wada3

إن أنفعَ ما يعمله الإنسان، وأجلَّ ما يكسبه المرء هو عمل صالح فيما بينه وخالقه، وعملٌ صالح يعود بالنفع على أمته، وإنني لفخور أن أقول: قد أمضيتُ شطرا من حياتي في خدمة أمتي، سواء كان منها النفع أو لم يكن، لكنني كنت مخلصا لأمتي، قوي الإرادة صادق العزيمة، وقد يدفعني الواجب اليوم أن أتذكر وأشكر أولئك الأبطال الذين عاصرتهم لمدة ثمانية وعشرين عاما، أتقلب معهم في أدوار الهيئات الإدارية للجمعية العربية، كل ذلك في خدمة الأمة العربية والبلاد.

إن من أكبر الأعمال التي قمت بها وأخطرها – ولي الشرف –: هي مهنة التحرير لهذه الصحيفة (جريدة الفلق) منذ 1347هـ/ 1929م. وقد تعاقب على تحريرها في رحلاتها الماضية مَن هم أقدر مني همة وفكرة وشجاعة في التحرير، عندما استقلتُ سابقا، ثم أراد الله وشاءت الجمعية العربية أن أعود إلى مزاولة تحريرها مرة ثالثة، فأمسكتُ قلم التحرير بيد من حديد، إجابة لرغبة الجمعية، على الرغم من أنني قد شبتُ وشاب قلمي وأفكاري، فقضيتُ في تحريرها خمسة عشر شهرًا، وإني أشكر أولئك الأصدقاء الذين عاضدوني معاضدة صادقة في إدارتها.

وها أنا اليوم تضطرني الأحوال للاستقالة عن التحرير مرة ثالثة، وبين صُدور هذا العدد وما قبله قبلت الهيئة الإدارية للجمعية مني ذلك، ولها الشكر، على أنه يجدر بي أن أتحدث اليوم مع زميلي المحرر المنتظر لهذه الصحيفة عن الصّحافة وعن مهمتها الخطيرة؛ سائلا الله له التوفيق والنجاح.

إنني كنتُ – أيها الزميل – متمتعا بحرية التحرير لمدة طويلة بقدر همة معاصريّ من رجال الجمعية، ولكن مع ذلك كان لي من الفطنة بحيث أدركتُ أن هذه الحرية ستضمحل إذا أنا أسأتُ في استعمالها، أو أسرفتُ في صرامة التحرير، وقد عالجتُ شؤوننا الاجتماعية والسياسية بكل الأساليب، مع التدبر في الأمور والتفكير رغبة في النجاح. إنني عرفتُ من مهنة التحرير ما لم أعرفه من قبل، وسمعتُ من رجال السلطة من التخويف والتهويل ما لم أسمعه، وكل ذلك لم يزعزعني عن القيام بواجب الصحافة؛ من حث على النهوض ودفاع عن حقوق العرب في هذه البلاد.

إن الصحافة الصادقة هي أكبر وسيلة لإرشاد وقيادة الأمة، ولإصلاح شؤونها الاجتماعية والسياسية، بل هي رمزُ الأمة ورسول السلام بينها والحكومة، ولها الحرية في القول ما لم يكن لغيرها، فهي أقوى لسان وأشجع جندي لاقتحام الأشواك الحديدية من ناحية المسؤوليات، ولكن مع ذلك يجب على محرّرها أن يراعي القوانين الموضوعة لمراقبة الصحافة، وأن يتبصّر في الأمور حذرًا من الوقوع في الأهداف الخطرة التي تضر به وبصحيفته، وعليه دائما أن يسعى إلى التقارب والتعاون لصالح المجتمع بإخلاص، ومن الله العون والتوفيق.

وفي الختام أودّع كافة قرائنا الكرام وكتابنا الأفاضل، مع الشكر لهم ولرجال هيئة الجمعية الإدارية، داعيًا لهم ولمحرّر هذه الصحيفة بالفوز والنجاح، فوداعًا وإلى اللقاء إن شاء الله.

هاشل بن راشد المسكري
22 ذي الحجة 1372
2 سبتمبر 1953
0 2148 22 يوليو, 2010 العدد الخامس, ثقافة وفكر يوليو 22, 2010
Avatar

عن الكاتب

مؤسس جريدة الفلق في زنجبار

عرض كل المواضيع التي كتبها الشيخ هاشل بن راشد المسكري