سالم بن عبدالله الحارثي .. حادي ركب النونية

لـ

135

أبو مسلم البهلاني

للإستماع للقصيدة بصوت لشيخ سالم بن عبدالله الحارثي

الفتح والرضوان في السيف والإيمان … عنوان اختاره شاعر عمان الكبير العلامة أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي لاستنهاضيته الرائعة التي عرفها العمانيون بالنونية نسبة إلى قافيتها. لم تكن النونية لتلامس الشغاف في عصرنا كما لامستها في حينها حين وصولها عمان إثر بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1331هـ – في رأيي – لولا *أن الشيخ سالم بن عبدالله الحارثي صدح بها بترنيمته الشجية وصوته الرخيم وهو في مهجره في أواسط ثمانينيات القرن الهجري المنصرم / ستينيات القرن الميلادي المنصرم أيضاً.

استطاع الشيخ سالم الحارثي أن يلج بفضاءات النونية إلى قلوب العمانيين وأصبح شريطه السمعي في أعلى قائمة الاختيارات إبان انتشار ثقافة المسموعات الشعرية في عمان من قبيل قصائد السوطي والشرياني وغيرها. ومع خفوت بعض تلك الأصوات في أيامنا إلا أن صوت الحارثي لم يخفت ولا زال شريطه متداولاً *حتى خلال الشبكة العنكبوتية بعد أن قامت إحدى التسجيلات في عمان بإعادة إنتاجه من النسخة الأصل التي يمتلكها الحارثي.

لعل سائلاً يسأل ما الطريف في قراءة سالم الحارثي وترنمه بالنونية ؟؟ ونقول إن مميزات ترنيمة الحارثي يعرفها كل من سمع إنشاده وإنشاد غيره للقصيدة. وكلٌ يرى ما قد لا يراه غيره. شخصياً أعتبر سر تألق إنشاد الشيخ سالم الحارثي في كونه جاء نابعاً من القلب أولاً، أيام كفاح العمانيين ضد الإمبريالية البريطانية أواخر خمسينيات القرن الميلادي المنصرم لكونه أحد أشهر رجالات ثورة الجبل الأخضر وإن بدى ذلك مغيباً عن الكثيرين إلا أنها الحقيقة التي لا مراء فيها.
ثمة سبب آخر هو أن تغني الحارثي بالنونية غلبت عليه ثيمات الألحان الشعرية العمانية الأصيلة التي اعتاد العمانيون أن يستحضروها حتى في قراءاتهم النثرية من النصوص الفقهية والأدبية وخطب العيدين وغيرها، إلا أن تميزاً عجيباً بدا في ترانيمه من خلال رفع مقامات صوته وخفضها وفق مقتضى الموضوع أحياناً ووفق هيجان مشاعره أحياناً أخرى.

ومع طول نَفَس القصيدة إلا أن إبداعه في التغني بها لم يفقد بريقه في آخرها بل ازدادت ألحانه شجى ورهافة حس.

فنجده مثلاً في استهلالية أبي مسلم الأقرب إلى التغني بالأطلال والدمن يغرق في الترنم بصوته الشجي من مثل قول الشاعر:
معاهد شاقني منها محاسنها ** إن شاق غيري آرام وغزلان
لها على القلب ميثاق يبوء به ** إن باء بالحب في الأوطان إيمان

ونجد في لحنه التعبير عن النشوة والسرور حين أنشد قول أبي مسلم واصفاً أصداء تحقق بيعة الإمام الخروصي
وأعرب الكون عن بشرى مشاعره ** فالكائنات أغاريد والجان

وكذا في قوله ثناءً على رجال الحرث :
يبلى الزمان ولا تبلى محامدكم ** ما دام يحمد مطعام ومطعان

وفي بعض المواضع لا سيما الموغلة في الاستنهاض نجده يهز المسامع وتخفق لسماع لحنه القلوب ، من مثل قول أبي مسلم:
هبوا لداعي الهدى هبوا لعزتكم ** وكيف نومكمو والخصم يقظان

وقوله :
كتائب الله ما عيش الذليل لكم ** عيش ولا في منايا العز نقصان

وفي محور القصيدة الذي استنهض فيه أبو مسلم القبائل العمانية نجد ألحان الحارثي ومقاماته متفاوتة مداً وجزراً وفق ما هدته إليه حواسه اللحنية مع حرصه على أن تكون منسجمة مع معاني النص. فبينما نجده سار بلحنه السائد في أبيات استنهاض القبائل الأولى التي بدأها أبو مسلم ببني بو علي ( بنو تمام ) نجده انتشى بعض الشيء عند وصوله إلى ذكر آباءه وأجداده وعموم قبيلته ( الحرث ) ولا شك أن ذلك أمر طبيعي وفطري يسوقه الشعور الذي لا يقاوم أحياناً، كما نجد لحنه استعطافياً بعض الشيء في الأبيات التي خص بها أبو مسلم قبيلته (بني رواحة) والقبيلة الأخرى المناهضة لها ( بني جابر ) اللتين عاد بهما أبو مسلم إلى تاريخهما القديم مذكراً بأنه لا جدوى من البقاء على عقلية ( عبس وذبيان ) قديماً وعقلية ( داحس والحنفاء) أو (داحس والغبراء) ، وهنا نجد الحارثي يستعطف بلحنه تينك القبيلتين بقالب كلمات أبي مسلم بأن يذروا الضغائن وراء ظهورهم ويتحدوا تحت راية الإمام. وأذكر أنني كنت أعيد الشريط إلى موضع ( يا بني عمنا ذبيان ) مرات عديدة ، لأن الحارثي هنا يصدح بأعلى صوته ويمد أداة النداء ( يا ) وكأنه يخطب في قوم من العرب في سوق عكاظ، فكنت انتشي لسماع ذلك النداء بصوت الحارثي .

في مقطع آخر من استنهاضية القبائل نجده انتقل بلحنه إلى شيء من السكينة وعذوبة الحداء حين وصل إلى ذكر أبي مسلم لبني غافر ومن تلاهم من القبائل ليصل إلى أولئك الذين ناداهم أبو مسلم بقوله ( طال الرقاد بكم) فيمد بها الشيخ الحارثي صوته ليثب أولئك الذين كان من عاداتهم تخضيب السيوف وإرواء المثقف.

ولم يكن استنهاض بني ياس الذي ميزه أبو مسلم عن غيره بطول النفس والثناء على أولئك القوم الذين يربو طفلهم على صهوات الخيل، لم يكن غائباً عن خصوصية ألحان الحارثي ، فهو هنا قد مزج بين اللحن المنسجم مع ذكر المفاخر وبين ذلك المتوافق مع الاستنهاض لا سيما وأن المقام مقام ذكر الخيل وحصون بني ياس وآلة الحرب وعدتها وعتادها. فهو في مقدمة ذكر بني ياس (خاتمة استنهاضية القبائل العمانية ) *يجعل اللحن منساباً مع مقاماته السابقة ثم يرفع مقاماته بدأ من قوله ( قوم على صهوات الخيل طفلهم ** يربو له من دم الأبطال ألبان ) ليكون وقع أقدام خيل بني ياس وشموخ حصونهم حاضراً عند السماع.

كتائب الله * … * يا غارة الله .. عبارات أبدع الحارثي في نقلها بصوته العذب ولحنه الشجي عن أبي مسلم إلى المتلقي وهنا عاد باللحن إلى قالب الاستنهاض الممزوج بالاستعطاف ذلك بأن معاني هذا المحور من القصيدة تتمثل في أن يعود العمانيون إلى مجدهم التليد ويضربوا صفحاً عن النعرات والخلافات وألا يتركوا سنة الأسلاف مطرقة .

وحين نصيخ مسامعنا إلى الشيخ الحارثي وهو ينشد قول أبي مسلم في خاتمة النونية :
ليس الخليل المداجي عند شائنة ** إن المداجي في العورات فتان
لكنه من رأى عيباً وحققه ** أهداك عيبك غيظاً وهو لهفان

وقوله :
تلكم وصية حسان لكم ثبتت ** فإنني اليوم للإسلام حسان

نستشعر شخص أبي مسلم ماثلاُ أمام أعيننا وهو يردد هذه الأبيات، ذلك أن الحارثي استطاع أن يجعل أنفاسه هنا وهو يتفوه بهذه الكلمات تستنطق أبا مسلم وهو في قبره ليصل صوته الصامت عبر صوت الحارثي الناطق – إن صح التعبير – إلى مسامع العمانيين وقلوبهم أولاً وإلى كل من عشق أبا مسلم شاعراً وعلامة وأديباً.

تحية عاطرة أزجيها إلى الشيخ سالم بن عبدالله بن حمد الحارثي الذي أضاف لقصيدة الفتح والرضوان في السيف والإيمان أو ( النونية ) – كما يحلو للعمانيين تسميتها – بعداً جمالياً آخر تمثل في لحن عذب جميل بروح عمانية أصيلة جاعلاً منها قصيدة تتردد في كل بقعة عمانية وفي وجدان كل عماني متذوق للشعر والأدب.وفي وجدان كل عماني متذوق للشعر والأدب.

0 3952 23 يناير, 2011 العدد الحادي عشر, ثقافة وفكر يناير 23, 2011