى الشك مجدداً في منظومة الحداثة والدعوة إلى مراجعتها وتقويمها والبحث عن منظومات فكرية بديلة لها.