“السعيد السعيد من عبر الجسر قبل غيره”

لـ

 

“السعيد السعيد من عبر الجسر قبل غيره”

منيف

على الطاولة قال الوزير يا أبو نواف ” الصبر مفتاح الفرج “، قضم أبو نواف شفتيه وتمهل في رده حيث كان مليئا بالحذر والذكاء في الوقت نفسه، وقال: معالي الوزير، هل يعرف أولادك معنى الصبر ؟ لا أعتقد ذلك أبدا، و”الصبر مفتاح الفرج” لم يخلق هذا التصور إلا الفقراء والضعفاء والمغلوبون ليعززوا قيمة الصبر وليواسوا أنفسهم بضخ كل هذا الزخم من الجماليات في الصبر..

قال الوزير: ولكن القناعة كنز لا يفنى، وهنا لا أعتقد أن القناعة كنز لا يفنى، فالقناعة أغلب الأحيان شبه مطلقة ولكن ليست مع المال، والسلطة والنفوذ، ولأننا نحن الفئة الطبيعية والمشوهة غير قادرين على تعزيز وضعنا المالي الرث، نتصالح مع أنفسنا بأن القناعة كنز لا يفنى، ويبقى هذا المثل البسيط ساري المفعول لقرون من الزمن، تردده الطبقة الكادحة حتى أصبح قناعة غارقة في دمائنا.

يقول عبدو خال في رواية ترمي بشرر الحائزة على جائزة البوكر لعام 2010 ” كلما ابتعدت عن المشهد اكتشفت إن الحياة يصنعها المعتوهون والمرتشون واللصوص والوصوليون والقوادون والزناة واللوطيون وطالبوا السلطة وحائكو المؤامرات هم من يقومون بدور الدفع مثلهم مثل المصلحين ” وهنا يعزز قوله حين قال ” الدين هذا النفق الذي يسلكه الجميع لتبرير الغايات النبيلة والحقيرة”

وحين ترغب في التنازل عن الشعارات التي أغلب جماهيرها هم الفئة الطبيعية والمشوهة يجب عليك أن تشمر عن ساعديك للولوج في عالم لعبة الكبار، وهذه اللعبة لا تعترف بالمبادئ أبدا، ولكن تعترف بالعراك الغير المنتهي في عبور الجسر، وهنا يجب مصافحة الشيطان كشريك وراعي أساسي في اللعبة، والشيطان ليس ضرورة أن يكون هو الشيطان ولكن أشير هنا بأن الشيطان هو سقوط القيم والأخلاقيات التي تجعل من الإنسان إنسان، وغالبا لا تكون هنالك نهاية للعبور، لأن السراب متجدد ولأن الوصول للسراب يتطلب التنازل عن القناعات وعن الصبر والتزود بالمؤن الضرورية كالنقود والأراضي السكنية والتجارية والصناعية، وهنا يغرق العابرون بكل الملذات حتى تصبح كل المتع متاحة وممكنة لهم في خضم كل هذا التدافع للحياة .

يا معالي الوزير، عن أي صبر تتحدثون، وعن أي قناعة تتحدثون، فأنتم أكثر من يعيش قناعات متحولة، والثبات لا وجود له سوى في بعض القيم الكلاسيكية التي لم تعد تلاءم القرن الحادي والعشرون، أتكلم عن نفسي حين اعتقدت أن الحياة تخرج من هناك من مكاتبهم الفارهة، ولكن دائما تأتي الحكمة في الوقت الذي لم نعد فيه بحاجة إليها، خصوصا حين تقترب من المشهد وتكتشف أنك تصاب بنوع من التقزز

“نكتشف اللذة صدفة فندمن على استنزافها” هذا هو المشهد الوزاري ببساطة مطلقة، يأتي الوزير كطائر اصطفاه الملك ولا أعرف بناء على ماذا، يحط على عشه الوزاري، يأتي بقيمه الإنسانية والاجتماعية فقط والمهنية أحيانا، وعادة الشرق والملوك أن لا يكترثوا للقيم المهنية لأنهم أفشل وأردى من يمارسها، ليس من المهم أن يجيد الوزير ما يمارسه، ولكن المهم مع مرور الوقت أن يتخلى عن شيئين قيمته كإنسان نزيه، وعن طبيعته الاجتماعية الطبيعية ليتعالى وليرى العالم بفوقية مطلقة، هكذا يصعد أول سلّمه لاكتشاف طعم اللذة، ثم يستهويه الشعور الأول للذة، فيدمنها محاولا تجاوز اللذة إلى لذة أخرى أكثر وهو الذي رحل له التاريخ هكذا يصبح داخل السرب الملكي يتشارك القذارة الطاهرة مع باقي السرب والملك يتفرج من بعيد، مدركا وواعيا أن الوزير يمتلك مساحات تحرك أكثر منه على طاولة الشطرنج.

يقول عبد الرحمن منيف ” أعرف أن في الحياة مسرات كثيرة ومتنوعة، ولا بد أ يتمتع بها الإنسان بدءً من السيجارة الأولى مع قهوة الصباح، وانتهاء بكأس الكونياك مع المرأة التي يحبها في الليل المتأخر،وبين المتعة الأولى والأخيرة، هناك كفاح الإنسان من أجل العيش والصداقة والشجاعة من أجل قيم يؤمن بها، وهي التي تعطي للحياة معنى، وهكذا يجعل حياة الإنسان أكثر صدقا وفائدة”

ولكن أيها الرائع منيف، كيف لنا أن نكون نحن نحن حين تحل الدول أي قيم مباشرة للإنسان اخترنا أن نؤمن بها، ونحن لم نخرج من اللعبة فنحن جزء أساسي منها، نحن الذين كلفنا بحقن دمائنا وعقولنا بالأحلام، لنعيش محققين جميع ما حلمنا به ولكن في سحابة من الوهم … بعدها تأتي الضربة بهدوء ورتابة ليرتفع صوت على الطاولة يقول كش ملك … !!

0 1302 14 أغسطس, 2011 العدد السادس عشر, حداء الروح أغسطس 14, 2011