في رحيل جونو

لـ

gono

ورقة مقدمة إلى لقاء: كلنا عُمان الذي

نظمته جمعية الكتاب والأدباء العُمانيين

يونيو 2007

-1-

ماذا أمامك حتى تعود الأرض عذراء ثانيةً، حتى يشتعل وهجٌ وحنينٌ في القلب، فلا تنطفئ شعلة الروح، بل تترافق والشمس في إضاءة الكواكب وولادة الشجرة .

ماذا أمامك والسحرة لا ينكفئون في التردد على منازل مهجورة والاحتماء بها من الشمس والغيم والمطر والموت، حتى غدت الأرضُ مهجورة الحياة دون طلعٍ ونبت وماء .

ماذا أمامك؟ أناملٌ صغيرةٌ دافئةٌ تداعب القلب حتى تستيقظ طفولة بعيدة فتوقظ المكان والزمن، يبتهج الملاك وترسل السماء دفقاً يبعث الفصول، يوقظ لآلئ الروح ويبعث الحياة .

أمامك الليلُ شقيقاً لك، حتى تستيقظ وتوقظ معك الحب وتشعل النار، فيقترب منك فجر غريب كعذراء من الجان، لفت قدماها فجأةً فأحضرت الروح .

أمامك النهار بعد أن رحل الوجع واختبأ الرماد، ولم يعد هناك هجر ولا فراق ولا دمع، لأن الله أيقظ الموتى من مراقدهم، فخرج الناس من بيوتهم بحثاً عن أجدتهم، ممكن فقدوا ورحلوا وعرفوا وعشقوا. وما عاد في الأرض إلا كثير من الوجد وسلام حتى لا يفترق الإنسان أجدته، ولا يغترب عن نفسه، يزهر الأمل وتهاجر الرياح بحثاً عن مستقرٍ بعيد لها عن الأرض .

-2-

أيقظتني طفلة وكنت في سبات قرب نبعٍ بعيد، وكنت أقترب من الموت ومن العطش. كأنها تقول الله ارحل معي إلى الأرض، حتى تخرج الفصول في الترحاب بك، فتسيل مياه الجبل بعد احتباسها، وتخضر بلاد بعيدة قاحلةٌ كيباس الموت .

أيقظتني ورحلت. وكنت كمن فقد الطريق من حيث أتى، ولكنها كانت تشير إليك، حتى دلفت إلى كوخ وجدت به امرأة أخذتك إلى حضنها وقالت: أنا مستقر لك حتى تنحسر المياه عن الأرض، فتعود باحثاً عن منزلك المفقود ولا تراه، وعن نخلك الغارق في الماء ولا تراه، ولكن فلتكن الأرض وطناً جديداً لك ثانيةً، تظلم مع رحيلك، وتنير بها الكواكب مع بقائك، ويغرد الطير فرحاً بمأوى الحياة واخضرار أشجارها .

gono3

-3-

ها هي الأعاصير لا وطن لها ولا حنين ولا مأوى. عندما عصفت بك يا أمُ خرج بك الأمل إلى اليأس، البناء إلى الحطام، الحب إلى الخوف، والحياة إلى الممات .

لكننا عدنا إليك وعدت إلينا، كمن يعود إلى دفئ افتقده، وإلى نبع ماءٍ بعيد لم يذق طعم مائه، وإلى وطن أشرقت عليه شمسٌ دافئة بعد غيابٍ طويل.

هكذا عدنا إليك، وكان كل شيء في غياب، وحدك الحضور المقدس، كالنار لا تنطفئ، لا يضمها رمادٌ ولا حجر يأوي لهب الحياة بها، لأنها تنتشر في الأفق، فيسكن إليها الطير والوحش والأنس، مأوى دائم للحب والحياة والممات .

-4-

رحل كما رحل من قبل السفاحون، ومصاصو دماء وغزاة جاءوا من مختلف أصقاع الأرض بحثاً عن حزنك النبيل، وضوئك الخارق الراحل حتى أقاصي العالم المعتم البعيد .

رحل وظللتِ أنتِ شامخة وضاءة وضاحة، تنظر في حزن كعادتها،وكآلهة عذبة حنون كعادتها، وكأم لنبي وفارس وشهيد وطفل كعادتها أيضاً .

-5-

مثلما يتنافس غزاة الأرض ومغتصبوها على النيل منها، يتنافس عشاق الأرض ومحبوها على السجود أمام أحضانها. الشامخة في نبل تطل على بحار الفجيعة وأودية الغياب. متى سال منها الدمع جرت أودية الأرض لاحتضانها، متى سال منها الدم جرت أنهار الفجيعة لاحتضانها. متى عصفت رياح البرية بنخيلها هرعت الطيور لبناء أعشاش مجدها بسعفها وغصونها .

muscat-night

-6-

لكأنه لا فارق أمامكِ بين الليل والنهار، وبين الضياء والعتمة، فأنت المعتمة في النور، وأنتِ المضيئة في العتمة، كل من رحل عن ترابك بكى في رحيله، كل من ناح على ترابك ظللته الأقمار والنجوم، ومنحته السماء بركتها .

-7-

أي إعصار إذن يقف أمام مجدك وشموخك، وأي رياح إذن تقترب منك إلا لتحمل ريح الحب ودفأ الله، وأي جائحة ستأتي سوى لتنام بين يديكِ هادئة كطفلةٍ يتيمة أمام اتساع حضنك بالأيدي .

كأنه لا بداية يا أم، فالأرض تبدأ بك وتنتهي إليك. كأنه لا بداية إلا من الصحراء وهي تخصب لنا الأنبياء والرسل. كأنه لا بداية إلا من الجبل وهو يحيط بأسرار العتمة وسحرها الدفين .

الراحلون عبر بحارك إلى السماء عادوا إليك. المنطلقون كعباب البحر وهم ينظرون إليك نظرة وداع، تمنوا لو تنشق سماء الدين فتعود أرواحهم تتراقص بهم لكِِ كملائكة الله .

كأنه لا نهاية يا أم يا أخت يا حب ويا عشق إلا أمام نهديك الناضجين بأمومة الخلق وارتواء الأرض وسر النطف وتشكلات الطلع وثمر الحياة.

0 1651 15 يوليو, 2010 العدد الخامس, حداء الروح يوليو 15, 2010