الطيور الزجاجية

لـ

اسم الكتاب :

 الطيور الزجاجية

اسم الكاتب :

يحيىسلام المنذري

مقتطفات

طائرة تبدد لون السماء

في وقت الظهيرة كانت جدران البيت الخشبية هادئة لأن الطقس لا يعكر صفوها بالرياح. وكان حمود ببشرته الحنطية يحلم بركوب أرجوحة في حديقة خضراء طقسها بارد ومليء بالرذاذ. لكن أمه أيقظته فجأة، فأحس بالعرق يتصبب منه. وقالت له: “هيا قوم.. اليوم موعد الموكب”. لم يفهم كلامها ولكن النشاط دب في جسمه الطويل ونسي الحلم والحر، وركض كالأرنب ولبس نعليه. أمرته أمه بأن يأتيها “بالترمس[1]” الصغيرة التي وضعت في المطبخ.

سألها بدهشة: “ لماذا؟”.

وبعد أن استخدمت “لحافها” في مسح قطرات العرق من على جبينها أجابته وقالت: “ سنملأها شربت[2] فيمتو.. وقد اشتريت الثلج”.

 أحس بعطش وتمنى شرب عصير “الفيمتو” مثلجا، وبعد أن جلب الترمس أضافت الأم وقالت: “هذا سنبيعه للناس الذين سيحضرون لمشاهدة الموكب”.

سألها: “ما الموكب؟”.

“ستعرف هناك”. أجابته بسرعة بينما كانت تسكب الماء في الترمس وتخلطه مع قطع الثلج والسائل الأحمر الغليظ، كانت تعمل بنشاط وسرعة، رغم افتقادها لزوجها الذي رحل منذ سنوات ولم تعرف عنه شيئا. وقد أوهمت حمود بأن أباه سافر إلى الهند في رحلة عمل وسيعود، وحمود ما يزال ينتظر عودة أبيه من البلاد البعيدة التي لا يعرف عنها شيئا سوى الحلويات ذات نكهة النارجيل التي تذوقها حينما رجع خاله راشد ذات يوم من الهند.

حمل حمود كيسا به أربعة كؤوس بلاستيكية، والأم لبست نعليها وحملت الترمس وإناء يحتوي على ماء لغسل الكؤوس، وذهبا ناحية الشارع المسفلت حيث زحمة الناس واقفين وجالسين على الأرضية المتربة بمحاذاة الشارع. سؤالان ناوشا رأسه: ما قصة هؤلاء؟ وما الفائدة التي سيجنونها من وقوفهم في هذا الحر؟ حين وصلا إلى هناك انشغلت الأم بالبحث عن مكان تضع فيه عدة العصير، بينما هو أخذ يبحث عن منفذ لرؤية الموكب، كان الناس مثل أحجار رصت حول الشارع، الرجال يلبسون دشاديش أغلبها يحمل اللون الأبيض والنساء بعباءات سوداء، بينما الأطفال يبدو أنهم غير عابئين بشيء لأن حدثهم الأكبر هو اللعب بالتراب والحصى والكرة. الناس هناك يتجرعون الانتظار والعطش، وقد عرفوا بأن الترمس لبيع “الشربت” البارد. وضعت الأم الترمس على حجر مسطح وبدأت تبيع العصير البارد ذا اللون الأسود. وكان هناك فتاة صغيرة تبيع الحلويات للأطفال. وهناك امرأة بدينة عملاقة تبيع عصير البرتقال ورجل مسن منحني الظهر يبيع الماء البارد.

كان مصدر رزق أم حمود هو خياطة الملابس النسائية في بيتها، ودائما ما تتذكر زوجها حين دخل عليها منذ سنوات وهي بالغرفة بهيئته العملاقة حاملا على ظهره بندقية عتيقة وحقيبة صغيرة، على الفور أحست بالقلق يسري في فؤادها، لم تتكلم، فقط كانت تحدق في هيئته المزرية تلك، تسجل قامته وتجهم وجهه المتعرق مع تلك البندقية، تخزن الرائحة الكريهة التي تنبعث منها ومن الحقيبة.

نظر إليها بحدة وقال لها:

“اسمعي يا حرمة.. أنا راحل.. حمود أمانة عندك.. كلها كم شهر وأرجع.. لا تخبري أحد”.

أغلق الباب وراءه ورحل، تركها مع ولدها الصغير، ولكنها ما زالت تَسْأل لماذا لم تدمع عيناها في ذلك الوقت؟ رحل ولم يرجع حتى الآن، ربما بلعه البحر، وربما خطفته حورية جميلة وعاش معها على ضفاف الشواطىء الهندية.

كان حمود متلهفا لرؤية شكل الموكب، والشربت بدأ ينقص وينقص وكأنما الشمس هي التي تشربه، وبإلحاح شديد شرب آخر كأس من “الفيمتو” وأحس بأن كل شي أصبح باردا، بعد ذلك جلست أمه مع أخريات افترشن التراب تحت ظل شجرة. بدأ يبحث عن منفذ ولو صغير بين الأحجار البشرية المتراصة ليكتشف الموكب، حاول أن يجد ثقبا يمر منه، وهو يسأل:”هل ينتظرون فلوسا؟”. سمع رجلين يتحدثان عن موعد مرور الموكب وأن هناك ضيفا كبيرا، كان جدالهما صاخبا، فالأول يزعم بأن موعد الموكب بعد نصف ساعة والثاني يؤكد بأنه لم يتبق سوى عشر دقائق فقط. ثم حدثت جلبة صاخبة بسبب سقوط بائع الماء، تنبه الجميع للحدث وعلى الفور جاء رجل قوي يشبه الثور حمل بائع الماء وكأنه حمل طفلا نائما وأودعه داخل سيارة “بيك أب بو غمارتين[3]” كانت تقف قريبا من التجمع، ثم صنعت غيمة من الغبار بعد أن ولت مسرعة بعيدا عن الشارع المسفلت. اضطرب قلب حمود من أثر سقوط الرجل الضعيف ورَجا ألاّ يكون قد فارق الحياة، وقد تذكر الآن بأنه رغم وجهه المتغضن فقد كان كثير الابتسامات. ثم سمع حمود صوتا جهوريا يقول: “مسكين.. سقط بسبب الشمس والوقوف”، وبقلق توجه حمود بنظره إلى أمه التي جلست تحت ظل الشجرة فاطمأن عليها.

وفجأة ساد الصمت بين الرجال والنساء وتحولوا إلى أصنام، بينما استمر الأطفال يعزفون المرح والصخب، أيقن حمود على الفور بأن تلك هي إشارة وصول الموكب إلى منطقتهم، وبسرعة نجح في إدخال رأسه بين رجلين، ومن هناك رأى الشارع خاليا من السيارات، وهذه أول مرة يشاهد شارعا وحيدا بدون عجلات سوداء وعلب حديدية تسرع وتزأر، وفي الاتجاه الآخر من الشارع كان هناك أيضا سورآخر صنع من لحم ودم، وبعد قليل انكشفت من بعيد سيارات ودراجات للشرطة تقدمت مسرعة وأطلقت صفيرا حادا، لكن المشهد انقطع فجأة لأن أحد الرجلين أخرج رأس حمود عنوة ليجد نفسه خارج السور، لكنه صمم على محاولة اختراق الحاجز البشري مرة أخرى وإذ به يحشر رأسه هذه المرة بين امرأتين مكتنزتين تفوح منهما رائحة العرق ليشاهد سيارات كثيرة زرقاء لم يستطع أن يتبين أحدا فيها لأنه سرعان ما ركل خارجا، حاول أن يقف ويمشي مرة أخرى باتجاه الشارع، لكنه تعثر بحجر وسقط، فشاهد السماء زرقاء صافية، وقبل أن يستمتع بالمشهد ظهرت طائرة مروحية اخترقت صفاءها، فتبدد لونها واستحال إلى رماد، نهض حمود من سقطته ليسمع صوت أمه تنادي عليه، شاهدها واقفة بجانب الترمس وأدوات العصير، كانت مثل حمامة تدعوه لتحمله على جناحيها وتطير به إلى البيت، اتجه ناحيتها وحمل معها عدة العصير، لكنه لم يلتفت خلفه ليشاهد ماذا سيحدث بعد مرور الموكب وما إذا كان الناس سيظلون هناك في انتظار شيء آخر أم سيعودون إلى بيوتهم سعداء، كل الذي يعرفه الآن بأنه موجود مع أمه بأمان، يعودان إلى البيت لكي يشعلا السراج بسائل الـ”حل تراب[4]“ لإبعاد كمية ولو قليلة من الظلام. انتابته سعادة مؤقتة حينما تذكر بأن أباه سيعود وسيجلب معه هدية السفر إلى جانب الحلويات الهندية. ومع كل خطوة يخطوها يشعر برغبة قوية في احتضان أمه.

إنقاذ

بعد أن أحصى أيمن الجدران الخشبية للبيت ذهب إلى الموقع الذي كسره بقدمه نهار الأمس. شاهد أثر الضربات في الجدار الذي يفصل بين بيته وبيت الرجل السكير، لقد ركل الجدار عدة مرات فأحدث به تصدعا، وبعدها خلع القطعة الخشبية المتشققة وصنع فتحة كافية لمرور المرأة. كانت أمه هي معاونه الأول. وكان دورها كبيرا في عملية الانقاذ، فقد تعاطفت مع المرأة حينما سمعت نشيجها ودار حديث طويل بينهما من خلال فتحة سرية في الجدار الخشبي، وكأن الفتحة جهاز هاتف من خلاله تبث الفتاة شكواها ومأساتها.

***

تسلل أيمن إلى خارج البيت وانتظر حتى خرج السكير من بيته، راقبه يغلق بابه بقفل أسود كبير ولاحظ قبحا غريبا يشع من وجهه ودشداشتة متسخة، وبكبرياء أحمق أوقف “تاكسيا” بداخله مجموعة من الآسيويين وركبه ورحل. لم يدخل أيمن البيت إلا بعد تأكده بأن “التاكسي” اختفى تماما.

دخل بعدها إلى البيت منتشيا. وبسرعة نادى أمه واستعجلها في تنفيذ العملية السرية. شحذ همته، ورغم صغر سنه إلا أنه كان طويلا وعظامه صلبة. رأى أمه تأخذ من الأرض قضيبا حديديا وقالت بشجاعة: “هذا هو المفتاح..ما رأيك؟”. لكنه رفض بشدة وأبرز عضلات ذراعيه وقال لها: “لسنا بحاجة إلى هذه الحديدة”. فاستجمع قوة قدمه اليمنى وركل الجدار الخشبي مرة ومرتين حتى انقشع، كانت المرأة تقف بعيدا تنتظر لحظة الإفراج من الأسر والدخول إلى بيته من خلال الفتحة، كانت مثل حمامة جريحة وضعيفة ووحيدة تنتظر فتح باب القفص، حمامة لها ريش ملون، لها عينان دامعتان.

كان أيمن هو المنقذ. ركل الجدار من جديد حتى توسع أكثر وانكشف له بيت السكير. قدمه النحيلة هي الأداة القوية، وكأن شيئاً حقنها بالقوة فَعَظُمت واحتدت وأصبحت كالمطرقة. جاءت أمه حينها والفرح  قد غمرها ودعت المرأة إلى المرور من خلال الفتحة والدخول إلى بيتها.

 بانت على وجه المرأة سعادة طفولية آسرة وعدم مبالاة بردة فعل زوجها بعد أن يعرف بقصة هروبها. دخلت وكأنما ضوء ملون انسكب في حوش البيت، ذاب حزنها بمجرد أن فتح لها باب حريتها، كانت تلبس لحافا أحمر اللون وفستانا مزركشا لامعا، وأيقن أيمن الآن كم هي امرأة بائسة. وبعد أن مشت خطوات في داخل الساحة الترابية أخذتها أمه من يدها إلى الداخل حيث جلستا حول صحن التمر والقهوة واستمتعتا بسرد الأحاديث. وها هو يتأمل ما فعله بالأمس، شعر بفخر شديد، وبأنه بطل أنقذ امرأة جميلة من بين براثن زوجها الذي كان يضربها. وقرر بعد أن أنجز المهمة بنجاح أن يخرج ليلعب بالكرة مع أصدقاء الحارة.

***

عندما رجع أيمن من الخارج ودخل البيت كان وجود المرأة ما يزال مضيئا، فهي ما زالت جالسة مع أمه على بساط في فناء البيت، نظر إليها وكانت هادئة، وبدأ يركض حول الحوش كمن يستعرض قدراته، بينما الأم غارقة في تبادل الأحاديث مع ضيفتها، لكن أيمن أحضر علبة ملح بلاستيكية خالية، وبدأ في استعراض لعبته المفضلة وهي أن يضع العلبة على الأرض ويضربها بقدمه بقوة فينقذف غطاؤها ويطير كقذيفة ناحية هدف معين. استمر في اللعب والاستعراض وهو يشعر بأنه نال إعجاب المرأة بتلك اللعبة، إلا أنه في المرة اللاحقة لم يحسن اختيار الهدف، فحينما ضرب العلبة انقذف الغطاء تجاه عين المرأة، فاشتعل بكاؤها وصرخت أمه، ومن هول الصدمة لم يعرف ماذا يفعل سوى الهروب من ذاك الموقف الغريب وغير المتوقع، خرج حينها بسرعة ولا يعرف ماذا حل بعين المرأة الجميلة بذلك الغطاء الدائري والساخط.

تسلق أيمن شجرة مانجو كبيرة وجلس على أحد أغصانها. شاهد أغطية مملحة تتطاير نحو بركة دموع، كما شاهد عينين جميلتين تغطيهما السحب. لكنه غير متيقن بأن الغطاء ضرب العين فربما ضرب الجفن ولم يمسّ العين، كان الندم يخزه مثل شوكة سامة، وكان الخوف يدب في قلبه. ظل أيمن في حضن شجرة المانجو التي ارتفعت به إلى أعلى ليشاهد طيورا متنوعة وغروب الشمس وتذكر بأن له قدما قوية أنقذت الفتاة فطار فرحا، لكنه أيضا تذكر بأنها آلمت عينيها فسقط في الحزن.


[1] وعاء لتبريد السوائل

[2] الشراب أو العصير”عصير التوت”

[3] مركبة نصف نقل

[4] سائل الكيروسين

0 1268 01 مارس, 2012 العدد الثالث والعشرون, فصول أولى مارس 1, 2012