كيف تشد الحبل دون أن تسقط خصمك؟ في لعبة الكتابة والرقابة (1)

لـ

 

هل قرأت العنوان الأول جيدا؟ إذا كنت من ممارسي لعبة شد الحبل فأنصحك ألا تكمل القراءة. فأنت تعلم جيدا أنك تشد الحبل لأنك تنوي إسقاط خصمك. ولن ترخيه إلا لاستعادة قوتك التي فقدتها لكثرة الشد دون أن تفلح في إسقاط خصمك وتتمكن في نهاية اللعبة من إسقاطه. هذه اللعبة الضاربة في جذور الكثير من الشعوب والتي أضحت لعبة رسمية لها اتحادها الرياضي وبطولاتها الخاصة قائمة في أساسها على حبل يمسك من كلا طرفيه في كل طرف يقف لاعب يشد الحبل بأقصى ما يمكنه من قوة ليجر خصمه إلى منطقته فيفوز باللعبة.

أنا سعيد جداً لأنك قررت إكمال القراءة، رغم المقدمة العادية جدا عن لعبة تعرفها جيدا لأنك مارستها في حارتك أو مدرستك أو ناديك، وربما لأنك لا تمارسها لكنك تعرفها أكثر مني وتضمر في نفسك الآن سخرية من هذه المعلومات البسيطة للغاية التي قدمتها لك، ما علينا من هذا الكلام الآن، واسمح لي أن آخذ حبلا من حبال أفكارك لا لأنشر عليه ثيابا مبتلة بل لأضعه بين يدي خصمين عنيدين قد تكون سمعت بهما: الكتابة والرقابة.

الكتابة في الأصل لا تمارس لعبة شد الحبل، إنها تلعب لوحدها لعبة بريئة اسمها بكل بساطة: الكتابة، وهذه اللعبة البريئة لا تتقيد بملعب واحد؛ فالملعب يمكن أن يكون رقعة جلد أو عظم جمل أو كهفا أو ورقة أو لابتوب. الكتابة تلعب في البياض، وتغادر الملعب ريثما تنهي لعبتها تاركة الملعب مسودا، ولأن اللون الأسود يجلب التشاؤم عند بعض الشعوب، فإن لعبة الكتابة أصبحت مصدراً للتعاسة، لذلك اجتمع الزعماء ذات يوم ليتشاوروا في الأمر، وخرجوا من اجتماعهم بلعبة جديدة أسموها: شد الحبل.

كانت شد الحبل في الأصل لعبة تؤديها لاعبة واحدة اسمها الرقابة التي كانت من ضمن الحضور في اجتماع الزعماء، وكانت هذه اللعبة تتم في الليل على العكس من لعبة الكتابة التي كانت تمارسها في وضح النهار، تقوم لعبة شد الحبل في الأصل على تنظيف الملاعب التي تلعب فيها لعبة الكتابة لتستعيد بياضها من جديد، ولأن الرقابة كانت تلعب في الليل لم تتمكن من تنظيف الملاعب جيدا، إذ تبق هنالك بعض السواد متناثرا بشكل مشوه في الملاعب.

هنا قرر الزعماء أن يجتمعوا من جديد، واخترعوا قانونا جديدا للعبة شد الحبل، إذ أصبحت اللعبة تتم في النهار، ولا تمارسها الرقابة لوحدها بل تلعبها بالاشتراك مع الكتابة، تغلب الزعماء على مشكلة الملاعب المتعددة بأن حددوا للعبة ملعبا واحدا فقط يختلف عن ملاعبها السابقة التي تم هدمها بناء على القانون الجديد، وهكذا لم تجد الكتابة مكانا للعبتها البريئة، فأرغمت على اللعب مع الرقابة لعبة شد الحبل، وبناء على هذا القانون فإن الزعماء يجيزون للرقابة أن تمسك الحبل بقوة كي لا تسقط أمام خصمها الكتابة حفاظا على بياض الملعب ما أمكن ذلك، وفي المقابل فإنهم يحظرون على الكتابة أن تشد الحبل بقوة كي لا يطغى السواد على بياض الملعب. بذلك أعطيت للرقابة امتيازات أكثر في اللعبة، وهي دائما مرشحة للفوز في كل جولة، لكن الكتابة ظلت محافظة على ثقتها بنفسها، ورغم أنها اكتسبت بعض الصفات العدوانية من هذه اللعبة إلا أنها ما زالت تفكر بلعبتها البريئة التي فقدتها، اللعبة التي ليس من الممكن أن يشاركها أحد فيها، لذلك دائما ما تدخل لعبة شد الحبل مع الرقابة وهي تحاول أن تتعلم كيف تشد الحبل دون تسقط خصمها؟

ما رأيك الآن؟ هل ما زلت مصرا على القراءة؟ عموما سأخبرك في لقائنا التالي ما حدث مؤخرا في عمان من جولات شد الحبل بين الكتابة والرقابة وأعدك بأنني لن أكرر ما قلته لك في هذا اللقاء بل سأدخل في صلب الموضوع مباشرة.

 

وليد النبهاني

0 1643 06 سبتمبر, 2011 العدد السابع عشر, ثقافة وفكر سبتمبر 6, 2011