مقاربة نقدية لمصطلح “الاستبداد” في التراث العربي الإسلامي (2/1)

لـ

مقاربة نقدية لمصطلح “الاستبداد”


في التراث العربي الإسلامي. (2/1)


عبد الله بن علي العليان


** قبل الشروع في المقاربة النقدية لمقولة المستبد العادل التي قالها بعض الإصلاحيين المسلمين،يجدر بنا نناقش مفهوم الاستبداد في المدارس الفكرية الإنسانية بعمومها .. ما هو مفهوم الاستبداد ؟ وما هي منطلقاته ؟ وما هي الرؤية العربية الإسلامية لمقولة الاستبداد ؟

.
كلمة المستبد ( despot ) مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوتيس التي تعني رب الأسرة ، أو سيد المنزل ، أو السيد علي عبيده . ثم خرجت من هذا النطاق الأسري ، إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة ، أو السيد على عبيده .(1)
والاستبداد [ despotism ] يعني انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة .دون النظر إلى رأي المحكومين . (2)
وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم ” دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون . فالقانون في نظر هذه السلطة قيد على المحكومين دون أن يكون قيداً على الحاكم … ومن هنا ففي وسع هذه السلطة أن تتخذ ما تشاء من إجراءات أو مواجهة الأفراد لمصادرة حرياتهم أو ممتلكاتهم ” . و ” تكون السلطة استبدادية ما دامت لا تخضع في تصرفاتها للقانون ، ولا يجد الفرد قضاء يبطل تصرفاتهم إذا صدرت على خلاف ما يقتضي به القانون القائم ” .(3)
ويميز بعض فقهاء القانون الدستوري بين الدولة القانونية والدولة البوليسية Et .Police على أساس أن الحاكم في الدولة البوليسية ـ على خلاف الدولة الاستبدادية ـ يكون مقيداً من حيث الغاية ، لأن حريته في اتخاذ ما يراه من إجراءات مشروطة بأن يتغيأ مصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية (4)
أما مفهوم الاستبداد في القاموس العربي الإسلامي فلم يكن له ذلك المضمون السلبي الذي أشرنا إليه آنفاً في المرجعية الغربية ولا يتقارب معه بشكل من الأشكال فقد كان ” الاستبداد ” كمضمون في القاموس العربي الإسلامي ” يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه . ومن هنا تلك العبارة الشهيرة : ” إنما العاجز من لا يستبد ” .هذا هو معنى الاستبداد في المرجعية العربية خصوصاً عندما يقرن بـ ” العدل ” . فالعدل يفقد مضمونه مع العجز عن تطبيقه . أما الاستبداد من دون عدل فكان له اسم آخر في المرجعية العربية وهو ” الطغيان ” .(5)
جاءت مقولة ” المستبد العادل ” في إشارة إلى سيرة الخليفة عمر ابن الخطاب ( رضي الله عنه ) في الحكم والإدارة ، ولكنها جاءت هذه المقولة محرفة عن معناها بحيث لا تعبر عن المفهوم الذي أشرنا إليه آنفاً وهو ” الحزم ” و ” عدم التردد في اتخاذ القرار ” وإنما بمعنى الاستبداد وفق المفهوم الغربي وهو الانفراد بالرأي والسلطة دون أن تكون هذه السلطة خاضعة للقانون ودون النظر إلى رأي المحكومين الخ

:
فكيف انتقل هذا المفهوم ” الاستبداد ” بمضامينه وحمولته الفكرية الغربية إلى المفهوم العربي الإسلامي ؟ ومن هو قائل هذه العبارة ؟ وهل قصدت عبارة المستبد العادل بمعناها الغربي بتلك المضامين السلبية ؟

.
شاعت مقولة الاستبداد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بين الإصلاحيين الإسلاميين من خلال بعض كتابات ومقالات مختلفة ومن هؤلاءعبد الرحمن الكواكبي في كتابه ( طبائع الاستبداد )، وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده من خلال مجلتهما مجلة ” العروة الوثقى ” التي كانت تصدر في باريس ويورد د/ إمام عبد الله الفتاح إمام أن مقولة ” المستبد العادل ” انتقلت من أوروبا إلى الشرق .. فالحل الذي أرتاه جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق إنما هو ” المستبد العادل ” الذي يحكم بالشورى وقال ما نصه : ” لن تحيا مصر ، ولا الشرق بدوله ، وإماراته ، إلا إذا أتاح الله لكل منهما رجلاً قوياً عادلاً يحكمه بأهله على غير تفرد بالقوة والسلطان ” (6)
وهذه المقولة التي قالها الإمام جمال الدين الأفغاني لاتعني أنه أيد الاستبداد بمضامينه المعروفة، إنما في اعتقادنا قصد الحزم والقوة والعدل في ظل الظروف التي يعيشها العالم الإسلامي في فترة تكالب الدول الاستعمارية للسيطرة عليه .فهذا القول لا يؤكد أنه يؤيد الاستبداد السلبي بمفهومه الديكتاتوري المتسلط .
كما أورد الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه [ المشروع النهضوي العربي ..مراجعة نقدية ] أن الشيخ محمد عبده تحدث عن نموذج ” المستبد العادل ” وقال ما نصه ” إنما ينهض بالشرق مستبد عادل ” ، مستبد ” يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً ” (7)
الواقع أن مقولة ” المستبد العادل ” التي قالها الشيخ محمد عبده أو الحاكم القوي العادل التي قالها جمال الدين الأفغاني في مناسبة واحدة فقط لا تعبر عن موقف ثابت من مسألة الاستبداد من هؤلاء الإصلاحيين المسلمين ، حتى وإن كان مفهوم الاستبداد الذي قصداه يتوافق مع مفهومه في الغرب ولربما جاء قبل أن يتكشف لهما الآثار الوخيمة للاستبداد ، أما إذا كان مقصدهما الاستبداد بمعناها العربي الإسلامي كما أشرنا فإن المسألة واضحة وتتقارب مع ما طرحاه في كتاباتهما ومقالاتهما الإصلاحية .
وهذا أيضاً لا يستقيم ـ إن كانت الإشارة ـ المستبد العادل ـ قصد بها سياسة اتبعها الخليفة عمر ابن الخطاب ( رضي الله عنه ) وهذا ما يعد مخالفاً لسياساته ومواقفه وأعماله العظيمة في الشورى والعدل والمواقف الإنسانية الأخرى التي تخالف مفاهيم الاستبداد وتطبيقاته العملية .ولنا وقفة مع بعض المواقف التي سنأتي عليها لاحقاً ، والأجدر بنا أن نتجول قليلاً في كتابات الإصلاحيين الإمام جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده حتى يمكن أن نتعرف على مضامين رؤيتهما لقضية الاستبداد ومخاطره على الأمة والنهضة والتقدم . (8)
فقد كتب جمال الدين الأفغاني في مجلة العروة الوثقى العديد من المقالات هاجم فيها الاستبداد هجوماً عنيفاً واعتبر أن الاستبداد أساس بلاء الأمة وشقائها ومما قاله ” أن الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد ، و لا تستشار في مصالحها ، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية ، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون ، ومشيئته نظام ، يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، تلك أمة لا تثبت على حال واحد ، ولا ينضبط لها سير ” (9)
ويعلق د/ عبد الإله بلقزيز على طرح الأفغاني بقوله : إن ” نقد الاستبداد في الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث .. جرى الاعتناء ـ في الأولى ـ بالكشف عن جذور هذا الاستبداد في أزعومة الحق الإلهي ، التي قامت عليها فكرة السلطة الدينية في الإسلام ، وكان الاستذراع بها من قبل الحكام طريقاً لهم إلى إطلاق يدهم في الدولة وحقوق الرعية . أما في الثانية ، فجرى الانصراف إلى تعيين أشكال الاستبداد السياسي المختلفة ، والكشف عن نظامه أو عن نمط اشتغال آلياته ( بلغة عصرنا ) .(10)
و في مقالة الأفغاني حملت عنوان ” الحكومة الاستبدادية ” نشرت في جريدة [ مصر ] عام 1879 قال فيها جمال الدين : ” إن من يساسون بالحكومة الدستورية تستيقظ فيهم الفطرة الإنسانية السليمة التي تحفزهم للخروج من حياتهم البهيمية الوضيعة لبلوغ أقصى درجات الكمال والتخلص من نير الحكومة الاستبدادية التي تثقل كواهلهم ” (11)
كما أن جمال الدين الأفغاني ـ عند المنصف الأمين كما يشير د/ محمد عمارة لا يدع مجال للشك في انحيازه إلى مبدأ ” الأمة هي مصدر السلطات ” في سياسة المجتمع ” بما يعنيه ذلك من ضرورة ” استمداد السلطة الزمنية قوتها من الأمة ” ، والتزامها بتحقيق مصالح الأمة وحقوقها ، وخاصة ” في الأمن .. والعدل ” .. وذلك بالمبدأ القائل ـ وفق ألفاظ الأفغاني ـ : ” أن الإرادة الحرة للشعب الحر هي القانون ” ! .. وفي هذه المعاني المحددة والواضحة يقول جمال الدين : ” إن السلطة الزمنية ، بمليكها أو سلطانها ، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر ، وصيانة حقوق العامة والخاصة ، وتوفير الراحة للمجموع بالسهر على الأمن ، وتوزيع العدالة المطلقة ، إلى آخر ما في الوازع والسلطان من المنافع العامة . ” (12)
ولم يتوقف إيمان جمال الدين الأفغاني بالحكم الدستوري ـ النيابي بل واصل دعوته القوية المزلزلة فيقول :” لا تحيا مصر ولا يحيا الشرق ، بدوله وإماراته ، إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً عادلاً ، يحكمه بأهله ، على غير طريق التفرد بالقوة والسلطان ، لأن بالقوة المطلقة : الاستبداد ، ولا عدل إلا مع القوة المقيدة . وحكم مصر بأهلها إنما أعني به : الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح . و إذا صح أن من الأشياء ما ليس يوهب ، فأهم هذه الأشياء : ( الحرية ) و ( الاستقلال ) . (13)
صحيح أن جمال الدين الأفغاني عاصر مشكلات الأمة الإسلامية الصعبة ، وأوضاع الخلافة المتردية المتخلفة ، فركز جل اهتمامه لتقوية الخلافة واشتداد عودها تجاه تكالب الغرب عليها لضعفها ، فكانت وحدة الأمة هو شغله الشاغل بقلمه وفكره ووجدانه في إمكانية ” بناء دولة إسلامية قوية هنا أو هناك تأخذ على عاتقها مهمة تحرير الإسلام والترقي به وتوحيده للوقوف في وجه الغرب . ومن ناحية أخرى لم يكن التأييد للحكم الحميدي ـ ويقصد السلطان عبد الحميد العثماني ـ الذي عبر عنه الأفغاني تأييداً غير مشروط ، فهو قد ربطه بعدد من المطالب الإصلاحية الجوهرية المتصلة باللامركزية والحكم الشوري التمثيلي والسير في طريق الحرية المبددة للاستبداد ” (14)
فكانت له آراء رائعة في الإصلاح السياسي والخروج من الراهن السلبي الذي وقعت فيه الدولة الإسلامية آنذاك ، إذ أدرك ” مبكراً أن كسب المعركة مع العدو الخارجي رهن بإنجاز إصلاحات داخلية جذرية : في المركز كما في الأطراف ( الخديويات ) في الجيش كما في الإدارة . وذلك ـ على الأقل ـ ما يكشف عنه مشروعه الإصلاحي الذي تقدم به للسلطان عبد الحميد الثاني ، وسائر ما حرّره في موضوعات الشورى والدستور والحرية (:) وإذا كان الأفغاني قد أطلق آخر صيحة تحذير في وجه هذه الدولة قبل أن تقع الواقعة ، فتدول وتؤول إلى زوال ، فإنه فتح الباب على مصراعيه أمام نقد الأسس التي عليها قوام تلك الدولة … وأزمتها : الاستبداد . ” (15)
ولذلك فإن جمال الدين الأفغاني ركز على إشكالية ” الاستبداد ” باعتباره رأس البلايا الذي ترزح تحته الأمة الإسلامية في ذلك الوقت ولم يدر في خلده الجمع بين ” الاستبداد والعدل ” أو الترويج لفكرة ” المستبد العادل ” التي روجها للبعض تحريفاً لفكره ونظرته العامة لمسألة السياسة والحكم والدستور . ومن هنا فإن ” الأفغاني يفهم الاستبداد بأنه غياب العدل والشورى وعدم تقييد الحكم بالدستور ” فقد أخنى الدهر على الشرق بكلكله ومرت عليه زلازل العسف والجور ، وأشكال الاستعباد حتى تأصلت في نفوس أبنائه بذور الذل والاستكانة والخلود إلى الرقاد ” . ويرى بأن ” إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى وانتخاب نواب عن الأمة ” هو البديل لهذه الحال والعلاج لذلك الداء ” (16)
ولهذا جاء تركيز جمال الدين الأفغاني على أولوية قيام سلطة مدنية خالصة ـ بدون أن تتداخل فيها عناصر الاستبداد وتوابعه تحت مسميات أخرى تتجاذب معه هنا أوهناك ” تستمد شرعية وجودها من خلال حفاظها على مصالح المجتمع . وإن إرادة الشعب تشكل القوة التي تخضع لها هذه السلطة . بكلمة أخرى ، يقيم الأفغاني السلطة على أساس من إرادة الأمة ن ولم يتوخ من أجل تأكيد شرعيتها البحث عن أساس ديني لها ” (17)
وهناك الكثير من الآراء الرائعة والقوية التي تجعل الأفغاني أحد المنافحين عن الدستور والحرية والديمقراطية والرافضين للاستبداد بصورة لا تقبل الجدل ، أما الشيخ محمد عبده فلم يكن أقل من أستاذه جمال الدين الأفغاني في نقده وهجومه على الاستبداد وآثاره السلبية الخطيرة على الأمة بأكملها وكتب العديد من الآراء الجديرة بالتقدير في السياسة والحكم والشورى ونبذ الاستبداد ، ومن ضمن ما قاله أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم ” ولا هو مهبط الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة . نعم شرط فيه أن يكون مجتهداً أي أن يكون من العلم باللغة العربية وما معها ـ مما تقدم ذكره ـ بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام ، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل ، والصحيح والفاسد ، ويسهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معاً (:) فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه ” . (18)
وعند الشيخ محمد عبده في مسألة التمييز بين السلطة المدنية في الإسلام والسلطة الدينية كما وجدت في الغرب قبل قيام حركة الإصلاح الديني في القرن السابع عشر أنه في الإسلام لا يجوز ” لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج ( ثيوقراطياً ) أي سلطاناً إلهياً فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله وله حق الأثرة بالتشريع وله في رقاب الناس حق الطاعة ، لا بالبيعة ، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة بل بمقتضى الإيمان فليس للمؤمن ما دام مؤمناً أن يخالفه ، وإن اعتقد أنه عدو لدين الله ، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه ” (19)
من هنا كان الشيخ محمد عبده واضحاً وناجزاً في مسألة التمييز بين السلطة بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وعندما كان يساجل ضد فكرة وجود سلطة دينية في الإسلام ـ كما يقول د/ عبد الإله بلقزيز ـ ” لم يكن يجاري المستشرقين ( رينان ، هانوتو ..) ، ولا كان حتى يقارعهم بحجتهم ، بل كان يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين تذرعوا بالمسألة ليؤسسوا عليها حكماً سياسياً استبدادياً ، على خلفية قولهم إن الإسلام لا يقيم فاصلاً فيه بين الدنيوي والروحي ، الزمني والديني .فإذ ينكر محمد عبده ” جمع السلطتين في شخص واحد ” : أي السلطة الزمنية والسلطة الدينية ، يذهب ـ أبعد من ذلك ـ إلى التأكيد على أنه ليس في الإسلام ” تلك السلطة التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية ، عندما كان يعزل الملوك ، ويحرم الأمراء ، ويقرر الضرائب على الممالك ،ويضع لها القوانين الإلهية ..”(20)
ولذلك فإن الشيخ محمد عبده قد أهتم بالجانب السياسي الإصلاحي ـ البعيد

عن مقولة ” المستبد العادل ” التي قيلت عنه ، وقد أرجع الشيخ محمد عبده فساد الأوضاع السياسية ـ كما يقول د / برهام غليون ” إلى سبب رئيسي هو فساد تربية الحاكم والمحكوم معاً ، حتى جهل الأول مسؤولياته تجاه الأمة ، وغابت عن الثاني حقوقه على الحاكم . ولذلك اعتبر أن إصلاح التربية الإسلامية هو الطريق إلى إصلاح الأوضاع السياسية ، وقد أقام على هذه الرؤية نظرته التي تجعل من تكوين الرأي العام وتقدم تربيته حجر الزاوية في العمل السياسي من أجل التغيير . ومن الطبيعي أن يؤدي به ذلك إلى تبني الليبرالية ورفض الثورية والانقلابية التي تعتقد أنها بمجرد تغييرها للمراسيم القانونية قادرة على تغيير المجتمع وإصلاحه ” (21)
وقد أوضح الشيخ محمد عبده في كثير من الأفكار التي طرحها في مدنية السلطة في الإسلام المؤسسة على الشورى واجماع الأمة : ” إن أعظم أفضل القوانين وأعظمها فائدة هو القانون الصادر عن رأي الأمة العام ، أعني المؤسسة على مبادئ الشورى ، وإن الشورى لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة ” .(22)
ولا يستطيع باحثٌ عادلٌ و منصفٌ أن ينكر ما أكد عليه الشيخ محمد عبده في قضية مساوئ الاستبداد ومخاطره على الأمة والدولة وبالتالي المجتمع تأثيره على التماسك الاجتماعي بصفة عامة وقد أكد على مدنية ” السلطة في المجتمع ، ومدنية مؤسسات هذا المجتمع التي لا تفرّق بين المواطنين بحسب معتقداتهم ، بل بحسب موقفهم من المجتمع ودورهم فيه .والمجتمع المدني عنده هو مجتمع المواطنين الذين قد يختلفون في العقيدة والمذاهب ، إلا أنهم يتكلمون لغة واحدة ويحرثون في أرض واحدة ، الجميع إخوان ، حقوقهم في السياسة والقوانين متساوية . تمسك بالشورى كأداة لكبح جماح السلطة والحاكم ” (23)
ومعنى المستبد هنا الذي قصده الشيخ محمد عبده ـ كما يقول برهان غليون ليس المتعسف وإنما ” أن يرجع الأمر في تنفيذ الشريعة إلى فرد واحد ، فهو غير ممنوع في الشرع ولا في العقل . لكن تقييد الحاكم بالشريعة غير كاف ، إذ لا بد من طائفة تتحقق بمعاني الشريعة فيقومونه عند انحرافه ويحضونه على ملازمتها ” (24)
وهذا يعني أن مفهوم المستبد المقصود هو الشخص الحازم العادل . الذي يضع الأمور الموكولة إليه في حزم وعدل وقوة دون تردد في اتخاذ القرار ، وقد تم توضيحها آنفا في تحديد المفهوم السلبي للاستبداد في التاريخ الأوروبي، والتفرقة بينه وبين مفهوم الاستبداد في التراث العربي الإسلامي.
إذن فإن تهمة الترويج لفكرة الاستبداد ومقولة ” المستبد العادل ” من قبل المصلحين الكبيرين جمال الدين ومحمد عبده ليست دقيقة وظالمة في أحيان ٍكثيرة . والآراء التي سردناها من قبل عن هذين المصلحين يكذبان ما قيل عنهما أنهما دعيا إلى فكرة ” المستبد العادل ” مع أن الاستبداد لا يجتمع مع العدل وتلك قضية محسومة منطقياً وعقلانياً . (25)

—————————————————————–

الإحالات والهوامش:
1 ـ كتاب الطاغية..دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي ـ د/إمام عبد الفتاح إمام ـ كتاب عالم المعرفة ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت (183) ط1 1994 ص52
2ـ موسوعة السياسة – الجزء الأول(1) تحرير مجموعة من الباحثين الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 1990 ص 166 .تحدث الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين عما أسموه بـ ” الاستبداد ” أو ” (نمط الإنتاج الآسيوي ” وهي هينمة الدولة في سياساتها المطلقة وملكيتها لوسائل الإنتاج والتي تسيطر على كل المقدرات الاقتصادية في هذه الدول ، وأن هذه الأفكار التي تحدثوا عنها في مسالة “الاستبداد الشرقي” انطلقت بعد حركة التنوير في الغرب ،وبروز الإيديولوجيات المناهضة للبابوية بعد إقصائها عن الحياة العامة ، وفي اعتقادنا أن الاستبداد عرفته كل الشعوب والحضارات والأيديولوجيات ، ولم تستثنى منه أي حضارة لكن بمقاييس مختلفة ومتعددة .. فقد وجد الاستبداد في الغرب كما وجد في الشرق، وهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والبحث . انظر :عادل عبد المهدي ـ دولة الاستبداد الشرقي .. دولة الغرب في الشرق ـ الفصل الثامن ـ كتاب [ إشكالية الإسلام والحداثة ] ـ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ـ ط1 2001 ـ بيروت ـ ص 117 ـ 238) .
3ـ إشكاليات التجديد ـ ماجد الغرباوي ـ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ ط1 2001 ص156 .عرّف عبد الرحمن الكواكبي الاستبداد تعريفاً موافقاً للتعريف الغربي بحكم أنه اطلع على مضامين الاستبداد في الفكر والسياسة في الغرب ومما قال في تعريف الاستبداد : هو [ غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النقيصة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة . انظر الكتاب [ الكواكبي ] دار العلم للملايين ـ بيروت ـ ط1 ـ 1982 ص 28 . انظر كذلك كتاب [ طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد ] ـ دراسة تحليلية ـ الدكتور جورج كتورة ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ت بيروت ـ ط1 1987 ـ ص 27 ـ 32 .
4ـ الوسيط في النظم السياسية ـ د/محمود عاطف البنا ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ ط1 1988،ص96 . يرى د/ محمود عاطف البنا : إن هذه التفرقة بين الدولة الاستبدادية والدولة البوليسية لا تؤثر في موضوعنا المطروح ، فكلاهما دولة غير قانونية ، حيث لا يخضع فيها الحاكم للقانون ، وليس للأفراد حقوق تجاه الدولة . وإذا كان للإدارة في الدولة البوليسية سلطة تقديرية مطلقة في اتخاذ الإجراءات التي تحقق الصالح العام للجماعة ، فإن الحاكم في الدولة ـ مهما بلغت درجة الاستبداد قلما يعترف بأنه يمارس السلطة لمصلحته الشخصية .
5ـ المستبد العادل..بديلاً للديمقراطية!ـ د/محمد عابد الجابري ـ جريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو2002 ،ص10 .
6ـ الطاغيةـ مرجع سابق ص72
7ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 ، 1996 ص130 ، ( الغريب أن د/ محمد عابد الجابري أشار إلى مقولة “المستبد العادل” في هذا الاقتباس المشار إليه آنفاً بأنها تعني الاستبداد مع العدل ، لكنه في مقالة سابقة أشرنا إليها في مستهل تحديد مفهوم الاستبداد ، خالف هذا الرأي واعتبر أن مفهوم “المستبد العادل” في التراث العربي الإسلامي يعني “الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه” . وهذه الإشارة حول مسألة ” المستبد العادل ” كررها في هذا الكتاب مرتين ص79،78 ، وكذلك ص130 في نفس الكتاب ، ثم تراجع عنها في مقالة له بجريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو 2002 ، وقال فيها أن كلمة “المستبد العادل” لم يكن لها في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها اليوم ، واستشهد بالعبارة العربية المشهورة “إنما العاجز من لا يستبد” ، ثم عاد د/محمد الجابري مرة أخرى وتراجع عن الفكرة السابقة ، وكتب في مقالة حديثة بنفس الصحيفة بتاريخ 17 أغسطس 2004 حملت عنوان (الإصلاح السياسي بين واقعية”أرسطو” وسلفية محمد عبده!). وقال ما نصه: “لقد وجد الشيخ محمد عبده في نهاية مطافه السياسي والإصلاحي حلاً لهذه المشكلة في ذلك المصطلح الذي جمع فيه بين متناقضين مصطلح”المستبد العادل”! وهو مصطلح يحيلنا إلى “أفلاطون” الذي انتهى من تحليله ومناقشته لمسألة الحكم العادل إلى القول : “أنه لا يصلح أمر المجتمع إلا فيلسوفاً حكيماً” .وفي فقرة أخرى من نفس المقالة قال أيضاً “كان محمد عبده يعتبر المطالبة بالحريات الديمقراطية من طرف التيار الليبرالي المصري خطأ وخطراً . ففي مقالة له مشهورة كتبها بعنوان :”إنما ينهض بالشرق مستبد عادل” نجده يقرر بكل قوة وإصرار أن الحكم النيابي البرلماني لا يفيد ، ولا يصلح لمصر ودول الشرق وإماراته ، بل لربما كان ضرره أكثر من نفعه . والحكم الأمثل في نظر هو حكم “المستبد العادل” ، فهو يستطيع أن يفعل في خمسة عشر عاماً مالا يستطيع النظام النيابي أو غيره عمله في قرون” . (ونحن نقول من جانبنا ماذا يعني هذا التناقض في طرح د/ الجابري ؟ ، فهل هذا يعني المقدرة على التلاعب بالألفاظ والمصطلحات ؟ أم مجرد عدم بذل الجهد في البحث والاستقصاء في القضايا التي له فيها أحكام مسبقة ، ولا يريد أن يحيد عنها ؟!)
8 ـ بعض العلمانيين روج لمقولة ( المستبد العادل) بأنها نتاج الفكر الإسلامي في السياسة والحكم وشنوا حملة على الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حول هذه العبارة واعتبروا أن فكرة “المستبد العاد” جوهر فكرهما الإصلاحي ومن هؤلاء:د/لويس عوض الذي هاجم الأفغاني في كتابه المعروف [جمال الدين الأفغاني:الإيراني الغامض في مصر ] ورد عليه:د/عمارة في كتابه [جمال الدين الأفغاني المغترب عليه].
9ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصرـ د/عبد الإله بلقزيز ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 2003 ص47
10ـ المرجع السابق ص 47،48
11ـ الأفغاني المفتري عليه ـ د/ عمارة ـ دار الشروق ـ القاهرة ط1 1984 ص205 ،206 ـ (لم يكن د/ محمد عابد الجابري موفقاً في نقده لجمال الدين الأفغاني عندما قال عنه في كتابه : [ المشروع النهضوي العربي .. مراجعة نقدية ] ص 74 ” لقد رفض رفضاً صريحاً عنيداً الديمقراطية الغربية ومجالسها النيابية بدعوى أن الشعوب الإسلامية متخلفة وأن الانتخاب على الطريقة الأوروبية لا يمكن أن يسفر إلا عن مجالس لا تمثل الأمة ولا أهدافها ولا مصالحها الحقيقية . وفي هذا المجال أيضاً لم يقدم أي بديل ولا مشروع بديل ” ونحن نرى هذا القول تنقصه الدقة لان للأفغاني آراء عظيمة ورائعة في مسألة ” الأمة مصدر السلطات ” كما سردنا آنفاً ولا أدري لماذا هذا التجاهل والتقليل من جهود الأفغاني الإصلاحية ؟ ولم يقتصر الجابري في نقده في هذه المسألة بل تعداها إلى قضايا كثيرة لا يتسع المجال لمناقشتها ، لكنها لا تصمد كثيراً عند الباحث المنصف والأمين .ومن الحق أن نذكر أن د/ عبد الإله بلقزيز في كتابه الجديد [ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ] كان في غاية الدقة والعمق والحفر المنهجي العادل في مسألة الدولة في الفكر الإسلامي. ويعتبر في اعتقادنا أحد الباحثين المعاصرين القلائل الذين أعطوا جهود هذين المصلحين الكبيرين الأفغاني وعبده حقهما من الإنصاف والتقييم العادل بعيداً عن المغالاة والابتسار) .
12ـ المرجع ص207
13ـ مرجع سابق ص209 ـ (اسقط د/إمام عبد الفتاح إمام، الفقرة التي قالها الأفغاني:” لان بالقوة المطلقة: الاستبداد.. ولا عدل مع القوة المقيدة”ـ أنظر كتابه [الطاغية] مرجع سابق ص72. (وهذا يعني أن الأفغاني لم يقصد بالحاكم القوي العادل “المستبد العادل ” إنما الحزم والقوة المقيدة بالدستور مع العدل.. وكأنه يشير إلى الأوضاع المتردية في مصر في ظل الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت).
14ـ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ـ د/فهمي جدعان ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط2 1981 ص256
15ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ـ مرجع سابق ص46، 47
16ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ـ د/أحمد شكر الطبيحي ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ، ط1 2000، ص58 .
17ـ المرجع السابق ص59 .
18ـ الإسلام دين المدنية ـ تأليف : الشيخ محمد عبده ـ تحقيق ودراسة الدكتور عاطف العراقي ـ دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ط1 1998 ـ ص134.
19ـ المرجع السابق ص135 .
20ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ـ مرجع سابق ص48 .
21ـ العرب والسياسة ـ بحث في فكر د/محمد جابر الأنصاري ـ عبد الله علي العليان و (آخرون) ـ كتاب [ الأنصاري وسوسيولوجيا الأزمة ] المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط1 2000 ـ ص221 ، انظر كتاب الوعي الذاتي : برهان غليون ، فصل [ محمد عبده مصير الفلسفة الإصلاحية ] ص68،67.
22ـ الوعي الذاتي ـ مرجع سابق ص69،68 .(من ضمن النقد الذي يوجهه د/ محمد عابد الجابري إلى المصلح الشيخ محمد عبده قال أنه يشكك في جدوى الحريات الديمقراطية فقال : ” لقد كتب في هذا الشأن مقالة مشهورة بعنوان : ” خطأ العقلاء ” ، يحذر فيها من إطلاق الحريات الشخصية قبل أن تترسخ التربية الصالحة في نفوس الناس ، وكان يفضل ” الكبسة ” أي مداهمة الشرطة للناس في الأماكن التي تعتبرها ” مشبوهة ” ويرى أن ” الكبسة على ما فيها من الخطر على النفس والأموال وشناعة الصورة ، لو أحسن فيها القصد ، لكانت أولى وأفضل ، إلى زمن تتقدم فيه التربية فيكون لكل شخص زاجر من نفسه فترتفع الكبسة بذاتها ” .(و نحن نعتقد أن الموضوع المطروح كان حول الحريات المتعلقة بالمفاسد ـ كما يراها الشيخ محمد عبده ـ كالمراقص والملاهي وما يستتبعها من المساوئ الاجتماعية، وليس عن قضية الحريات السياسية ، والمقصد الذي أوضحه الشيخ محمد عبده بـ “الكبسة” هو ما تقوم به الشرطة في الحفاظ على الآداب العامة، أو ما يسمى الآن في بعض الدول بشرطة الآداب!! فما دخل “كبسة” الشرطة بمسألة الديمقراطية النيابية والحريات؟! ، والحق أنني شعرت بالأسى من هذا التحريف من قبل أكاديمي وباحث نجلّه ونحترمه. انظر كتابه [ المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية ] ص78) .
23ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، ص59 .
24ـ الوعي الذاتي ـ مرجع سابق ص70 .
25ـ لم أشأ أن أتطرق إلى فكرة ونظرة المصلح الكبير عبدالرحمن الكواكبي عن الاستبداد ومخاطره لأنه لم يشر إلى مقولة ((المستبد العادل)) التي هي مجال دراستنا، وقد طرح الكواكبي في كتابه[طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد] كل مساوئ الاستبداد في مساراته المختلفة ووفق المظامين والمفاهيم الحديثة،لذلك لم نورد ما قاله عن الاستبداد،لكننا نرى أن الكواكبي عندما تحدث عن الاستبداد الديني قال:أن هذا الحكم لا يصدق قطعاً على الدين الإسلامي،وقال أن كل من يقول إن:”القرآن جاء باستبداد مؤيد للاستبداد السياسي أو مؤيد به” هو مخطئ مطلقاً.فالحق هو أن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادماً للتشريك(الذي يتضمنه الاستبداد) بالكلية ومحكماً لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والاريستقراطية “.انظر كتاب[ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث] مرجع سابق.وانظر كذلك تعليق مؤلفه د/فهمي جدعان ص293،294

الإحالات والهوامش:

1 ـ كتاب الطاغية..دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي ـ د/إمام عبد الفتاح إمام ـ كتاب عالم المعرفة ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت (183) ط1 1994 ص52

2ـ موسوعة السياسة – الجزء الأول(1) تحرير مجموعة من الباحثين الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 1990 ص 166 .تحدث الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين عما أسموه بـ ” الاستبداد ” أو ” (نمط الإنتاج الآسيوي ” وهي هينمة الدولة في سياساتها المطلقة وملكيتها لوسائل الإنتاج والتي تسيطر على كل المقدرات الاقتصادية في هذه الدول ، وأن هذه الأفكار التي تحدثوا عنها في مسالة “الاستبداد الشرقي” انطلقت بعد حركة التنوير في الغرب ،وبروز الإيديولوجيات المناهضة للبابوية بعد إقصائها عن الحياة العامة ، وفي اعتقادنا أن الاستبداد عرفته كل الشعوب والحضارات والأيديولوجيات ، ولم تستثنى منه أي حضارة لكن بمقاييس مختلفة ومتعددة .. فقد وجد الاستبداد في الغرب كما وجد في الشرق، وهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والبحث . انظر :عادل عبد المهدي ـ دولة الاستبداد الشرقي .. دولة الغرب في الشرق ـ الفصل الثامن ـ كتاب [ إشكالية الإسلام والحداثة ] ـ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ـ ط1 2001 ـ بيروت ـ ص 117 ـ 238) .

3ـ إشكاليات التجديد ـ ماجد الغرباوي ـ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ ط1 2001 ص156 .عرّف عبد الرحمن الكواكبي الاستبداد تعريفاً موافقاً للتعريف الغربي بحكم أنه اطلع على مضامين الاستبداد في الفكر والسياسة في الغرب ومما قال في تعريف الاستبداد : هو [ غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النقيصة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة . انظر الكتاب [ الكواكبي ] دار العلم للملايين ـ بيروت ـ ط1 ـ 1982 ص 28 . انظر كذلك كتاب [ طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد ] ـ دراسة تحليلية ـ الدكتور جورج كتورة ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ت بيروت ـ ط1 1987 ـ ص 27 ـ 32 .

4ـ الوسيط في النظم السياسية ـ د/محمود عاطف البنا ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ ط1 1988،ص96 . يرى د/ محمود عاطف البنا : إن هذه التفرقة بين الدولة الاستبدادية والدولة البوليسية لا تؤثر في موضوعنا المطروح ، فكلاهما دولة غير قانونية ، حيث لا يخضع فيها الحاكم للقانون ، وليس للأفراد حقوق تجاه الدولة . وإذا كان للإدارة في الدولة البوليسية سلطة تقديرية مطلقة في اتخاذ الإجراءات التي تحقق الصالح العام للجماعة ، فإن الحاكم في الدولة ـ مهما بلغت درجة الاستبداد قلما يعترف بأنه يمارس السلطة لمصلحته الشخصية .

5ـ المستبد العادل..بديلاً للديمقراطية!ـ د/محمد عابد الجابري ـ جريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو2002 ،ص10 .

6ـ الطاغيةـ مرجع سابق ص72

7ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 ، 1996 ص130 ، ( الغريب أن د/ محمد عابد الجابري أشار إلى مقولة “المستبد العادل” في هذا الاقتباس المشار إليه آنفاً بأنها تعني الاستبداد مع العدل ، لكنه في مقالة سابقة أشرنا إليها في مستهل تحديد مفهوم الاستبداد ، خالف هذا الرأي واعتبر أن مفهوم “المستبد العادل” في التراث العربي الإسلامي يعني “الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه” . وهذه الإشارة حول مسألة ” المستبد العادل ” كررها في هذا الكتاب مرتين ص79،78 ، وكذلك ص130 في نفس الكتاب ، ثم تراجع عنها في مقالة له بجريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو 2002 ، وقال فيها أن كلمة “المستبد العادل” لم يكن لها في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها اليوم ، واستشهد بالعبارة العربية المشهورة “إنما العاجز من لا يستبد” ، ثم عاد د/محمد الجابري مرة أخرى وتراجع عن الفكرة السابقة ، وكتب في مقالة حديثة بنفس الصحيفة بتاريخ 17 أغسطس 2004 حملت عنوان (الإصلاح السياسي بين واقعية”أرسطو” وسلفية محمد عبده!). وقال ما نصه: “لقد وجد الشيخ محمد عبده في نهاية مطافه السياسي والإصلاحي حلاً لهذه المشكلة في ذلك المصطلح الذي جمع فيه بين متناقضين مصطلح”المستبد العادل”! وهو مصطلح يحيلنا إلى “أفلاطون” الذي انتهى من تحليله ومناقشته لمسألة الحكم العادل إلى القول : “أنه لا يصلح أمر المجتمع إلا فيلسوفاً حكيماً” .وفي فقرة أخرى من نفس المقالة قال أيضاً “كان محمد عبده يعتبر المطالبة بالحريات الديمقراطية من طرف التيار الليبرالي المصري خطأ وخطراً . ففي مقالة له مشهورة كتبها بعنوان :”إنما ينهض بالشرق مستبد عادل” نجده يقرر بكل قوة وإصرار أن الحكم النيابي البرلماني لا يفيد ، ولا يصلح لمصر ودول الشرق وإماراته ، بل لربما كان ضرره أكثر من نفعه . والحكم الأمثل في نظر هو حكم “المستبد العادل” ، فهو يستطيع أن يفعل في خمسة عشر عاماً مالا يستطيع النظام النيابي أو غيره عمله في قرون” . (ونحن نقول من جانبنا ماذا يعني هذا التناقض في طرح د/ الجابري ؟ ، فهل هذا يعني المقدرة على التلاعب بالألفاظ والمصطلحات ؟ أم مجرد عدم بذل الجهد في البحث والاستقصاء في القضايا التي له فيها أحكام مسبقة ، ولا يريد أن يحيد عنها ؟!)

8 ـ بعض العلمانيين روج لمقولة ( المستبد العادل) بأنها نتاج الفكر الإسلامي في السياسة والحكم وشنوا حملة على الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حول هذه العبارة واعتبروا أن فكرة “المستبد العاد” جوهر فكرهما الإصلاحي ومن هؤلاء:د/لويس عوض الذي هاجم الأفغاني في كتابه المعروف [جمال الدين الأفغاني:الإيراني الغامض في مصر ] ورد عليه:د/عمارة في كتابه [جمال الدين الأفغاني المغترب عليه].

9ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصرـ د/عبد الإله بلقزيز ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ ط1 2003 ص47

10ـ المرجع السابق ص 47،48

11ـ الأفغاني المفتري عليه ـ د/ عمارة ـ دار الشروق ـ القاهرة ط1 1984 ص205 ،206 ـ (لم يكن د/ محمد عابد الجابري موفقاً في نقده لجمال الدين الأفغاني عندما قال عنه في كتابه : [ المشروع النهضوي العربي .. مراجعة نقدية ] ص 74 ” لقد رفض رفضاً صريحاً عنيداً الديمقراطية الغربية ومجالسها النيابية بدعوى أن الشعوب الإسلامية متخلفة وأن الانتخاب على الطريقة الأوروبية لا يمكن أن يسفر إلا عن مجالس لا تمثل الأمة ولا أهدافها ولا مصالحها الحقيقية . وفي هذا المجال أيضاً لم يقدم أي بديل ولا مشروع بديل ” ونحن نرى هذا القول تنقصه الدقة لان للأفغاني آراء عظيمة ورائعة في مسألة ” الأمة مصدر السلطات ” كما سردنا آنفاً ولا أدري لماذا هذا التجاهل والتقليل من جهود الأفغاني الإصلاحية ؟ ولم يقتصر الجابري في نقده في هذه المسألة بل تعداها إلى قضايا كثيرة لا يتسع المجال لمناقشتها ، لكنها لا تصمد كثيراً عند الباحث المنصف والأمين .ومن الحق أن نذكر أن د/ عبد الإله بلقزيز في كتابه الجديد [ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ] كان في غاية الدقة والعمق والحفر المنهجي العادل في مسألة الدولة في الفكر الإسلامي. ويعتبر في اعتقادنا أحد الباحثين المعاصرين القلائل الذين أعطوا جهود هذين المصلحين الكبيرين الأفغاني وعبده حقهما من الإنصاف والتقييم العادل بعيداً عن المغالاة والابتسار) .

12ـ المرجع ص207

13ـ مرجع سابق ص209 ـ (اسقط د/إمام عبد الفتاح إمام، الفقرة التي قالها الأفغاني:” لان بالقوة المطلقة: الاستبداد.. ولا عدل مع القوة المقيدة”ـ أنظر كتابه [الطاغية] مرجع سابق ص72. (وهذا يعني أن الأفغاني لم يقصد بالحاكم القوي العادل “المستبد العادل ” إنما الحزم والقوة المقيدة بالدستور مع العدل.. وكأنه يشير إلى الأوضاع المتردية في مصر في ظل الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت).

14ـ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ـ د/فهمي جدعان ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط2 1981 ص256

15ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ـ مرجع سابق ص46، 47

16ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ـ د/أحمد شكر الطبيحي ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ، ط1 2000، ص58 .

17ـ المرجع السابق ص59 .

18ـ الإسلام دين المدنية ـ تأليف : الشيخ محمد عبده ـ تحقيق ودراسة الدكتور عاطف العراقي ـ دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ط1 1998 ـ ص134.

19ـ المرجع السابق ص135 .

20ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ـ مرجع سابق ص48 .

21ـ العرب والسياسة ـ بحث في فكر د/محمد جابر الأنصاري ـ عبد الله علي العليان و (آخرون) ـ كتاب [ الأنصاري وسوسيولوجيا الأزمة ] المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط1 2000 ـ ص221 ، انظر كتاب الوعي الذاتي : برهان غليون ، فصل [ محمد عبده مصير الفلسفة الإصلاحية ] ص68،67.

22ـ الوعي الذاتي ـ مرجع سابق ص69،68 .(من ضمن النقد الذي يوجهه د/ محمد عابد الجابري إلى المصلح الشيخ محمد عبده قال أنه يشكك في جدوى الحريات الديمقراطية فقال : ” لقد كتب في هذا الشأن مقالة مشهورة بعنوان : ” خطأ العقلاء ” ، يحذر فيها من إطلاق الحريات الشخصية قبل أن تترسخ التربية الصالحة في نفوس الناس ، وكان يفضل ” الكبسة ” أي مداهمة الشرطة للناس في الأماكن التي تعتبرها ” مشبوهة ” ويرى أن ” الكبسة على ما فيها من الخطر على النفس والأموال وشناعة الصورة ، لو أحسن فيها القصد ، لكانت أولى وأفضل ، إلى زمن تتقدم فيه التربية فيكون لكل شخص زاجر من نفسه فترتفع الكبسة بذاتها ” .(و نحن نعتقد أن الموضوع المطروح كان حول الحريات المتعلقة بالمفاسد ـ كما يراها الشيخ محمد عبده ـ كالمراقص والملاهي وما يستتبعها من المساوئ الاجتماعية، وليس عن قضية الحريات السياسية ، والمقصد الذي أوضحه الشيخ محمد عبده بـ “الكبسة” هو ما تقوم به الشرطة في الحفاظ على الآداب العامة، أو ما يسمى الآن في بعض الدول بشرطة الآداب!! فما دخل “كبسة” الشرطة بمسألة الديمقراطية النيابية والحريات؟! ، والحق أنني شعرت بالأسى من هذا التحريف من قبل أكاديمي وباحث نجلّه ونحترمه. انظر كتابه [ المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية ] ص78) .

23ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، ص59 .

24ـ الوعي الذاتي ـ مرجع سابق ص70 .

25ـ لم أشأ أن أتطرق إلى فكرة ونظرة المصلح الكبير عبدالرحمن الكواكبي عن الاستبداد ومخاطره لأنه لم يشر إلى مقولة ((المستبد العادل)) التي هي مجال دراستنا، وقد طرح الكواكبي في كتابه[طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد] كل مساوئ الاستبداد في مساراته المختلفة ووفق المظامين والمفاهيم الحديثة،لذلك لم نورد ما قاله عن الاستبداد،لكننا نرى أن الكواكبي عندما تحدث عن الاستبداد الديني قال:أن هذا الحكم لا يصدق قطعاً على الدين الإسلامي،وقال أن كل من يقول إن:”القرآن جاء باستبداد مؤيد للاستبداد السياسي أو مؤيد به” هو مخطئ مطلقاً.فالحق هو أن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادماً للتشريك(الذي يتضمنه الاستبداد) بالكلية ومحكماً لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والاريستقراطية “.انظر كتاب[ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث] مرجع سابق.وانظر كذلك تعليق مؤلفه د/فهمي جدعان ص293،294

0 2544 26 يناير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر يناير 26, 2010