نظرية العقل عند أبي سعيد الكدمي

لـ

  

 

 

 

تميزت العديد من النظريات الفقهية المتقدمة بنزعات تنويرية افتقدها الفقه المتأخر، ويبدو أن هذه النظريات المتقدمة قد أهيل عليها التراب بمرور الأيام حتى غدت أثراً بعد عين، ومن المفاهيم التي تاهت في الزحام ولم تعد تذكر إلا في سياق الذم والقدح؛ حجة العقل، فما إن يذكر حتى تتعالى الأصوات بأنه مفارق للشريعة ومضاد لها، وأن في حجيته هدم للدين وسعي حثيث للمروق منه، هذه هي خلاصة ما توصل إليه قطاع ليس بالهين من الفقه المتأخر، لست بصدد التعرض لهذه الظاهرة وأسبابها، لكن الذي يقال إن مثل الاطروحات لم تكن حاضرة في القرون الأولى، وكان النظر الذي اهتدى بنور كتاب الله هو المهيمن على التفكير، بحيث كان العقل مكوناً من مكونات النص وليس شيئاً آخر مفارقاً له يتوهم معه صراع أو صدام مع نصوص الشريعة.

ومن هذه الاطروحات المتقدمة المتعلقة بنظرية العقل ما قدمه الفقيه العُماني في القرن الرابع الهجري أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، وهو فقيه ينتمي للمدرسة الفقهية الإباضية، وعُد أبو سعيد من أشهر فقهائها وأكثرهم تأثيراً حتى لقبه بعض العلماء بإمام المذهب، عموم هذه النظرية تجدها مبثوثة في كتابيه (الاستقامة) و(المعتبر).

 

مفهوم العقل

لم يتعرض أبو سعيد لتعريف للعقل في كتابيه (الاستقامة) و(المعتبر) على عادة كثير من الفقهاء الأوائل الذين لم يعنوا كثيراً بالتعريفات، لكن بتتبع الكتابين يمكن توضيح مفهوم العقل من خلال خصائصه ووظائفه، فهو يرى أن:

– (العقل لا يعقل المعقولات إلا بمادة من غيره، من بصر أو سمع أو خاطر أو حس أولمس، أو شيء يؤدي إليه ذلك العقل المكتسب له)([1]) .

– (ولا نعلم أن العبد يبلغ إلى علم شيء من الأشياء إلا بعقل صحيح من العاهات، وسبب يؤدي إلى ذلك العقل الصحيح من الآلات، ولا يقوم في العقل أن العقل يعقل الأشياء بغير آلة تؤدي إليه علم ما يعقله، وعلم ما يعرفه أو ينكره ، ولا بد من آلة تؤدي إلى العقل، من سمع أو نظر أو فكرة ، أو خاطر يخطر بالبال ولا يكسب العلم أبدا إلا بآلة، لأن المعقولات كلها مكتسبات ولأن المكتسبات لا تجوز أن تكتسب إلا بآلات)([2]).

– (العلم كله لا يخلو من علمين: علم غريزة مخلوقة وهو نور العقل الذي به يعقل المعقولات، وعلم المادة من المكتسبات)([3]).

– (والعقل غير مطيق فيما كلفه الله في دينه أن يعلم علم المكتسبات غريزة وخلقاً، وهذا من المحال، ولا يكون أبدا علم غريزة وخلق مكلفا علم المكتسبات بغير آلات مؤديات، ولا مكلفاً علم نفسه، هذا من المحال، ولا يعقل العقل نفس العقل، وإنما يعقل العقل غيره)([4]).

– (وصح أن الأشياء كلها المعقولات، لا نعقل إلا بعقل، وأن العقل لا يعقل إلا بدليل غيره وآلة غيره، لثبوت العجز فيه، والحاجة منه والضرورة إلى غيره، لأنه كغيره من المصنوعات المحدثات)([5]).

–  (وإن كان العقل لا يخلو من المعقولات، لأنه إنما صار عقلا بمعقول في حين عقله المعقول، ولم يصر عقلاً بغير معقول، ولا عقلاً لغير معقول، ولا يكون العقل مستكملاً لاسم العقل إلا بمعقول، ولا يكون معقولاً إلا بعقل، ولا يجوز أن يكلف العقل معقولين في وقت واحد متنافيين متزايلين عليه، وإنما يكلف العقل عقل ما عاينه وشاهده لا عقل ما غاب عنه وزايله، وهذا من المحال، كما لا يكلف السمع إلا مسموعاً، ولا يكلف  النظر إلا منظوراً، ولا يكون ذلك إلا بمشاهدة المسموع للسمع والمنظور للنظر)([6]).

من هذه النصوص يتبين أن العقل عند أبي سعيد هو غريزة وضعها الله في عباده، وبعبارة أبي سعيد هو (علم غريزة مخلوقة وهو نور العقل الذي به يعقل المعقولات)، وهذه الغريزة تتسع بالعلم المكتسب، فـ(العقل لا يعقل المعقولات إلا بمادة من غيره، من بصر أو سمع أو خاطر أو حس أولمس، أو شيء يؤدي إليه ذلك العقل المكتسب له)، فالعقل إذن عبارة عن مَلَكة تكتشف العلاقات بين الأشياء وتربط بين الأسباب ومسبباتها لتكشف سنن الله وآياته التشريعية والتكوينية، التي أوجدها الخالق وأنشأها في هذا الكون، تحكم حركة الكون وتنظم سيره.

ومن الملاحظ على كتابات أبي سعيد  في كتابيه المعتبر والاستقامة أنه جعل من العقل هادياً ودليلاً للوصول إلى   الحق والصواب، فقد ذكرت مفردة عقل وتصاريفها المختلفة (عقل، عقول، يعقلون،…) :

–         أكثر من 292 مرة في الجزء الثاني من كتاب الاستقامة، منها 30 مرة باستعمال مصطلح (حجة العقل)، و4 مرات باستعمال مصطلح (حجة العقول).

–         أكثر من 50 مرة في الجزء الأول من كتاب الاستقامة، منها 7 مرات باستعمال مصطلح (حجة العقل).

–         أكثر من  40 مرة في الجزء الثالث من كتاب الاستقامة، منها مرتان باستعمال مصطلح (حجة العقل).

وفي كل هذه المرات لم يشر أبو سعيد من قريب أو بعيد إلى أن العقل يوصل إلى الضلال والانحراف، فالانحراف والضلال مرده في القرآن لاتباع الهوى وزيغ القلوب ومرضها:

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج:46.

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) آل عمران:7

(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) المائدة:52

(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً) الأحزاب:12

  • ولذلك لم يذم القرآن إعمال العقل، بل مدحه وجعله الموصل للإيمان:

(وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الرعد:4

(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) النحل:69

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) آل عمران:190

  • وذم القرآن الكافرين وغيرهم على اعتبار أنهم قوم لا يعقلون:

(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) البقرة: 171

(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)  المائدة: 58

(لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) الحشر: 14

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: 46،  وهذه الآية ذمت من لا يمارسون التعقل من خلال سيرهم في الأرض، وعزت ذلك إلى عمى يصيب القلوب.   

 

موقع العقل في الشريعة

يمكن إجمال موقف أبي سعيد من العقل بأنه يَعتبرُ العقل مكوناً من مكونات النص الشرعي وليس شيئاً آخر مضاداً ومفارقاً له، قال أبو سعيد: (وكذلك حجة العقل من تأويل كتاب الله تبارك وتعالى، والرأي من أهل الرأي من المسلمين يخرج حجة من العقول، فثبت أن الحق كله والعلم كله هو من القرآن)([7])، فحجة العقل عند أبي سعيد هي من القرآن.

وتعويلاً على ذلك فهو قد اعتبر (جميع ما كان في دين الله تقوم به الحجة من طريق حجة العقل، فذلك مكلف فيه المنقطع وغير المنقطع علم ذلك، ولا له جهل ذلك)([8])، فكون العقل حجة في جميع ما كان في دين الله على اعتبار أنه داخل في تكوين النص وليس شيئاً مفارقاً له، فإذا أُهمل العقل أو أُلغي من حسابات القاريء للنص الشرعي التبس الأمر عليه ووقع في تناقضات عديدة.

ولا داعي كذلك لافتراض جدلية أيهما المقدم: الشريعة أم العقل؟، فمثل هذه التصورات التي تفترض صداماً بين الشريعة والعقل لم تستوعب معنى الشريعة والعقل معاً، فصار الأمر أقرب للتساؤل الشهير: أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟.

وعليه فإذا كان العقل جزءاً لا يتجزأ من النص الشرعي؛ إذن هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنص، وهذه هي المعادلة التي يستقيم بها فهم الدين والتي تجيب الفرد والمجتمع عن العديد من التساؤلات التي يتصور معها الصدام بين الشريعة والعقل، فالشريعة([9]) من عنده سبحانه والعقل هو من خلقه وإبداعه، فإذن العقل هو مكون من مكونات الشرع.

وآيات القرآن التشريعية والكونية تُذَيّل بـ (لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وهي دعوة صريحة للنظر والتعقل في التعامل مع آيات الله الكونية والتشريعية على حدٍّ السواء:

– ومثال الآيات التشريعية: (وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ مِن مّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ، كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة:240–242.

– ومثال الآيات الكونية: (إِنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة:164.

أما التقسيم المدرسي للمصادر كقول أبي سعيد كثيراً في الاستقامة: (وهذا خارج من أحكام الكتاب، والسنة، والإجماع، ومن حجج العقول)([10]) فهو لبيان المصادر التي يعتمد عليها، وإلا فهو يصرح بأن الأصل هو القرآن والباقي وهي السنة والإجماع وحجة العقل فهي تدور في فلك الكتاب العزيز، قال أبو سعيد: (والسنة كلها تأويل لكتاب الله تبارك وتعالى، وكذلك الإجماع من تأويل كتاب الله، فكما كان تأويل التنزيل تأويلاً له؛ كذلك السنة والإجماع من تأويل كتاب الله، وكذلك حجة العقل من تأويل كتاب الله تبارك وتعالى، والرأي من أهل الرأي من المسلمين يخرج حجة من العقول، فثبت أن الحق كله والعلم كله هو من القرآن)([11]).

 

آلية عمل العقل في منظومة الشريعة

سبق أن قلنا إن نصوص أبي سعيد في كتابيه (المعتبر) و(الاستقامة) صريحة في أنه يرى فعل التعقل داخلاً في منظومة الدين وليس شيئاً خارجاً عنه ومضاداً له، وهذا التصور هو الذي يُفهم من آيات الكتاب العزيز: التشريعية والتكوينية، يبقى أن نسأل أنفسنا عن دور العقل في منظومة النص الشرعي باعتباره أحد مكوناتها.

(كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة: 242 ،  فالآيات البينات أنزلها الله كي نحسن فهمها وتطبيقها والتعامل معها، وهو ما عبر عنه القرآن بـ(لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وفي هذا المجال لدينا عدة مستويات كما قررها أبو سعيد الكدمي:

 

1. المستوى الأول: حجة العقل في معرفة الله وتوحيده:

ففي هذا المستوى؛ تحسين العقل عند أبي سعيد يعد حجة على المكلف إن لم يجد من يعبر له شيئاً من أمر التوحيد، فما كان من أمر توحيد الله سبحانه من الذي لا يحتاج لتفسير ولا تأويل فهو من المعقولات من صفات الله تبارك وتعالى ومن أسمائه، أو وجوب وعيده لمن عصاه ووعده لمن أطاعه وأرضاه، وما يخرج من هذا ونحوه، فإذا خطر ذلك أو شيء منه بباله أو سمع بذكره، وعرف معاني ذلك، فلا يسعه جهل ذلك، ولا الشك فيه، وهو غير منفس في السؤال عنه لمعبر من الخليقة)([12])، أي أنه يرى أن الحجة قي هذا المستوى تقوم بالعقل وبالسماع.

فـ(كل ما لا يسع جهله من معرفة التوحيد وتصديق الوعد والوعيد، وأمثال هذا مما يتولد منه، فالحجة تقوم فيه عند ذكر ذلك ممن ذكره، أو إذا خطر ذلك بباله إذا عرف معاني ذلك وأحواله، فعليه علم ذلك معا ولو لم يعبر له ذلك معبر، فإن لم يعلم ذلك من حين ما يذكر له أو يخطر بباله ويعرف معناه هلك بذلك، ولم ينفس في السؤال عن ذلك لعالم ولا لجاهل)([13]).

ومن أمثلة (مما تقوم به الحجة من علم العقول من دين الله تبارك وتعالى ومن صفته؛ إذا خطر بالبال أو سمع بذكره علم العبد أن الله يقبل التوبة عن عباده ، من تاب إليه منهم من ذنبه ومعصيته له ، ويعفو عن السيئات لمن تاب إلى الله من الكبائر والإصرار على السيئات)([14])،  (وكذلك من أعظم حجج الله، ومما تقوم به الحجة في العقل إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أو دعي إليه العبد، علم ثواب الله تبارك وتعالى لأهل طاعته على طاعته، لأنه لا يحسن في العقل أن يكون الله تبارك وتعالى خلق خلقاً عبثاً لا لحاجة منه إليهم، ولا لينتفع بهم ولا ليقوى بهم على شيء من ذاته ولا من ذواتهم، ولا لحاجة منه إليهم في معنى من المعاني، ولا في وجه من الوجوه، فلما صح هذا أنه هكذا صح أنه تبارك وتعالى إنما خلق خلقه لما قد سبق في علمه ومشيئته أنه ينفع بعض خلقه ببعض، وأن بعضهم مضرة لبعض، وأن بعضهم حجة لبعض، وأن بعضهم حجة على بعض، وأنه لا يكون في العقول بهذه الصفة إلا ملك قادر غني حميد، وأنه لا يكون الملك الغني القادر إلا مطاعاً، ولا تكون الطاعة للمطاع إلا بأمر ونهي من الآمر الناهي)([15]).

2. المستوى الثاني: حجة العقل في معرفة أداء العبادات المضيق وقتها:

في هذا المستوى؛ حجة العقل قائمة على المكلف إذا ضاق الوقت عليه ولم يجد له من يعبر له من أمر الوضوء أو الغسل من الجنابة أو الصلاة،  قال أبو سعيد: (كما يطلب الماء للوضوء للصلاة ، ويمشي إليه اذا كان عارفاً به من المواضع، ويبحث عنه من قدر عليه إذا لم يعرف موضعه، ويبذل فيه ماله واحتياله حتى يتوضأ، ويتطهر للصلاة، فإذا لم يقصِّر في طلب العلم لذلك اللازم في أمر هذه الصلاة، كما لم يقصر المعدم للماء في طلب الماء، حتى فات وقت ذلك، ولم يحسن في عقله عند عدم المعبرين شيئاً يقوم في حجة عقله من تأدية هذه الفريضة للصلاة الحاضرة، من تسبيح أو تكبير، أو قراءة ، أو قيام، أو قعود، أو سجود، أو ركوع، فما حَسُن في عقله من تأدية ذلك، عند عدم المعبرين، كان عليه تأدية ذلك بما حسن في عقله، مع الدينونة بالتوبة إلى الله مما ضيع من أمر هذه الصلاة؛  فهو سالم مسلم)([16])، ووفقاً لكلام أبي سعيد في الموضع السابق ومواضع أخرى فيسعه جهل ما يلزمه من أمر حدود الصلاة وكيفية أدائها إلى حين دخول وقتها، ويضيق عليه الجهل منذ دخول الوقت، فهنا:

– إما أن يعبر له أي من المعبرين بشتى أصنافهم (موحد، طفل صغير، كافر، وجده على رق أو حجر، ….الخ).

– أو أن يعبر له بعلم خاطر يحسن في عقله([17]).

3. المستوى الثالث: حجة العقل في مسائل الأخلاق والحلال والحرام:

يرى أبو سعيد إن كان الحدث الذي ارتكبه المُحدِث مما لا يسع جهل معرفته، بأن كان مما تقوم الحجة به من حجج العقل التي لا يسع جهل معرفتها؛ فلا بد من البراءة من راكب ذلك الحدث الذي قامت حجة كونه محدثاً من طريق العقل دون العبارة؛ فلا يسع من عاينه أن يجهل ضلال راكبه([18])، وهنا في كلام الكدمي السابق تصريح بأن ارتكاب الحدث تقوم حجة معرفة كونه حدثاً بحجة العقل ولو كان صاحبه يجهل تحريمه من تعبير أحد المعبرين.

ويرى أبو سعيد أنه في حال جهلِ الشخصِ المنصوصَ عليه؛ سواء بارتكاب محرم أو تضييع فرض فهو على سبيل العهد والميثاق والإيمان والإسلام والطاعة بشروط هي:

– أن لا يكون الارتكاب أو التضييع على سبيل الإنكار.

– أن لا تقوم عليه الحجة بالعلم بالارتكاب أو التضييع بسماع أو نظر، أو صحيح فكرة، أو خاطر يدله على معاني ذلك، أي إما تعبير معبر أو تحسين عقل، فإن كان كذلك لزمه التعلم لذلك([19]).

4. المستوى الرابع: حجة العقل في فهم النصوص والتعامل معها:

يرى أبو سعيد أن مناط فهم النصوص الشرعية بالنظر؛ أي عقل مهتد بنور الله، فقال: (وعلى المسلمين النظر في ذلك والاجتهاد لله ولكافة المسلمين)([20])، وقال في المعتبر: (فالاعتبار والتدبر والتفكر والفكرة لازمة لكل متعبد في كتاب الله تبارك وتعالى، كل منهم بما بلغ إليه طوله وقدرته)([21]).

ومن أمثلة ذلك ما قاله في تأويل الآية التي وصفت أهل الكتاب بقتلة الأنبياء، فقال في الاستقامة: (وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه في أمر أهل الكتاب ليخاطبهم، وقد قالوا : (إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) آل عمران:183، فقال الله تبارك وتعالى: (قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) آل عمران:183.

وقد صح معنا في العقول أن هؤلاء المخاطبين بأعيانهم لم يقتلوا نبياً ولا رسولاً، وإنما قتله أسلافهم  من الذين يدعون دينهم ويسلكون سبيلهم ويتولونهم على ذلك، فسماهم الله قاتلين للرسل، إن تولوا قتلة الرسل صلوات الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين، فمن يدعي ويقول  إن هؤلاء المخاطبين يقتلون الرسل مذ خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل، هذا ما لا تعقله العقول، ومن يقل إنهم لم يقتلوا وقد سماهم الله تبارك وتعالى قتلة، وإنما قال أهل العلم إنهم لولايتهم للقتلة، وتصويبهم لهم في دينهم ، فكانوا قاتلين، وإن لم يقتلوا بأيديهم ولم يأمروا بألسنتهم، ولم يرضوا بالقتل، إلا أنهم تولوا القتلة في دينهم، فهم بذلك قاتلون لا محال، في دين الله تبارك وتعالى في التسمية بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة:51 في دينهم، ومن كان منهم في دينهم لحقه ما لحقهم من السخط من الله والعقوبة، وإن لم يلحق المتولي ما يلحق القاتل من الدية والقود والعقوبة في الدنيا.

فافهموا رحمكم الله تأويل الآثار والأخبار والسنة والكتاب، ولا تحملوا الخاص من ذلك على أحكام العام، ولا العام على الخاص، فإن في ذلك الهلاك في الدين، والخلاف الشديد لدين المسلمين)([22]).

وعند مناقشته لمسألة: (أرأيت لو رأى رجل رجلا يزني بامرأة، وعلم أن ذلك منه زنا لا شك، غير أنه لم يستيقن أنه يجامعها ولا رآه كالميل في المكحلة، ما يوجب شهادته الحد، فاعتمد للنظر إلى فرج الزاني والزانية متعمداً للنظر إليهما، كان ذلك مباحا أم محجورا عليه؟…)([23]) نوقشت المسألة من كافة جوانبها وما يتعلق بها بالاستناد إلى الأدلة من الكتاب والسنة، وبعد مناقشة امتدت لعدة صفحات قال: (فإن قال غير هذا فهذا مكابر للعقول، متورط في الضلال والفضول، إذ يجيز أن يشهد الشاهد بما  لايعلم، ويعتقد المعتقد بما لايعلم ، والله تعالى  يقول : “إلا من شهد بالحق وهم يعلمون” والإجماع أن من شهد بغير علم فهو شاهد زور، والإجماع أن من شهد لغائب قطعاً أنه قد شهد بغير علم، ولوكان كذلك ذلك، لأنه لو حلف عليه كان حانثاً شهد عليه قطعا كان شاهد زور، ولا نعلم في ذلك اختلافاً. فإن رجع إلى الحق فلا بد له من ذلك أو المكابرة والخروج من المعقول)([24]) فالمعقول وفقاً لأبي سعيد هي حجة العقل التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من بنية النص ذاته، فالنص الشرعي مكون من: شرع مسموع وعقل متبوع؛ وهما من عند الله.

وفي كل المستويات السابقة ليس الأمر محصوراً بمكان قفر أو جزيرة منعزلة، بل يصرح أبو سعيد أنها أحكام يستوي فيها الأمر إذا (كان بأرض الروم، أو بأرض الهند أو الزنج المشركين إذا كان، أو كان في جزيرة من جزائر البحر، أو في بدو من السباسب والقفار، أو في مصر من أمصار أهل التوحيد والإقرار،  فلا فرق في الأحكام على المتعبدين ولهم عند وجود علم ذلك، ولا عند عدم علم ذلك وعدم علم المعبرين له، ولا يهلك المعذور بعلم شيء مما لم يلزمه علمه، ولو كان ذلك الجاهل بمكة، أو بالمدينة، أو غيرهما من أمصار أهل التوحيد من أهل الإقرار ولو كان بنزوى من مصر عُمان، أو بقصبة صحار أو حيث ما كان من البر والبحار، فالحكم في ذلك واحد، والعذر واحد، والحجة واحدة، ولا فرق فى ذلك عند عدم علم ذلك مع الدينونة بما يلزمه من السؤال، عن علم ذلك في وقت ما يلزمه العمل بذلك)([25]).

نخلص من كل هذه النقول عن أبي سعيد فيما يتعلق بآلية عمل العقل في نطاق الشريعة:

  1. 1.     أن العقل هو جزء لا يتجزأ من تكوين النص الشرعي.
  2. 2.     أن العقل هو أساس التكليف، وبه تقوم الحجة على الإنسان في:

–     معرفة وجود الله

–     كيفية أداء العبادات المضيق وقتها عند عدم المعبر.

–     معرفة الحلال والحرام عند عدم المعبر.

–     فهم النص وتأويله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اعتقاد السؤال وملازمة التوبة

في كل الحالات التي يعتبر العقل فيها حجة: من الحلال والحرام وأداء العبادات المضيق وقتها وفهم النص وتأويله؛ لا بد -وفقاً لأبي سعيد- من أمرين هما:

–         اعتقاد السؤال.

–         وملازمة التوبة.

فقال عن الأمور التي لم تقم حجتها على المكلف فيما يسع جهله: (وإن كانت لا تقوم عليه حجة العلم فيما يسعه جهله، ما لم يركبه، فلما أن ركبه في الجهل له وعدم المعبرين له تحريم ذلك، كانت التوبة في الجملة من جميع المعصية مجزية له مع الدينونة بالسؤال في الجملة عما يلزمه يجزئه عن ذلك الذي قد ركبه بعينه من الحرام حتى ولو لم يخرج منه بالتوبة بعينه)([26]).

وقال عن حجة العقل في حال عدم وجود المعبر في العبادات المضيق وقتها:

(وإن عدم ذلك كله، وحسن في عقله حضور عمل في دين خالقه، أو ما يلزمه لخالقه ومحدثه من طاعته له، أنه قد حضر له وقت عمل بطاعته، أداء ذلك بقدرته ومبلغ معرفته، وإلا فكان عليه اعتقاد السؤال لمن قدر عليه، ممن نرجو معه دلالة على تأدية ما قد لزمه بعلم خاطره، وما حسن في عقله، وإن لم يحسن في عقله ذلك ولا بلغه علم ذلك فهو سالم، باعتقاد الطاعة لخالقه علم ذلك أو جهله، واعتقاد السؤال عما جهله من طاعة خالقه بما قدر عليه)([27]).

وبهذين الضابطين الشرعيين تحاط منطقة الدين من أن تخترم، فبدينونة السؤال يُنفى الجهل، وبملازمة التوبة في الجملة يربط الإنسان بخالقه تبارك وتعالى فيما ارتكبه من ذنب فيما يسع الإنسان جهله؛ ولم تقم عليه الحجة به من سماع أو تحسين عقل.

 


[1] أبو سعيد الكدمي، الاستقامة، ج2 ص208.

[2] المرجع السابق، ج2 ص208.

[3] المرجع السابق، ج2 ص208.

[4] المرجع السابق، ج2 ص208.

[5] المرجع السابق، ج2 ص210.

[6] المرجع السابق، ج2 ص210-211.

[7] أبو سعيد الكدمي، المعتبر، ج1 ص14.

[8] المرجع السابق، ج2 ص22.

[9] هناك خلط حاصل لدى الكثيرين بين الفقه والشريعة واستعمالهما مترادفين، وهذا خلط يؤدي إلى محاذير كثيرة، فالشريعة وضع إلهي، قال تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الجاثية: ١٨، (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الشورى: ١٣، أما الفقه فهو فهم بشري للشريعة (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام: ٩٨ ، فلا يصح أن نطلق على آرائنا مصطلح الشريعة، فالقرآن هو شرع الله، وآراؤنا حول فهمه هي الفقه، فالشريعة ثابتة تتمثل في هذه النصوص الإلهية، والفقه في جانب منه متغير ومتطور بتطور حياتنا وتجدد معلوماتنا.

[10] أبو سعيد الكدمي، الاستقامة، ج1 ص24.

[11] أبو سعيد الكدمي، المعتبر، ج1 ص14.

[12] أبو سعيد الكدمي، الاستقامة، ج2 ص220.

[13] المرجع السابق، ج2 ص74.

[14] المرجع السابق، ج1 ص204.

[15] المرجع السابق، ج1 ص205.

[16] المرجع السابق، ج2 ص217.

[17] المرجع السابق، ج2 ص23، ج2 ص215-216.

[18] المرجع السابق، ج1 ص130.

[19] المرجع السابق، ج2 ص23.

[20] المرجع السابق، ج2 ص132.

[21] أبو سعيد الكدمي، المعتبر، ج1 ص 16.

[22] أبو سعيد الكدمي، الاستقامة، ج2 ص116-117.

[23] المرجع السابق، ج2 ص177.

[24] المرجع السابق، ج2 ص182.

[25] المرجع السابق، ج2 ص217.

[26] المرجع السابق، ج2 ص76.

[27] المرجع السابق، ج2 ص23.

0 2813 10 أغسطس, 2011 العدد السادس عشر, ثقافة وفكر أغسطس 10, 2011