ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة

لـ

اسم الكتاب :

ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة

اسم الكاتب :

عزيزة الطائي

مقتطفات

يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. يتناول أولها: الثقافة في عصر العولمة، وثانيها: يعالج التنشئة الاجتماعية، بينما الثالث والأخير: يركز على التربية والثورة المعلوماتية. والكتاب على مدار فصوله الثلاثة يتضمن أهم عوامل التربية والثقافة للطفل العربي في العصر الحديث،
ويلامس القضايا الفكرية والثقافية، وما يتعلق بالتربية والتعليم وثقافة الطفل، ويتقرح بعض البرامج التي ممكن أن تساعد في إبراز هوية الطفل العربي من خلال تواصله مع الآخر. وتتمثل أسئلة الكتاب في: ما مفهوم ثقافة الأطفال؟ ولماذا نثقف الأطفال؟ وبماذا نثقفهم؟ وكيف نثقفهم في عصر باتت تغيراته وتحدياته الثقافية بوجهيها الإيجابي والسلبي ظاهرة على أطفالنا؟.
كون الغاية من التربية والتعليم لمرحلة الطفولة هي البناء وتنمية الشعور بحب الخالق والانتماء للوطن والولاء له باكتساب المهارات.

المقدمة

     تمثل حياة الإنسان سلسلة متداخلة ومتطورة من المراحل، ولعل أهم مراحلها هي سنوات الطفولة التي تتشكل فيها رؤاه وأفكاره، وتوجه اتجاهاته وميوله، وتبلور مهاراته وإبداعاته؛ إذا لاقت اليد الراعية، والرؤية الطيبة، والتوجيه الراشد، والبيئة السليمة لاحتضانها وصقلها.

فالغاية من التربية والتعليم لمرحلة الطفولة هي البناء وتنمية الشعور بحب الخالق، والانتماء للوطن والولاء له باكتساب المهارات والاتجاهات السليمة للتعايش مع المجتمع المحيط والعالم الخارجي؛ ليجد الطفل نفسه ويحقق ذاته، فيتكامل نموه النفسي والعقلي مع النواحي الاجتماعية والفكرية والثقافية والعلمية بما تقدمه البيئة المتاحة من المعلومات والقدرات والخبرات والمهارات التي تثري حياته، وتساعده على التكيف مع محيطه، والتوائم مع مجتمعه، والتنفيس عن مشاعره، وصقل مهاراته، وتهذيب أحاسيسه؛ لاستثمار أوقات فراغه، وتذوق الجمال، والارتقاء بالذائقة الفنية، وصقل المواهب، وتنمية الإبداع والرقي بالابتكار.

ونحن اليوم نعيش عصر العولمة الذي اتخذ تسميات متنوعة، ومسارات مختلفة كالسماوات المفتوحة، والفضاء المفتوح، وثورة المعلومات، والمكتبات الرقمية؛ وما إلى ذلك من تسميات اتخذت قوالب متنوعة للتعبير عن مساحاته وفضاءاته. إننا نواجه عصر الثقافة الجديدة الذي ترك بصماته الجلية وآثاره الواضحة على لبنات مجتمعات العالم أجمع، بل اخترق كافة قطاعات المجتمع وخلاياه، فباتت هناك العديد من التغيرات والقضايا التي تشكل معوقات وتحديات كبيرة على مسرح الحياة بشكل عام، ولعل من أولويات مساراتها وأبرز منعطفاتها ما تواجهه تربية الطفل وتعليمه وتثقيفه؛ قضايا تتعلق بثقافته ولغته، وتحديات توجه تعليمه وتنشئته في ظل عصر المعلوماتية والرقمية أمام ما يشهده العالم من تغيرات كبيرة وتطورات واسعة في مختلف مجالات الحياة بدءا من تفجر المعرفة الجديدة وتدفق المعلوماتية؛ بما أحدثته من تدفق متسارع مواكب لثورة الاتصالات، وعلاقة كل هذا بالتقدم التقني والانجازات العلمية التي غيرت مسار العالم ورؤاه وأنماط تفكيره وطبيعة حياته ومختلف سلوكياته بين سلب وإيجاب.

والمتتبع لمسار هذه الثقافة الجديدة يجد أنها أحدثت انقلابا هائلا لامست فيه علاقات الناس بالعالم مخترقة مفاهيم المكان وأطر الزمان التقليدية، وأصبح العالم بأسره شبكة معقدة من التفاعلات تتخطى الحدود، وترسم السياسات من خلال الاتصالات السريعة، وهو ما يعرف بعصر العولمة أو الكوكبة أو ثورة المعلومات.

فالإنسان المعاصر اليوم يواجه إيقاعات فائقة التسارع لصدمة معرفية متفجرة تهز كيان وجوده الإنساني برمته، وتأخذ هذه الصدمة المعرفية طابع الاستمرارية والديمومة تحت تأثير أمواج متدفقة من الاندفاعات المعلوماتية والرقمية التي تهاجم العقل الإنساني وتخترق نفسيته.

ومن هنا يأتي الدور الأساسي المنوط بالتربويين من أولياء أمور ومعلمين، وضرورة أعدادهم وتهيئتهم لتأدية دورهم بشكل فاعل يواكب معطيات العصر كمرشدين لمصادر المعرفة، ومساهمين في طرق التعلم المعاصر، ومصححين ومقومين للأخطاء والنتائج، ويعملون على التغذية الراجعة لكل ما يناسب قدرات الطفل واتجاهاته؛ فالعناية بدور التعليم، وأساليب التعلم الذاتي، وربط التعلم بحاجات المجتمع، والتعرف على ثقافة العصر مسؤولية كبيرة ومهمة ملحة تقع على عاتق المربين والمؤسسات المجتمعية على السواء؛ كون الثورة المعلوماتية والاتصالية ومعطيات الحاسب الآلي وما تضخه العولمة من ثقافة جديدة لها أثرها على بنية وأصالة المجتمع.

 لذا وجب علينا أن تتظافر جهودنا لرعاية الأجيال، وتتعاضد مسؤوليتنا لتوجيههم نحو النهل من ثقافة العصر، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة هي مسؤولية جماعية متكاملة بين المؤسسات المجتمعية الراعية للطفولة، فمع تطور المعلوماتية والتكنولوجية المتدفقة، من ثورة الفاكس والشيفرات الوراثية إلى ثورة الحاسوب والإنترنت والفضاء والجينات، وأخيرا ثورة المعلومات نفسها في مجال الشبكات والأقراص والصور، يجد الإنسان نفسه في حصار وجودي لا حدود له، ويتمثل هذا الحصار في تداعي مقدرة الإنسان المبدع عن اللحاق بتدفق إنتاجه المعرفي والعلمي، وتنامي إحساسه الكبير بأسطورة قلقه المزمن وعجزه الشامل أمام هذا الأخطبوط المعرفي الذي لا حد له.

فكيف يمكن لهذا المد المعلوماتي بثقافته المتجددة، ورقميته المتسارعة أن يخلص الطفل من دائرة الاغتراب ويعتقه من مراكز الاستلاب؟؟! رغم حاجته لها فالحياة المعاصرة أصبحت حاجاتها معرفية متنامية متقادمة متعاظمة؛ والتكيف معها شرطا ملزما لاستمراره والاعتراف بوجوده حتى وإن كان في مفازات الصحراء، وأقاصي البقاع.

ونظرا لما تشهده الساحة الدولية من تطورات علمية، وتحولات إقليمية وعالمية متسارعة، شملت جميع الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبالتالي أثرت على الساحة الوطنية والقومية، وفرضت على الأجيال سرعة التعامل معها بصورة قياسية وجب علينا توجيه ورعاية النشء التعامل معها باتقان ووعي وإدراك.

وما هذا الكتاب إلَّا ثمرة محاضرات قمت بتقديمها في بعض المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية، ونظرا لأهمية الموضوع في حياتنا المعاصرة اليوم، ونتيجة لقلة الأبحاث والدراسات التي أجريت في هذا المجال، فقد أرتأيت تقديم رؤية أولية متواضعة علَّها تكون ذات فائدة علمية وعملية حاضرا ومستقبلا، وربط موضوع العولمة بقضية ثقافة الطفل، وما صاحبها من ثورة في المعلومات المعرفية والرقمية وأثر ذلك على تربيته وتنشئته وتعليمه؛ بحيث تتوافق مع معطيات العصر ومتطلباته وقد تناولنا الموضوع بتقسيمه إلى ثلاثة فصول على النحو الآتي:

الفصل الأول: عالجنا فيه موضوع ثقافة الطفل وأهم المتغيرات العالمية، وأبرز التحولات على الساحة الدولية التي فرضت نفسها على الحياة الاجتماعية بما فيها الأفراد بسرعة التعامل معها، من خلال الوقوف عند أبرز المحاور المتعلقة بعولمة الطفل الثقافية.

وفي الفصل الثاني: تطرقنا في الحديث عن التنشئة في عصر السماوات المفتوحة، إيمانا منا بأن التنشئة الاجتماعية هي المحك الذي يستمد منه الطفل بناء شخصيته المتوازنة والفاعلة، وربط تنشئة الطفل بقضية الكوكبة وما بها من تحولات جذرية ملحة، بحيث تتوافق مع معطيات العصر ومتطلباته،  دون أن يحيد عن مسار جذره الثقافي.

أما الفصل الأخير فقد تناولنا فيه التربية في عصر الثورة المعلوماتية، كونها أحد أبرز مظاهر أهداف ومستجدات التربية الحديثة وفلسفتها لمسايرة التطور العلمي والتقدم التقني، بل مسايرة العالم أجمع، مركزة على كيفية تلقيها وآلية ترشيد استخدامها للطفل.

وأرجو من الله العلي القدير أن أكون قد وفقت بما فيه الخير والفلاح، واستطعت تقديم رؤية متواضعة بأفكار رائقة ودلالات مختصرة، بما تفرضه الحياة في العصر من شروط بات لزاما على المربي أن يعيها بإدراك متوازن؛ خاصة وأننا نمتلك ثقافة عربية لها خصوصيتها، وتأريخها، وجذورها. علينا أن نتمثلها ونحن نبحث عن جذور المشكلة ووسائل علاجها؛ مستفيدين من خبراتنا وخبرات الآخرين بالخوض في موضوع بات يشكل إشكالية كبيرة لمستقبل ثقافة الطفل العربي وتنشئته وتعليمه؛ بل حضوره في فضاء العالم أجمع بتطلع وموضوعية ومسؤولية واقتدار؛ كون الطفل هو المستقبل الذي ننشده بحصانة متزنة، وورؤية متوازنة لمواجهة الأخطار التي تواجه الثقافة العربية، وجذورها الإنسانية.


0 3047 29 فبراير, 2012 العدد الثاني والعشرون, ثقافة وفكر فبراير 29, 2012