الولاية والبراءة والوقوف غطاء ديني ومضمون سياسي – 1

لـ

athan

إهداء إلى محمد أركون:”لن تموت، ستكون أكثر اخضراراً”!

(4/1)

* * شكلت مفاهيم “الولاية والبراءة والوقوف” أهمية كبرى في تاريخ المذهب الإباضي والدولة الإمامية الدينية في عمان، فهي من الأسس العقائدية المهمة في العقيدة الإسلاميّة؛ حيث”الأمة مجمعة على وجوب البراءة من أعداء الله جملة،…،إنها نوع من علم الاعتقاد”، بل إنّ علم الولاية والبراءة علم قائم بذاته، وله مصنفات خاصة “واعلم أن علماءنا- رحمهم الله- تعالى قد جعلوا علم الولاية والبراءة علماً قائماً بنفسه، وأفردوا فيه مصنفات عديدة”.

* *ومما يؤكد أهمية الموضوع في إطار المذهب الإباضي ما يقوله عدون جهلان- أحد علماء المذهب المعاصرين-:”ولعل الولاية والبراءة من الأصول التي درسها الإباضية بعمق، وانفردت عما سواها من الفرق بالقول بولاية الشخص وبراءة الشخص بحكم الظاهر، ولذلك نجد دراسات مستفيضة لفقهاء الإباضيّة وعلمائها حول هذه المسألة، ففصّلوا القول في شروط الولاية والبراءة ووجوبها وبينوا بشكل دقيق الجهات التي تتم بها كل من الولاية والبراءة الشخصية،كما حددوا بدقة من تجب فيه الولاية والبراءة سواء في الجملة أو في الشخص، وتجدر الإشارة إلى أنََّ اهتمام الإباضية بهذا الجانب لم ينحصر في نطاق الاجتهاد الفقهي والنظر العقلي فحسب، وإنما تعداه إلى الميدان العملي والتطبيق الفعلي فتجسدت هذه الآراء والأحكام في واقع الحياة اليوميّة داخل المجتمعات الإباضيّة”. * *

* * * *ومن صور هذا التطبيق لمفهومات الولاية والبراءة والوقوف، ما قام به الفقهاء العمانيون بعد حادثة عزل الإمام الصلت بن مالك عام 272هـ، من تطبيق واسع جداً لها، كان من ثمرته كثير من الأعمال والمؤلفات،فالسير العمانيّة- التي تعتبر من أهم مصادر الفكر والتاريخ العماني-، كان “أشهر قضية تم مناقشتها في أغلب تلك السير قضية عزل الإمام الصلت”، بل وأفرد للموضوع كتب كاملة ككتاب الاستقامة لأبي سعيد الكدمي(حي في 272هـ)، وكتاب التخصيص لأبي بكر أحمد الكندي(558هـ)، وكذلك ناقشتها باستفاضة الموسوعات الشرعيّة كالضياء وبيان الشرع و المصنف وقاموس الشريعة وغيرها.

* *هل كل هذا الإهتمام بهذه المفاهيم الكلامية الثلاثة-على المستويين النظري والتطبيقي-راجع لأهميتها الدينية والروحية والعقدية؟

* * وهل هو تعبير عن امتثال نموذجي للأوامر الإلهية المقدسة والمتعالية؟

* * ومع التسليم بكونها جزءاً مهماً وأساسياً من عقيدة المسلم الإباضي، لا اعتقد أنّ أحداً سيقول أنّها أهم من أركان الإيمان الستة وبالذات أولها وأساسها وهو الإيمان بالله عزوجل، فلماذا لم نرى في التاريخ العماني اهتماماً مماثلاً بهذه الأركان، وبالركن الأول الأساسي الإيمان بالله؟

جينالوجيا في حدود التساؤلات:

* نحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الإشكاليّة، ولكن قبل ذلك نرصد التطور التاريخي الذي مرت به هذه المفاهيم، *وذلك من خلال مراحل ثلاث هي:

* * – المرحلة الأولى القرآن الكريم والسنة النبوية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) سورة المائدة

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) سورة المائدة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) سورة المائدة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) سورة الأنفال

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) سورة براءة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (1) سورة الممتحنة

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (4) سورة الممتحنة*

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) سور الأنفال

* * يستخلص من منطوق هذه الآيات ومفهومها أنّ الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين؛ أي للموافقين في الدين، والبراءة من المشركين والكفار واليهود والنصارى؛ أي المخالفين في الدين، ويؤيد ذلك ما يؤرده الإمام السالمي عن كيفية تطبيق النبي عليه السلام، وهي التطبيق العملي لهذه الآيات، يقول:” بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في جاهلية عمياء, فلم يكن يدعوهم إلا إلى الشهادتين, ثم يعلمهم شرائع الإسلام, وكانوا قبل ظهوره يتولون آباءهم وطواغيتهم فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يلزمهم أن يبرؤوا منهم واحداً واحداً, وإنما يكتفي منهم بقبول الإسلام والدخول في شرائطه ويتضمن ذلك البراءة من أضداده, وقد اكتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من المشركين بقبول الإسلام”.

* *ويفهم-أيضاً- أنه لا طريق ثالث أي الوقوف، فأما الإيمان بالله والدخول في الإسلام، فيستحق الإنسان به الولاية، وإما الكفر والإشراك والانتماء لدين آخر، فيستحق الإنسان به البراءة.

(4/2)

-المرحلة الثانية أحداث عثمان:

* *حملت “أحداث” عثمان الخليفة الثالث( 35هـ) الثوار- ومنهم جذور”جماعة المسلمين = الإباضية” -على استتابته ثم خلعه سياسياً، ثم قتله، وملخص هذه الأحداث من”مختصرٌ منْ كتاب فيه صفةُ أحداث عثمان بن عفان”:

* * * “وكان أول ما نقم المسلمون على عثمان بن عفان أنّهم كلموه في إنفاذ وصية عمر بن الخطاب رحمه الله في ابنه عبيدالله بن عمر،..، جعل عثمان يعتل للناس ويؤخر أمره،..، ثم ترقب به البلى، في عبيد الله وغيره إلى أن زعم أنه قد عفا عنه، فقال المسلمون إنه ليس لك أن تعفو عنه”

* -“لما أستخلف أبوبكر صعد المنبر، فقام دون نبي الله برتبة، واستخلف عمر ، فقام دون مقام أبي بكر برتبة، فلما استخلف عثمان، صعد المنبر حتى قعد مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.”

-“ثم ما كان من حدثه أنه أدخل الحكم بن العاص طريد رسول الله عليه السلام ولعينه المدينة”

-“حمى مواطن القطر من أرض البادية وأرعى فيه أهله وخاصته ومنعه الناس ”

* *-وعمد عثمان إلى عمال عمر بن الخطاب فعزلهم عن أعمالهم إلى غير علة، فعزل الفقهاء والسابقين الأولين، واستعمل السفهاء من أهل بيته وذوي قرابته”

* *-“وحرق عثمان المصاحف، وحرم قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي بن كعب، وأمر الناس أن يقرأوا على حرف واحد، أمر من خالف ذلك الحرف أن يمثل به”

* – “ثم إن الوليد بن عقبة أحدث بالكوفة أحداثاً عظيمة….”

* *- “دخل عبدالله بن مسعود فأمر به عثمان خلاسياً له أسود، فقال: خذه فأخذه فأخرجه من المسجد،…، فأتى به باب المسجد فاستقبل الجدار بعجزه ، فجعل به ضرباً بالجدار، لا يألوا أن يكسر عصعصه، أو يفلق أنثييه، حتى دق أضلاعه”

* * * ويبدو على هذه الأعمال الطابعين الديني والسياسي بدرجات متفاوتة، فتمسك عثمان بالخلافة على الرغم من “أحداثه” التي استحق بها البراءة وفق تقييم الثوار =حزب الخوارج، عمل سياسي دنيوي، خرج من الطابع التديني *بسبب الأحداث، التي وفقها غير جدير بالخلافة، لكنها أيضاً لا يمكن أنْ تخرج عثمان من الإسلام، وتضعه في الجانب الآخر أي الكفر أو الشرك أو النتصر أو التهود؛ أي الانتماء لدين مخالف ومعادي لدين الإسلام.

* *”وكثر الكلام في أمر عثمان، وأظهروا عيوبه، ونادوا بها في وجهه وأخبروه أنهم غير مقاروه عليها”

* * * “قال عثمان ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتهم وأعزل من كرهتم الأمر إذا أمركم قالوا والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن فانظر لنفسك أو دع فأبى عليهم وقال لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله”

* * *”ثم إن أصحاب النبي رأوا أمراً، وقالوا ما يسعنا الكف عن هذا الرجل، فأجمعوا أمرهم على إستتابته أو خلعه، فاجتمعوا في منزل الزبير بن العوام، فقام عبدالرحمن بن عوف فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرأبا بكر وعمر وعدلهما وسيرتهما، ثم ذكر عثمانَ وأحداثه وجوره، ثم قال أيها الناس أنا أول خالع إذ كنت أول مبايع، أشهد أني قد خلعته خلع نعلي هذه، ثم خلع نعله من رجله فرفعها بيده، ثم قام الزبير بن العوام فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان فشتمه وأعابه، ووصف أحداثه، ثم قال لعلي: يا أبا الحسن، ما يمنعك أن تقوم فتتكلم؟ قال علي: ما قلتما إلا حقاً، ولو قمت لم أقل إلا مثل قولكما، ثم أجمع القوم أن يكتبوا إليه كتاباً وصفوا فيه أحداثه، ثم استتابوه”

* *صدر من *كبار الصحابة الزبير وابن عوف وعلي كتاباً فيه وصف أحداثه واستتابته وخلعه من منصبه.

* * ” فلما مضت أيام التشريق أطاف المسلمون بدار عثمان، وأبى إلا الإقامة على أمره، وأرسل إلى حشمه وخاصته،فجمعهم، وألبسهم السلاح، واستعد للقتال،..، وبقي مع عثمان ناس من أهله، فقتلوا معه، وقتل عثمان، وأمسك المسلمون عن أصحابه حين قتل”، فالأمر تطور من خلع سياسي عن الخلافة إلى خلع عن الدين، ومن ثم الحكم عليه بالقتل، بعد كتابة الكتاب إليه الذي فيه أحداثه، واستتابته ورفضه لمطالبهم. *

* * *وفي تحليله الرائع لرسالة ابن إباض لعبدالملك بن مروان، موضحاً الأسباب التي دعت الثوار للخروج على عثمان، يقول عبدالملك الهنائي:”مما تقدم يتضح أنّ الخروج أو ما يسمى في الوقت الحاضر بالثورة على عثمان لم تكن ثورة دينية بحتة، فبالرغم من أن أول شيء ذكره ابن أباض مما ينقم على عثمان هو أنه منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله، فإن ما أوردته الرسالة لاحقاً يدور كله حول الحمى وتوزيع الصدقات والاكتناز ووضع قيود على التجارة لذلك فهي بكل المقاييس ثورة القبائل العربية ضد هيمنة قريش واستئثارها بالسلطة والمال، كما أنها ثورة المقاتلة ضد السياسة المالية التي اتبعها عثمان، وهي ثورة الأمصار ضد الحجاز والمدينة”، فهو يرى أنّ السبب الحقيقي هو سياسات عثمان الاقتصادية واستئثار قريش بالسلطة، وتمرد العسكر، والتجاذب بين المركز والأطراف، وليس سبباً دينياً صرفاً.

* * *ويبرر أبو قحطان خالد بن قحطان(ق3هـ) في سيرته قتل عثمان بقوله:”فلما امتنع من التوبة وأصر على المعصية، وظهر كفره في الدار والدعوة،..، قتلوه خليعاً من الإيمان خارجاً بحكم القرآن، لأن المسلمين إنما قتلوه بحكم كتاب الله”، إذن قُتل عثمان بعد أنْ خُلع من منصب الخلافة، وحتى يتم إضفاء المشروعيّة الدينيّة على قتله، تم خلعه من الدين، هنا اتسع تطبيق مفهومي(الولاية والبراءة)، ليشمل تطبيقهما على مستوى الدين ذاته، وبين أتباعه، وعلى أساس الاختلاف الحزبي السياسي. *

0 2004 09 فبراير, 2011 العدد الثاني عشر, ثقافة وفكر فبراير 9, 2011
Avatar

عن الكاتب

-الاسم/سعيد بن مبارك بن علي الطارشي -تاريخ الميلاد/29/1/1978 -بكالوريوس تربية كلية المعلمين بصلالة 2000 -دبلوم عالي علوم سياسية 2006 -دبلوم عالي في الإسلاميات 2008 -معلم تربية إسلامية في وزارة التربية والتعليم -باحث في الفكر الإسلامي

عرض كل المواضيع التي كتبها سعيد الطارشي