تحليقات طفولية في فضاء الكتابة الإبداعية

لـ

اسم الكتاب :

 تحليقات طفولية في فضاء الكتابة الإبداعية

اسم الكاتب :

ليلى البلوشي

مقتطفات

قصة ” النسر المغرور “

هذه القصة موجه للأطفال ما بين ( 5 ـ 8 ) سنوات ..

الفكرة القصصية :

قصة النسر المغرور ، سردت حكايتها على أفواه الحيوانات ، حيث تدور أحداث القصة في غابة معشبة تسور حوافها جبال شامخة ، احتكر زعامتها نسر متكبر جدا ، يحلق طولا وعرضا في مساحات شاسعة ، وكأن الجبال ملكه والسهول الرحبة خلقت له وحده لا يحق لأي كان أن يتمتع بالأفق سواه .. ديدنه في الحياة : (الضعيف ضعيف والقوي قوي).

الأحداث :

لما كان النسر المتكبر هو المحتكر الأول والأخير لمملكة الجبال والغابة المعشبة بأسرها ، موصدا أبواب المساعدة ونوافذ العون في وجوه غيره من الطيور .. متغطرسا ، ولا مباليا لحقوق الآخرين ..

حدا هذا جماعة من الطيور المغلوبة على أمرها إلى الاستعانة بـ ( صقور ) وهو صقر قوي من المنطقة المجاورة ، باثين همهم إليه ، وبعد أن أصبغوا فم الشكوى على أذن ( صقور ) طلبوا منه أن يقترب من النسر ويعرض صداقته عليه ؛ معللين أن المرء لا يستطيع أن يعيش دون صديق ..

فشحذ ( صقور ) محاولاته للدنو بالطيران في أجواء النسر المغرور ، محاولا مد جسور صداقته إليه ، غير أن النسر المغرور ردع صداقته بضرب السخرية وتهجن عليه اقتحامه مملكته المنيعة وما يسورها من رواب وتلال ..

غير أن ( صقور ) بحلّمه أكد له بأن الملك ملك الله وحده وأنهم كلهم تحت جناحه ..

لكن النسر المغرور ، ظل يراوغ أن كل ما حوله من تلال وجبال سامقة ورثها عن أجداده ، وأن قوته كفيلة بأن يبسط قوته وسيطرته المستبدة عليها ..

الشخصيات :

بين صفحات هذه القصة ، تمثلت لدينا شخصيات اتسمت بأنها حيوانية ، استطاعت القاصة الطفلة أن تنطق هذه الشخصيات ، وتحركها بطريقة حيوية خلق تعاطفا بين الطفل وبين تلك الشخصيات .

والقصة ارتكزت على شخصيتين كانتا لهما أبلغ أثر في تحوير المشاهد ، وخلق جو انفعالي ملائم وهما :

أ ـ شخصية: ( النسر )

طائر مغرور، أناني ، لا مبالي ، متكبر جدا ، ومتسلط حد الاستبداد ..

ب _ شخصية: ( صقور)

طيب ، يحب مد يد المساعدة للآخرين ، محبوب من قبل الجميع ..

الشخصيتان هنا متقابلتان ، فشخصية النسر يضارع صفاته الشر ، بينما شخصية صقور يضارع قوى الخير ، وفي هذا البناء لتركيب الشخصيات وجدنا صراعا بين قوى الخير والشر بشكل فني رائع ، مما يجعل الطفل الصغير يدرك ذاك الصراع وتلك العلاقة المتوترة بعين بصيرة ، ويقف بينهما قاضيا ، فالخير خير والشر شر .

الرمزية :

تبدت الرمزية هنا بشكل جليّ ، فالقاصة الطفلة استطاعت أن تلبس الحيوانات صفات إنسانية ، تحمل قيم أخلاقية في عمقها ..

  • حيث جعلت شخصية ( نسر ) رمزا لغرور الإنسان وجشعه وأنانيته الطاغية ..
  • بينما كانت شخصية ( صقور ) رمزا للإنسان الطيب والمحب للجميع ..
  • بينما وظفت بقية ( طيور ) الغابة رمزا للبشر المغلوبين على أمرهم ، ” لا في العير ولا في النفير ” كما يقال ..

كما أنها حرصت على إبراز الجوانب الحقيقية في الشخصيات وصبغها سمات واقعية ، فالطيور بشتى أنواعها أليفة ، كما أن علاقاتها مع الأطفال خصوصا وطيدة ، يحب الطفل مرافقتها واللهو معها دون خوف وبمتعة كبيرة ..

حيث يسعى البعض إلى رسم شخصيات حيوانية مفترسة وإلباسها صفات مسالمة ، دون أن يعوا أن الطفل بعقله الطفولي وتفكيره البريء يتفاعل معها على أنها في حقيقتها مسالمة ولا ضرر إن قابلها على أرض الواقع يوما ما من أن يحاول الاقتراب منها متوددا .. فالأسد وإن كان في قصة ما مثالا للطيبة والخير لا يمكن في الواقع أن يتخلى عن وحشيته الفطرية حينما يقابل بشريا ؛ وهذا ما ينبغي أن نوضحه للأطفال بما يتناسب مع مستوى عقولهم الصغيرة ..

المكان في القصة :

وتمثل الغابة بأجوائها الوحشية مكان الأحداث ، فالقصة تتناول شخصيات حيوانية منطوقة وحركية كالبشر ، موطنها الأصلي الغابة بسهولها وتلالها المعشبة ومروجها المخصبة ، ومن الجميل أن القاصة هنا حرصت على إبراز هذا الملمح المهم جدا للطفل في هذه المرحلة العمرية في أن تشحذ خياله بالبيئة التي يقرأ عنها أو حين يسمع بها من فم الراوي ، بينما يظل غالبا العنصر الزماني خفي وغير معلوم ، فالطفل لا يستفسر عن زمن القصة وعادة في هذه السن لا يعرف تحديد المواقيت واهتمامه غالبا يرتكز على المكان الذي بسط فيه الحدث مجراه ، حيث ثمة علاقة متواطئة ما بين ” المكان ” في القصة و” الخيال ” في عقل الطفل ، يكمن في كونه يرسم شعورا حسيا مرهفا ويربي الذائقة الأدبية بصورة رائعة وحميمة يدور في فلكها الطفل وجدانيا وروحيا ونفسيا ، وبهذا يترك العمل القصصي أثره الفعال فيه ولأمد طويل ..

كما نود أن نشير في أن بيئة الغابة هنا تناسب أطفال الذين تتفاوت أعمارهم ما بين سني (4 ـ 7 ) سنوات ؛لأن هذه الأماكن توحي بالبساطة واليسر وسرعة استيعابها لعقل الطفل ..

التكرار :

ثمة ملمح لمسناه في مقدمة القصة ، يكمن في تكرار لفظة ( النسر ) أكثر من مرة في التراكيب الجمل سواء اسمية كانت أو خبرية كمثل :

” في يوم من الأيام كان هناك نسر ، وكان هذا النسر متكبر جدا ، يحلق بين الجبال ويحسب أن كل ما حوله هو ملك له وحده ، ولا يساعد من يطلب المساعدة منه ، ويقول : الضعيف ضعيف والقوي قوي ، وكان يقول هذا القول إلى كل من يطلب منه المساعدة ، وإذا حاول طير الطيران بالقرب منه أو أن يعلوه ، ترى النسر يحاربه، ويبدأ بمعاداته ، أصبح النسر وحيدا لا يقترب منه أحد ، ولم يكن ذلك يحزن النسر”…

  • تكررت لفظة ( النسر ) هنا خمس مرات ، بعد كل تركيب تقريبا ..

فماذا أفادنا التكرار هنا ..؟!

التكرار هنا لعب دور الرابط ، بين كل تركيب وتركيب ، وأن فحوى الحديث يدور حول النسر ، وحتى يستطيع الطفل التقاط وربط كل جملة بما قبلها ..

فالطفل كائن حركي ، دائم الافتنان والانشغال بما حوله ، فالسارد حين يصيغ القصة بإمكانه كما في قصص الكبار أن يبني تراكيبه على ضمائر عائدة على المقول عنه ، دون حاجة إلى تكرار الفعل أو المسمى ..

هنا الوضع مختلف تماما ، فإذا ما بنى القاص جملته عن شخصية معينة ذكر اسمها في الافتتاحية ، ثم تتابع الحدث وتوالت الأفعال وكثرت الانفعالات دون تذكير الطفل بالمسمى عنه ، فإنه سيكون عرضة للتشتت ، وكأن ثمة فجوة لم تملأ بالشكل الصحيح ..

أي أن التكرار هنا ( ينشّط ) ذاكرة الطفل ، ويساهم في مواكبته للأحداث مرحلة بمرحلة ، دون أن يفوته شيء من تفاصيلها أثناء انقضاض طارئ ما آخر على عقله ..

السير الحواري :

الحوار في قصة النسر المغرور جاء مقترنا بصفة الحيوية ، يناسب ومرحلة العمرية للأطفال الذين تحاورهم القصة ، ونود أن نشير إلى قاعدة مهمة وهو أن الطفل في مراحله الأولى .. طفل حركي ، مرن ، حيوي ، فالحوار هنا يلعب دور المنقذ ؛ ليخلص الطفل من رتابة السرد ، بحيث يتيح له التنفس بين كل صفحة وصفحة دون كلل ، إضافة إلى كونه يحقق نوعا من المشاركة الوجدانية بين القصاص والمستمع والقارئ في آن معا ..

كما اتكأ الحوار على أساليب إنشائية ، وظفت للاستفهام تارة كقول : ( مرحبا يا صديقي ، كيف حالك ؟)

وللتهكم طورا كمثل رد النسر على استفهام صقور : ( هه ، صديقك !! ومنذ متى وأنا صديقك ؟ وماذا تفعل هنا؟)

الخاتمة :

كانت نهاية النسر مؤلمة ، فحين نصحه صقور بالكف عن الغرور ومصاحبة بقية الحيوانات في الغابة ، ضرب تلك النصيحة عرض الحائط ، مغرورا بقوته وأراد أن يثبت للطيور مداها ، وإذا به يجد أرنبا يجري مسرعا محاولا الاختباء وراء صخرة كبيرة ، هنا اغتر النسر بقوته فانقض على الأرنب ، وعوضا عن ذلك ارتطم بالصخرة الكبيرة فسقط على الأرض مخلفا جراحا أليمة في جناحه الأيمن ، وحال غروره دون أن يطلب المساعدة من الآخرين ، فلم يدنو منه أحد وظل يتألم حتى أصبح هزيلا ضيفا .. شيئا فشيئا تلاشت قوته ، وهنا أدرك النسر كم كان ظالما في حق نفسه والآخرين ، وظل صدى كلمات صقور والطيور تخترق أذنيه دون جدوى بعد فوات الأوان ، واختفائه من فوق وجه الأرض ..

القيم :

ونظرا لأن الطفل في هذه المرحلة قليل الصبر ، قصير مدى الانتباه ، كان من الضروري أن تكون القصة قصيرة وحوادثها سريعة ، ومن الجميل أن تعي القاصة طفلة ذلك ، والأجمل في الأمر أنها سعت وبوعي أن تختم القصة بدروس وعبر مفيدة استقتها من الشخصيات ، سعيا على توظيف أنظومة الفائدة والتذكير ومن هذه القيم :

  1. التكبر صفة من صفات الله لا تليق إلا به وحده .
  2. يجب الاستماع إلى نصائح الأصدقاء .
  3. لا ينفع الندم بعد فوات الأوان .

وغيرها من القيم البناءة المغلفة بالفائدة وبفحوى القصة ..

الأبعاد النفسية :

  1. هذه القصة موجه للأطفال ما بين سنّي ( 5 ـ 8 ) سنوات .. والطفل في هذه المرحلة لا يستوعب أن الحيوانات لا تتكلم كالبشر .. فخياله ما يزال نشيطا وارتباطه بالواقع لم يصبح تاما بعد ، بحيث يرفض فكرة تحدث الحيوانات رفضا تاما .. وخياله هنا يتبحر بحرية نائيا عن القيود وموصوف بالغرابة والطرافة ، دون أن تتعدى هذه الغرابة سمات الخرافة ؛ لئلا تبث في الطفل روحا بعيدة عن التحليق في أفق الواقعية .
  2. سيرورة الحدث .. ولأن الطفل في هذه المرحلة قليل الصبر وكثير الحركة ؛ فإنه من الأفضل أن يكون الجو الذي يحكي الحدث قصيرا ، كي لا يحدث الحدث الطويل تشتتا في ذهن الصغير ، فكلما كان الحدث سريعا كلما تضاعف انتباه الطفل وتركيزه على السير المواقف في القصة .. وقصة (النسر المغرور ) نجد ملائمة جميلة في الربط بين الأحداث التي جاءت قصيرة كفيلم يشاهده الطفل ، وأخذها في عين الاعتبار نفسية الطفل الحركي ونفاذ صبره .
  3. الشخصيات .. مجمل قصة ( النسر المغرور ) دارت حول شخصيتين رئيستين ، أخذا المنحنى السردي والحواري ككل ، وبقية شخصيات الغابة كانت مذكورة كمساعد محرك للشخصيتين الرئيسيتين ، نأت فيه القاصة الطفلة عن ضج شخصيات كثيرة ومتعددة الأدوار ، ليس لأن الحدث لا يحتمل بل ؛ لأن الطفل لا يمكنه أن يركز على أكثر من شخصية في قصة واحدة ، ولكل شخصية دورها في البناء ..
  4. الصراع بين قوى الخير والشر .. معظم قصص الأطفال في هذه المرحلة تحرص على إثبات هذه الحقيقة رغم أنها تخالف المنطق الطبيعي في قانون الغاب الفوضوي ، لكن الطفل غض في هذه المرحلة وعلاقته بالعالم الخارجي لم تتوثق بعد ، فالشر في مثل هذه القصص يتبدى بشكل واضح في بدء سير القصة وينحني هذا الاتجاه حتى تأتي ريح خيرة تقتلع الشر من جذوره .. وطالما القصة تحكي عن الشر ، فإن الطفل يتشوق بتتابع وتركيز أن يرى مصير الشر في هلاكه ، والخير يشع انتصارا .


0 1619 01 مارس, 2012 العدد الثالث والعشرون, فصول أولى مارس 1, 2012