ويكيليكس: السلطان قابوس: والديه فرضا عليه بشكل صارم أداء الصلوات في وقتها المحدّد.

لـ

لقاء السلطان قابوس مع الجنرال جون أبي زيد، قائد القيادة الأمريكية الوسطى المتقاعد*

أحاط الموضوع بالسريّة سعادة السفير المعتمد لدى السلطنة، ريتشادر بالتيمور

خلاصة اللقاء: أثنى السلطان في مستهل الزيارة التي تمت بتاريخ 29 مارس على سلسلة النجاحات التي حققتها التكتيكات السعودية للقضاء على الإرهاب، بيد أن شيئا من القلق ساوره فيما إذا كان لآل سعود استراتيجية بعيدة المدى بهذا الشأن. كما رأى السلطان أن العراق واقعة على مفترق طرق مما قد يؤثر على وحدة أرضها، وهويتها الوطنية وبقاء الرمزية التي يحملها العلم الوطني، والتي تشوبها بطبيعة الحال بقايا حقبة صدام. وأعرب عن أهمية تعجيل تشكيل حكومة عراقية وميثاق أساسي يكسب رضا واطمئنان كافة الطوائف والمذاهب العلمانية. وفيما يخصّ السياسات الإيرانية التي أشار السلطان بأنها لن تحظى بامتداد نافذ قبيل الانتخابات الرئاسية، أعرب عن قلقه حيال نزوع طهران لاتّخاذ أي خطوة ساذجة فيما يخصّ برنامجها النووي، وأكّد على ضرورة أن تبدأ حكومة الولايات المتحدة فتح حوار مباشر مع إيران مع الأخذ بعين الاعتبار والحيطة أن سياق الجمهورية الإسلامية ما هي إلا قناع يستند على بقايا العقلية التطلّعية لإنشاء إمبراطورية فارس … وأعرب السلطان عن تفاؤله تجاه الانحدار الذي يشهده الفكر المتطرّف في المنطقة وهو ما أسهم في دفع عجلة السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، كما استبشر بالثمار التي ستجنى عقب الاتفاقية الموقّعة بين السلطنة والولايات المتحدة فيما يخصّ التجارة الحرّة. وأشار السلطان إلى أن حرية التعبير وتقسيم موازين السلطة مع عامة الناس هي إحدى أهم الثوابت في وجه التطرّف.

التفصيل: قام قائد القيادة الأمريكية الوسطى، جون أبي زيد بزيارة للسلطان استمرّت لتسعين دقيقة، وقد كان بمعيّة السلطان أحمد النبهاني قائد القوّات المسلّحة. وأما من الجانب الآخر فقد كان برفقة سعادة السفير المعتمد وعدد من كبار قواد القيادة الوسطى وعدد من المسؤولين من السفارة. تم الاجتماع في سيح البركات، واستمرت رحلة نقل الوفد إلى منح أربعين دقيقة على متن طائرتين خاصتين للسلطان.

العراق على مفترق طرق

بُعيد دخول السلطان إلى الاجتماع استهلّ السلطان بقوله أنه قد انتهى للتوّ من مشاهدة نشرة الأخبار، وأشار إلى ضرورة أن يتّفق البرلمان العراقي على تشكيل حكومة جديدة، وأشاد على اهتمام الشارع ومبادرته بالتصويت، وأن الوقت قد حان لكي ينفّذ الساسة ما وعدوا به وأن يتغاضوا عن الفروقات فيما بينهم، خصوصا وأنه لا ملاذ للعراق إذا ظلّت الانقسامات السياسية كما هي عليه. وأشار أيضا إلى ضرورة الوصول إلى ميثاق وإلى أهمية التعجيل في إقامة انتخابات بحلول نهاية العام، معبّرا عن استياءه عن انعدام الترابط بين القوى العراقية. كما أشار إلى أن البتّ في القضايا في هذه المرحلة هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في العراق.

وقد حدت بالسلطان رغبة لسماع رأي الجنرال جون بخصوص العلم العراقي، وأعرب الجنرال أن مسألة تغيير العلم شائكة وأنه سيبقى على ما هو عليه على الأرجح. وجدّد السلطان رفضه لألوان العلم التي تمثّل النظام البعثي، مشيرا إلى أن جملة “الله أكبر” هي إضافة ساخرة على يد النظام المخلوع. وأشار السلطان إلى أن الرمزية لها ما لها، لذا فقد أزاح بنفسه كلّ ما يشير إلى حقبة ما قبل السبعين. وفي نهاية المطاف يعود قرار تغيير العالم للشعب العراقي بنفسه.

وعندما سُأل السلطان عن تقييمه العام للأوضاع هناك أشار إلى أن الصراع بين الناس بمختلف أقطابهم مرهون بحجم التطوّرات التي يتم تحقيقها في العراق، وأشار إلى أن وحدة العراق على المدى البعيد سيظّل هما كبيرا حتى في غضون انحدار المخاوف بهذا الشأن. وبينما يرى كل من الأكراد والشيعة والسنة أنهم جزء من العراق، يرى الكثيرون عكس ذلك. وأشار السلطان إلى أنه في ظلّ اتجاه بعض الطوائف الشيعية إلى الاعتدال، لا يزال هناك تخوّف من نزوعهم لسلوك أي منطلق راديكالي إذا تربّعوا على رأس السلطة، و”لا يمكن تجاهل هذا الاحتمال البتّة”.

وأعرب السلطان عن ضرورة أن يكون الميثاق العراقي الجديد راسخا لا يمكن التلاعب به مستقبلا، إضافة إلى أهمية أن يمنح الطوائف الاطمئنان التام حول طبيعة مكانتهم في الدولة. وأشار إلى أن الناس ليست بحاجة إلى نزعات دينية أو عرقية، وإنما إلى الأمان والوظائف التي تسدّ رمق عيشهم. وإذا ما كان الميثاق الجديد مفتوح المصراعين على التأويلات، فستواجه الولايات المتحدة نفس الموقف الذي اضطرّت فيه إحلال سلطة تحوّلت إلى ديكتاتورية فيما بعد. ولا بد من توخّي الحذر، فحتى لو اتّبعت الولايات المتّحدة منهجية وسطية تحظى برضا الأطراف، فاحتمالية أن تنزرع قنبلة موقوتة بينهم قائمة. وقد حذّر السلطان من الانجراف لصالح جيران العراق لأنه قد تكون لبعضها دوافع مغرضة وأطماع أنانية. وبينما تقف السلطنة موقف الحيادية أكّد السلطان على أن العكس صحيح لدى بعض الدول. ويرى السلطان أن منهج وسائل الإعلام الإقليمية ينشد الاعتدال إلا أن سياستها في عرض الأخبار لا زالت انتقائية قد تجعل من بعض القضايا قائمة في المستقبل.

حول المملكة العربية السعودية:

حول رأيه عن المملكة العربية السعودية، أشاد السلطان بالوضع الأمني الهادئ نسبيا، والاستقرار الآخذ في الزيادة. كما أشاد بالملك عبدالله على سعيه الدؤوب ليكون قائد نافذا بين رعيّته. لكن السلطان قلق بعض الشيء حيال التركيز المفرط للعائلة المالكة السعودية على قضايا اليوم، وليس على قضايا الجيل القادم. وبينما أشار إلى المحادثات الودية التي جمعت بينه وبين الملك فهد، تساءل السلطان عن مدى الدعم الذي يستند عليه مشيرا إلى التذبذب بين الدعوة إلى حوار وطني وبين قطع الأبواب عن الوصول لذلك. وانتقدّ السلطان أيضا انخراط الملك في صغائر الأمور من بينها حق المرأة في قيادة السيارات والتي تعدّ مسألة وجودية بالنسبة للمتزمّتين دينيا. ويرى السلطان أن تتجه العائلة المالكة إلى التعامل مع التشدّد على نحو حاسم وأكثر صرامة.

وبالحديث عن رؤاه حول الدين، يرى السلطان أن الدين يجمع بين الكثير من المقوّمات: كأركان الإسلام، والقوانين التي تحكم سلوك الأفراد، والعقد الاجتماعي الذي ييسّره الدين، إلى غير ذلك. ويرى أن مجموع الأعمال التي يوجبها الإسلام كفرض عين قليلة، وذلك كتحريم شرب الدم وأكل لحم الخنزير، ويبقى النطاق الأكبر من الحياة مبنيا على التأويلات المنطلقة منه. وفي شأن آخر، يرى السلطان أنه من الغباء فرض الحجاب على المرأة وأن يحال إلى الحجاب على أنه أساس الدين، في حين أنه لم يذكر في القرآن نص على ذلك. ويرى السلطان أن قتل الناس رجس البتّة. ووسط معترك حديثه، أشار السلطان أيضا إلى الحملات التبشيرية التي قدمت لعمان معربا عن دورها في بسط سمعة طيبة عن الدين حين وفدوا أطباء ومعلمين. وتساءل السلطان عما تورثه العمليات الانتحارية من تشويه على صورة الإسلام، كما أورد من جعبة ذكرياته كيف أن والديه فرضا عليه بشكل صارم أداء الصلوات في وقتها المحدّد بالضبط، بينما كان يفضّل أداءها باسترخاء في الوقت الذي يرغبه. وعبّر السلطان عن استياءه حيال منهج فرض الأمور، إلا أنه كان يساير الأمور كلّما فرض عليه شيء، رغم أنه في الحقيقة لا رغبة له بالصلاة. ويعزو السلطان ذلك إلى أن طبيعة الإنسان الانقلاب على ما تفرضه أي سلطة خانقة.

وعبر السلطان عن خشيته من أن يكون الجيل السعودي القادم أكثر تشدّدا من سابقه، ويرى أن لدى الشباب رغبة في الإحاطة بمستقبلهم والسيطرة عليه بيد من حديد، وهو منحى اعتاد أن يؤول إلى الهلاك. كما يرى السلطان أن سبيل النجاح مشاطرة الناس في ممارسة السلطة قدر الإمكان. ولن يضعف ذلك قبضة رأس السلطة، بل سينقل إلى صفّه حصة أكبر من الرأي العام.

إيران

 

وحول الشأن الإيراني، أعرب السلطان عن أمله الكبير وتطلّعه لليوم الذي تجتمع فيه الولايات المتحدة وإيران على طاولة الحوار. ويرى أن ذلك هو السبيل الوحيد، رغم أنه لا فكرة لديه عن طبيعة ردّة الفعل الإيرانية حيال أي تدّخل للحوار حول شؤونها الداخلية، مفضّلا التحفّظ حول الأمر إلى أن تتم الانتخابات. وفي سياق ذكره للرجالات التي قد تخلف خاتمي كرافسنجاني وفيلاياتي، أشار السلطان إلى أن الشيء الواضح هو بقاء تأثير آية الله الخوميني على الوضع. وأفصح السلطان عن أن خاتمي قال له خلال زيارة في أكتوبر 2004م أنه يفكّر في الانتقال إلى الخليج العربي بعد مغادرة منصبه وذلك لكتابة مذكراته الشخصية وتحسين لغته العربية والاستمتاع بعيش رغيد. وأعرب السلطان عن قوله أن البعض يقول أن خاتمي تعرّض لمعاملة قاسية من آية الله نظرا لأن المجتمع الدولي لا يعير اهتماما كبيرا له.

وخلال الزيارة أيضا أخبر خاتمي السلطان أنه محبطٌ جدا، وأنه حاول أن إحداث التغيير وإجراء الإصلاحات خلال فترة رئاسته، خصوصا بعد الفوز الكبير الذي حقّقه في الانتخابات، إلا أنه لم يلقى الدعم من الولايات المتحدة والغرب مما حدا بالمحافظين إلى تغيير مسار خاتمي السياسي بسرعة.

وبينما أن هناك أشخاصا جديرين في زمرة الساسة الإيرانيين، أشار السلطان أن لا زال هنالك الكثير من المحافظين. وقد أعرب السلطان مرات عدّة عن أمله أن لا تغلب عليهم السذاجة، وأن يعوا خطوط المجتمع الدولي الحمراء، وأن الوقت ليس مناسبا لتحقيق طموحاتهم النووية. وخلال تأكيده على أن عمان دولة عريقة مضى عليها زمن بجوار إيران، حذّر السلطان انطلاقا من هذا المنظور من انخداع الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران بقوله: “أنتم أمام بلاد فارس ولستم أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

انحدار مستويات التطرّف يعني انتعاش الاقتصاد

 

وفي سياق حديثه عن الوضع الاقتصادي والسياحي في السلطنة، أشار السلطان إلى المستثمرين المصريين والإماراتيين وسط استعدادهم لبدء مشاريع إنشاء منتجعات ومجمعات على ساحل عمان، وتحدّث عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم واصفا إياه بأنه المستثمر الذي لا يخشى شيئا. وأشار السلطان إلى مشروع المنطقة الحرة بصلالة الذي طال انتظاره، كما استبشر بالثمار التي ستجنى عقب الاتفاقية التي سيتم توقيعها بين السلطنة والولايات المتحدة فيما يخصّ التجارة الحرّة، وكيف أنها ستفتح آفاقا كبيرة لعمان.

ووصف السلطان الزيادة التي تعتري السياحة في المنطقة بأنها في سلام من أمرها أكثر من أي سنة مضت، وقال أن ارتفاع أسعار النفط عامل مساعد، إلا أنه قد يكون واهما إذا لم يتّخذ بحذق. وأشار السلطان إلى أن عمان تجني شيئا طفيفا من سعر برميل النفط البالغ 44 دولارا أمريكيا، وذلك نظرا لتكاليف الإنتاج وانخفاض القوة الشرائية للدولار الأمريكي. وأعرب السلطان إلى أن العبرة ليست في كمّ الأموال وإنما في سبل إدارتها بحكمة. ويرفض السلطان أولئك الذين يرون إلى الماضي على أنه العصر الذهبي، ومنهم الاقتصاديون الذين يحاولون إقناعنا بأن الأوضاع أسوأ من ذي قبل. وأردف أن الفرص تأتي مع شيء من التحدّيات، لذا فإن النظرة التفاؤلية مهمة للتصدّي لتقلّبات التاريخ.

وعقب سؤاله حول قوى جماعات الإرهاب اليوم، وافق السلطان رأي الجنرال أبي زيد بأنها آخذة في الانحدار، إلا أن التكّهن صعب في حين أن بعضهم ينظم صفوفه تأهبّا للمستقبل. ويرى السلطان أن الفكر المتطرّف فقد شرعيته بسبب منهج العنف الذي يتبنّاه، مشيرا إلى أن حرية التعبير وتقسيم موازين السلطة مع عامة الناس هي إحدى أهم الثوابت في وجه التطرّف. كما أعرب عن أنه من المبهج رؤية العرب يعبّرون عن وجهات نظرهم اليوم، مشيرا إلى أنه قد حان الوقت لدعوة الأغلبية الصامتة لكي تتحدث، وحان وقت تهميش كل متطرّف إلى أقصى حدود المجتمع فهناك مكانهم. ويرى السلطان أيضا أن حشر الأيديوليجيات الصارمة في قوالب دينية يفقدها معناها، خصوصا وأن النفس الإنسانية تعاف من اللعنة الأبدية لانتهاك أي مبدأ ديني حقّ.

وبعد هذا، اختتم السلطان حديثه مجدّدا الثقة بأن النصر للخير دوما وأن سبيل الوصول إلى الخير يقضي النضال من أجله تماما كالنضال على أي شيء ثمين في الحياة.

* قام بترجمة النص بتصرّف: عاصم بن عبدالله الصقري. بالإمكان تصفّح النصّ الأصلي الكامل عبر الوصلة التالية:

http://wikileaks.org/cable/2005/04/05MUSCAT547.html

0 5451 06 سبتمبر, 2011 العدد السابع عشر, سياسة سبتمبر 6, 2011