فلسفة الكندي في صناعة التأليف

لـ

music making

نحن اليوم في القرن الخامس عشر الهجري حيث التقدم الهائل في كافة مناحي الحياة ومجالاتها المختلفة،  وحيث الزحام الشديد بين ملايين من العقول المتدافعة نحو المعرفة الخالصة والنقية، وحيث هي الموسيقى اليوم واحدة من أبرز الظواهر الإنسانية على هذه البسيطة.. وقد اشتد أوار الخلاف حولها وأخذ النزاع في بيان الموقف الفقهي منها شكلاً من أشكال التفخيخ في السجال الفكري بين أنصار كل رأي في طريق مغالبته للرأي الآخر والطاووسية في إثبات موقف مناهض للموقف الآخر.

ولستُ هنا بصدد التعرض للمسألة من أي زاوية كانت فقهية أو فلسفية أو فنية ، وبعيداً عن تداعيات أو اعتبارات الموقف الشرعي في الموسيقى من حيث الحلية أو الحرمة تقييداً أو إطلاقاً فذلك مما جرى في مضماره أولي الدربة الفائقة في الفن الاجتهادي ، إلا أنني أنشد الفراغ حقاً من محاولة بحثية أتناول فيها هذه المسألة بشيء من التحليل الابتدائي الذي أرجو من خلاله تأكيد جاهزية المسألة للنقاش وتهوين أمر السجال فيها عند البحث في قوة وقدرة المسوغ التشريعي على التصدي بحلية ما لم يرد النص بتحريمه ، فليكن ذلك في وقته إن شاء الله تعالى ..

ولكن ما أود الوقوف عليه هنا هو ما شد انتباهي في رحلتي البحثية تلك من عبقرية الفيلسوف أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (185-252هـ) الذي يعرف بفيلسوف العرب .. ولن نطيل الكلام حول هذه الشخصية التاريخية فهي أشهر من نار على علم ، ولكن ما يهمنا هنا هو التعرض لعبقريته ورياضيته وفلسفته في إضفاء المسحة التجريدية على علم الموسيقى وإزاحته عن موقف المحاكمة والقياس بذكاء حاد ، وهذا يقتضي أن نعود بك أخي القارئ إلى بدايات القرن الثالث الهجري لنجد أن فيلسوفنا الكندي يصر على تغليب استعمال مصطلح التأليف بدلا من مصطلح الموسيقى في معظم مصنفاته ورسائله في وقت كانت لا تزال فيه الموسيقى بكراً في اللغة العربية على المستوى الاصطلاحي، إلا أنها تسللت إلى اللغة وبدأ استخدامها وشاع بما في ذلك استخدام الكندي لها في أضيق الحدود (قيل استخدمها في رسالة واحدة فقط) .

ويبدو أن ذلك لم يكن عن عبث أو مصادفة هكذا بل لعله يكون عن قصد (أقول ربما) ، ولئن صحت تلك القصدية فإن ذلك ينم -عند الاستقراء- عن عمق في التصور وعبقرية فذة حقاً ، فإن في إصراره على تحقيق الغلبة لاستعمال مصطلح التأليف دلالة إيحائية عنده على أن الصناعة الموسيقية ليست إلا تأليفاً (أي تركيباً) أو إعادة تجميع لأصوات موجودة ضمن الواقع أصلاً وغير مستحدثة دون سابق مثال فهي بذلك تكون داخلة ضمن مفهوم الإباحة العامة ، ويؤكد موقفه ذلك من خلال إشاراته المتعددة إلى مخارج الأصوات مثلا وهي مصادر صوتية مجردة وثابتة عند الجميع ويمكن توظيفها في ظاهرة الوجود الصوتي، بل تصريحه كذلك بكون الصناعة الموسيقية ما هي إلا تأليف العناصر المسموعة المستحسنة إذ يقول في رسالته الشهيرة في خبر صناعة التأليف ” وإذ يكمل صناعة التأليف الصوتي أن تكون مسموعات الأصوات مؤتلفة مستحسنة في السمع “، كذلك طَرْقُه لأسباب حدوث الظاهرة الصوتية كالقرع أو القلع أو المماسة بين العناصر كما سنجد أرسطو الإسلام الشيخ الرئيس ابن سينا من بعده يقرر ذلك في كتابه الاستثنائي والموسوعي ( الشفاء ) ويسير مسير الكندي في تكريس المصطلح ذاته ولكن دون تغليب ظاهر له ، بقوله مثلا ً ” ولأن لتأليف الصوت خاصية ليس لسائر التأليفات “وكذلك فعل من قبله أرسطو الثاني الفارابي في السفر العظيم (الموسيقى الكبير) حيث يقول مثلاً ” وقد يقع أيضاً على جماعة نغم ألفت تأليفاً محدوداً وقرنت بها الحروف التي تركب منها الألفاظ  ” .. وكما سار الآخرون كذلك من بعدهم حتى يومنا هذا .

كذلك سبْق الكندي التاريخي في استخدام الأحرف الأبجدية في اللغة الموسيقية وهذه ألمع جهود الكندي في محاولاته لترقية وتجريد الموقف الموسيقي ، ذلك أن اللغة أصلٌ غير قابل للمعالجة التحليلية على المستوى الأصولي ، لما في اللغة من طاقات تعبيرية غير متناهية وطاقات صوتية توليدية مستمرة وتعددية يمكن استعمالها بالتركيب اللفظي في النقيضين على السواء ، فالجملة على سبيل المثال مركبة من عدة كلمات والكلمة مركبة من عدة أحرف وكل ذلك أصول للمادة الأم بحيث يمكن استعمال عين تلك الأحرف والكلمات بإعادة تركيبها في جمل وعبارات أخرى تستعمل لغير الاستعمال الذي كانت عليه ، فقد يستعملها المرء في الملفوظ الحسن وقد يستعملها آخر في ملفوظ قبيح وقد يصدق بها المرء ويكذب بها آخر وكلا الاستعمالين لمصدر واحد وأصل مجرد ، واللغة إضافة إلى ذلك قادرة على خلق تصورات في الذهنية البشرية لا وجود لها على أرض الواقع كتشبيهات الشعراء مثلا لكنها تصورات ذات أطر لغوية استمدت كينونتها من المادة المجردة وهي اللغة وخلاصة القول أن اللغة “أصل مادة” خارج سلطان القياس وإنما القياس فيما أنتجته هذه المادة .

وفي دائرة وهمي أن الكندي قد تنبه إلى ذلك فهو إضافة إلى ما يمكن أن يستقل به عند التحقيق للتأليف الصوتي ويجنبه تهمة اللهاث الفلسفي للهالة الإغريقية فإنه قد أدخل الأحرف الأبجدية العربية في استعماله للغة الموسيقية ( النوتة ) لتأكيد ذلك الموقف التجريدي للموسيقى حين أطلق عليها (صناعة التأليف) وإزاحتها عن مسرح المحاكمة والقياس بسلاسة ، من ذلك قوله مثلاً ” إلا أنا نقول ها هنا بعض ما يكمل صناعة التأليف عند من عرف صناعة الأعداد القولية وصناعة النسب الزمانية … ”  وإنما يكون القياس بعدئذ فيما أنتجته تلك الأحرف الموسيقية (المقامات)، وهذه زاوية تكمن فيها عبقرية هذا العالم الرياضي الفذ.

music making2

يقول الكندي  ” وترك الأوجب في ترتيب ما جرت عليه عادة الفلاسفة المتقدمين من اليونانيين ..”

فهو يريد هنا أن يثبت استقلاله بالرأي عما ذهبت إليه الفلسفة اليونانية ، ثم ينطلق بعد ذلك في إعلان استقلاله بالتقدير الفني في التأليف الصوتي بقوله ” فأما كيف سماها القدماء وكيف سميناها نحن على استحقاق وعِلل ذلك فقد أوضحنا ذلك في كتابنا الأعظم في تأليف اللحون .. ” وقوله كذلك ” وقد أوضحنا في كتابنا الأعظم في التأليف العلل التي صيرّت هذه اللحون سبعة لا أقل ولا أكثر بالبراهين الواضحة … فإنما غرضنا أن نخبر عن أغراض الصناعة بالأمر المجرد الخبري …. وفيما قدمنا كفاية للتنبيه والتذكرة وأما تحصيل ذلك على الكمال والاستقصاء فقد أتينا عليه في كتابنا الأعظم في التأليف”.

وهذه النزعة تظهر بشكل عملي عند إسحاق الموصلي الذي يُروى عنه أنه كان يفرق سماعاً بين اللحن اليوناني واللحن العربي في إشارة منه إلى خصوصية الذائقة العربية للحن الموسيقي واستقلالها عن الذائقة الإغريقية ، رغم ما يشير إليه المحققون من مجاراة الكندي ومطابقة بعض إنتاجه النظري في المجال الموسيقي بالتأسيس الفيثاغوري لعلم الموسيقى ..

إذاً التأليف عند الكندي هو موالفة الشيء إلى مثيله ( أي التركيب ) وهذه الموالفة تجعل ما ينتج عنه قابل للتفكيك وإعادته لأصل مادته ، تماماً كما هو حال اللغة حيث يمكن تفكيك الجملة وإعادتها إلى أصل مادتها حيث الأمانة التامة مجردة من أي قصدية كانت .

هكذا نرى موقف الكندي واضحاً في تغليب مصطلح التأليف بدل الموسيقى لما التمسناه من اعتبارات قد توافق صواباً وقد تخالفه ولما يتوقف عليه من اعتبارات أخرى غائبة عن مشرط التحليل لفقدان الكثير من مصنفاته ورسائله الهامة .

وبصرف النظر الآن عن الموقف الفقهي من الموسيقى بالمصطلح الشائع لها أو صناعة التأليف الصوتي كما هو مذهب الكندي -وصلاح ذلك القياس أو فساده مادة رائجة لإغناء الدرس الأصولي عند أصحاب هذا الفن -فإننا لا نملك إلا أن نقف وقفة إجلال وإكبار لهذه العقلية العربية الفذة في جزئية يتوقف عليها هذا المستوى من الأثر الفكري والمعرفي وبالأخص من زاويته الأبستمولوجية ويجعلها طرفاً في مجاذبة فقهية بقيت خالدة حتى اليوم ، لعلنا نعود إليها قريبا ضمن دائرة المسموح الجدلي لمناقشة الموقف الإنساني عموماً من الموسيقى نقاشاً موضوعياً إن شاء الله تعالى .

على أنه لن يفوتنا قبل ذلك التنويه (اختصاراً) إلى الطرح الفلسفي أو ما يمكن وصفه فيما بعد بالعجين الأيديولوجي لأطروحة الكندي ومن استن بسنته عند محاكمة الصناعة الموسيقية ، والذي يجعل العبرة في نتائج تلك الصناعة وما يترتب عليها من الآثار التي يُنظر بعد ذلك في درجة موافقتها أو مفارقتها للمقاصد الإسلامية وهو ذات الاعتبار الذي ينازعهم فيه الفريق الآخر .

0 3193 15 يوليو, 2010 العدد الخامس, ثقافة وفكر يوليو 15, 2010