كيف تشد الحبل دون أن تسقط خصمك؟ في لعبة الكتابة والرقابة (2)

لـ

اعذرني إن كنت أتعبتك معي في لقائنا السابق، فأنا لم أدخل في صلب الموضوع بعد، أعدك هذه المرة بأن لا أحكي لك تاريخ لعبة شد الحبل بين الكتابة والرقابة، وآن الأوان أن أتحدث عن جولة من جولات شد الحبل التي حدثت مؤخرا في عمان.

هل سمعت من قبل عن كاتب عماني اسمه سليمان المعمري؟ سأعرفك به: إنه كاتب عماني طموح من كتاب القصة القصيرة، قصصه المجموعة في كتاب أسماه (الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة) فازت بجائزة عربية للقصة القصيرة، وهو إنجاز نادر على مستوى كتابة القصة القصيرة في عمان، سليمان المعمري يهوى لعبة الكتابة البريئة، ولم يسبق له أن لعب مع الرقابة لعبة شد الحبل عبر كتبه التي أصدرها، من إفرازات لعبته البريئة هذه شخصية ظريفة أحبها الناس اسمها (عارف البرذول)، هذه الشخصية تلقفها شاعر طموح بدوره اسمه ناصر البدري نقل شخصية البرذول من الورق إلى التلفزيون عبر مسلسل يبثه التلفزيون العماني في شهر رمضان الحالي.

حتى وقت قريب كنت من بين الذين يعتقدون أن مسلسل (يوم ويوم) الكرتوني المستوحى من شخصية عارف البرذول خارج لعبة شد الحبل، إلا أنني فوجئت يوم أمس وأنا أقرأ حواراً لسليمان المعمري مع صحيفة عمانية[1] صرح فيه بأنه لن يشارك في كتابة جزء ثانٍ للمسلسل، لأن الرقابة أصرت على حذف مشاهد من المسلسل عدا عن امتناعها عن بث حلقات بأكملها وذلك دون مبررات مقنعة، وهكذا بعد أن وجد سليمان المعمري نفسه يخوض لعبة شد الحبل للمرة الأولى -حسب علمي- فقد رفض الاستمرار في اللعب مفضلا العودة إلى لعبته البريئة التي كان يلعبها من قبل.

على الرغم من أن المسلسل من إنتاج شركة يمولها ديوان البلاط السلطاني إضافة إلى حداثة تجربة سليمان المعمري وبقية الكتاب في الكتابة الدرامية إلا أن نصوص المسلسل أجازتها لجنة بوزارة التراث والثقافة مما يعني أن الكتابة انتصرت في لعبة شد الحبل، لكننا نفاجأ بأن الرقابة استدعت لاعبا آخر من التلفزيون هذه المرة، فلم يكن من الكتابة -ممثلة في سليمان المعمري- إلا أن أعلنت رفضها الاشتراك في هذه اللعبة.

مسلسل (يوم ويوم) يعد مصنفا فنيا في القانون العماني، وينظم المصنفات الفنية في عمان قانون الرقابة على المصنفات الفنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 61/97، وبموجب هذا القانون فإن المصنفات الفنية تخصع للرقابة “بقصد حماية النظام العام والآداب العامة ومصالح الدولة العليا”، وزارة التراث والثقافة هي الجهة المختصة بتنفيذ أحكام هذا القانون، وبحسب المرسوم السلطاني رقم 84/2005 نقلت اختصاصات إجازة المصنفات الفنية التي ينظمها قانون الرقابة على المصنفات الفنية من وزارة التراث والثقافة إلى وزارة الإعلام، لكن على ما يبدو فإن ترخيص تحويل المصنف الفني (كتغيير القصة إلى عمل تلفزيوني) بقي من اختصاصات وزارة التراث والثقافة، وما يؤكد ذلك كلام سليمان المعمري في الحوار نفسه أن “لجنة النصوص بوزارة التراث” قد أجازت نصوص حلقات المسلسل. على الرغم من أن المادة الثامنة من القانون المشار إليه تستثني من عرض المصنفات “ما يستورد أو ينتج لغرض البث في إذاعة وتلفزيون سلطنة عمان”. إذن فتلفزيون سلطنة عمان له الحق قانونيا في إجازة المسلسل أو عدم إجازته بموجب هذا القانون على الرغم من إجازة نصوصه من قبل وزارة التراث، فكما نعلم إن النص المكتوب حين يتحول إلى عمل تلفزيوني قد تطرأ عليه بعض التغييرات من قبل كاتب السيناريو أو المخرج أو المنتج، ومن ثم فإن إجازته كنص من قبل وزارة التراث لا يعني بالضرورة إجازته كمنصف فني من قبل وزارة الإعلام.

الطريف في الأمر أن المصنف الفني في المنشآت الخاصة للإذاعة والتلفزيون يخضع للرقابة الداخلية في المنشأة نفسها وذلك حسب المادة الرابعة من قانون المنشآت الخاصة للإذاعة والتلفزيون الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 95/2004، إذ استثنى هذا القانون من قانون الرقابة على المصنفات الفنية تلك المصنفات التي تنتج أو تستورد بغرض البث الإذاعي والتلفزيوني وجعل أمر الرقابة عليها داخل المنشأة نفسها، على الرغم من أنه يؤكد على أن الرقابة الداخلية يجب أن تتم “وفقا للقواعد الموضوعية للرقابة على المصنفات الفنية المعمول بها في السلطنة”، وهذه القواعد الموضوعية هنا عامة وغير محددة لكنها تشترك مع قانون الرقابة على المصنفات الفنية في أنه بموجبها يمنع استيراد أو بث مصنفات فنية “تسيء للنظام العام أو الآداب العامة أو مصالح الدولة العليا”.

أذكر في جلسة من جلسات مجلس الاثنين بالنادي الثقافي نوقشت قضية الرقابة على المدونات الإلكترونية، ووجه إلي سؤال حول هذا الموضوع فأجبت بأن علينا أن نتخابث على الرقيب، التخابث على الرقيب أو ما أسميه بصورة أخرى: (كيف تشد الحبل دون أن تسقط خصمك؟) هو أحد المنافذ التي يمكن أن تخرج بها الكتابة منتصرة على الرقابة بعد أن أصبحت لعبة شد الحبل واقعا لا مفر للكتابة منه، هذا لا يعني تماما التواطؤ مع الرقيب، لكن لو نظرنا إلى وضع مسلسل (يوم ويوم) لوجدنا أن الكتاب هم الطرف الأضعف في اللعبة؛ فهم يخوضون تجربة الكتابة الدرامية للمرة الأولى، ويدعم المسلسل ماديا إحدى أهم مؤسسات الدولة، ويبث المسلسل في التلفزيون العماني، ومع ذلك فإن المسلسل مرر أفكارا كانت من المسكوت عنه حتى وقت قريب.

إعلان سليمان المعمري بعدم الاشتراك في كتابة جزء ثانٍ للمسلسل لا يعني أن اللعبة انتهت، فهي لعبة أزلية قد تنتصر الكتابة في جولة من جولاتها وقد تخسر، وستخسر الكتابة كثيرا إذا انسحب سليمان أو بقية كتاب المسلسل من هذه اللعبة، وستنتصر الرقابة بلا شك في كل الجولات إذا لم يواجه كتابنا الموهوبون الطامحون لعبتها بذكاء.

آن لنا أن نفترق يا عزيزي، إذا جربت أن تشارك في هذه اللعبة التي أخبرتك عنها فكر جيدا كيف تشد الحبل دون أن تسقط خصمك؟

0 1481 08 أكتوبر, 2011 العدد الثامن عشر, ثقافة وفكر أكتوبر 8, 2011