لذة ميتة

لـ

اسم الكتاب :

 لذة ميتة

اسم الكاتب :

يعقوب الخنبشي

مقتطفات

سفر رصاصة

ها أنذا أحس بساعة الفرج القريبة بعد أن كبت البارود على أنفاسي طوال تلك الأيام .. ولسنوات لا أعرف حسبتها ولا أعلم عدتها ولو من قبيل الصدفة منذ أن غادرت ذلك المصنع العجيب في بلاد الثلوج والأدغال ،وأنا أعصر ذاكرتي علنّي أتذكر يوم مولدي  ونشأتي متى كانت  ..كل ما أتذكره جيدا أني لم أحتفل بعيد ميلادي ولم أشارك زميلاتي فرحاً في يوم من الأيام… ربما كان السبب ! ذلك القيد البلاستيكي الذي دفنا فيه أنا ورفيقاتي والذي كان على شكل حفرٍ مثقوبة ..حُبسنا فيها في ذلك الصندوق الحديدي الكبير التي تغشاه الظلمة منذ أن وضعنا بداخله،وكأننا جنود صفوا في خندق ليلي، وضعوا على أهبة الاستعداد لخوض معركة حاسمة.

أني أتذكر ذلك المشهد الآن تماماً وأراه أمام عيني ،كأنه شريط سينمائي ..أتذكر تلك الممرات والدهاليز في بطن تلك الآلة العجيبة الضيقة ضيق الموت..

آااه.. كم كنا نقاوم أنا وزميلاتي كبت أنفاسنا بشدة ونحن نمر بها من حارة إلى حارة ومن سكة إلى أخرى نُنقل فيها رغما عنا ولا نسمع فيها سوى صراخ وعويل بعضنا البعض  ..كان صدانا لا يتجاوز سوى ذلك الحيز الضيق الذي نشغله.

 يا إلهي ..كم  كنا نستنجد ونطلب العون والرحمة من تلك الوجوه البشرية القاسية التي كانت تراقبنا وهي تفتعل البسمة بين شفتيها من السن إلى السن متفاخرة بصناعتها لنا وكأنها تمكنت من ولادة مخلوقات جديدة ..

كان أنيننا ودموعنا لا تجدي ولا تحرك ساكنا ولم تثمر عن لحظة شفقة أو أمل بسيط لدى تلك الكائنات البشرية المتوحشة  .

 فمرة نغمر في أحواض تغلي في مواقد تقطر صهليدا من الجمر الملتهب لا يمكن لمخلوق عادي تحملها، ثم نصب في قوالب حديدية لنخرج منها ورؤوسنا آخرها مدبب كطرف الإبرة الحادة  ..ومرة نسحق تحت مطارق حديدية ضخمة تنزل على رؤوسنا وتدعكنا دعكا لتتداخل أحشاؤنا بعضها البعض بلا رحمة أو شفقة.

ساعات أرجو الله أن لا تعود علينا مرة أخرى في يوم من الأيام ولو كان ذلك ثمنا لحياتنا .. لقد تنقلت من شحنة إلى شحنة ومن مرفأ لآخر… حملتنا الكتوف والعربات ونمنا على الأرصفة والطرقات إلى أن ساقني القدر إلى هذا المكان .

نعم ..نعم أني أحس بالراحة والطمأنينة الآن ، وأنا أراقب تلك اليد وهي تخرجني من ذلك القالب البلاستكي وتحررني من ذلك السجن الصندوقي الكبير وقد فك أسري إلى الأبد ..لقد انزاح ذلك الثقل عن روحي .

 لا أخفيكم عن مدى ما أشعر به من سعادة بالغة وهي ترفعني  الآن إلى الأعلى جهة السماء  ..أني  أحس كعصفور صغير قد نبت له ريش يحاول الطيران للمرة الأولى ..

 ياااه كم هي الحياة جميلة معكم أيها البشر.

أووه أني أستنشق الآن هواء طازجا وعليلا لا أتذكر أني استمتعت به طوال عمري  ..بل منذ ولادتي في ذلك المصنع العجيب ..

ياإلهي ..كم هي الحياة جميلة ورقيقة معكم على هذا الكون الفسيح الممتد على هذه الأرض الشاسعة، الذي لا أرى له نهاية  في جميع الاتجاهات ..

أنا الآن في حيرة من أمري بصدق! هل أبدي لكم إعجابي مرة أخرى بالسماء الصافية ذي الزرقة العجيبة التي أشاهدها في هذه اللحظات ، وكأنها لحاف طفل رضيع ! أم تلك الأرض اليانعة  الفسيحة في كل مكان وكأنها بساط سحري ..

حسنا .. حسنا .. سوف أصف لكم الشجرة التي  نجلس تحتها أنا وصاحبي الآن.. كم هي جميلة فعلا! وكم ظلها دافٍٍ وبارد في وقت واحد .. ليتني أستطيع تذوق ثمارها الجميلة..

لحظة.. لحظة إني أرى تلك الحشائش المزهوة بنفسها يحركها النسيم في كل الاتجاهات ….

انتظروا.. انتظروا لا تقاطعوني في الكلام لأني أرى صاحبي يطير بي الآن وقد احتضنتني راحة يده وكأنها خائفة علي من الهرب ، إني أشعر بدغدغة أصابعه وهي تهرش على جسمي الصغير ..لا أخفيكم سرا بأني أكاد أموت من الضحك ..

انتظروا إنه ينقلني بين أصابع يده ويرفعني للأعلى ..لكن لماذا يضع أبهامه على مؤخرتي ويبرز بقية جسمي للأعلى؟

..ترى ما تلك  الآلة الطويلة التي بيده الأخرى؟ أتكون تلك التي سمعت مرة يحكون عنها في نفس المصنع الذي ولدت فيه!؟.

 أعتقد والله وأعلم أنها تلك التي يسمونها (البندقية).. أن حدسي يقول لي بأنها هي .. يا إلهي.. انه  يوكزني  لبطن  ذلك الصندوق الحديدي  في تلك الآلة الحديدية الطويلة ..أوووف أشعر بمزلاج يدفع  مؤخرتي للداخل..

أتمنى اللطف منك يا الله لأني أغوص في ماسورة ضيقة تكاد تسعني بصعوبة بالغة  ..كم هو الظلام قاتل هنا..

 ماذا أفعل! أني أختنق .. الرحمة يا إلهي .. اللهم خلصني من هذه المحنة العجيبة .. اللهم حررني ويسر أمري من ذلك المسمار الموجه نحوي لأنه سيبقر بطني.. اللهم خلص كل الضعفاء من أمثالي من أيدي المتغطرسين والمتكبرين في هذا الكون الفسيح في كل مكان ..برحمتك يا أرحم الراحمين  .

إني أرتجف خوفا وفزعا من هذا المكان  .. أحس بصاحبي وكأنه يصوبني نحو هدف معين.. أسمع تمتماته وهمساته ولكني لأفهم ماذا يقول  .. أسمع صرير ذلك المسمار وقد استشاط غضبا من دعائي ..

 يا الله أن ذلك المسمار ينفلت بسرعة البرق الخاطف متجها نحوي .. لقد وكز مؤخرتي بشدة .

أوووف أشعر بالبارود الذي أحمله في بطني يغلي ويلتهب ،هاهي براكيني تشتعل..أحس أحشائي تنفجر وتتبعثر شظايا هيكلي …. لقد أنفصل رأسي عن جسمي وتطايرت باقي أعضائي .. إني اندفع بسرعة عجيبة عبر تلك القصبة الحديدية ولا أعرف نهاية مصير رأسي أين سيقف  … لقد خرجت الآن من فهوة البندقية ..  أرى هدفي يقف ليس قريبا من صاحبي ..إني أطير نحوه بسرعة جنونية خاطفة .. ربما أسرع من البرق الخاطف.. بل أصدقكم القول .لا أعرف مقياس سرعتي … إني أحلّق في الهواء وأطير إلى أفق مجهول .. ولكن كيف أطير وليس لي جناحين ! .

انتظروا ما الذي يحدث .. لقد بدأت أعضائي تضعف كما أن حرارة جسمي تنخفض تدريجيا ..أن مساري  قد توانى بشدة فائقة ..

أنا خائفة ولا أريد أن ينتهي بي المطاف  في هذا المكان..أحس الآن بتراخ  أكثر فأكثر من ذي قبل.. بل أضعف كما تضعف طاقتي .إني ألفظ أنفاسي ..إني أموت الآن ..  .أم .و.و.ت .

ثرثرات على ضفاف قبر فارغ

ها أنذا آتٍ إليكَ كل يوم ، وأرقدُ على قبرك لساعات طويلة دون أن أعير الموتى حولنا أي اهتمام  ..نعم.. أنا لم أراعِ  حرمتهم ومشاعرهم ، أصارحك أنك أنت الوحيد الذي يفهمني في هذه البقعة من هذا الكون الفسيح  ..

 أنا لا أعرف منذ متى حصل ذلك بالضبط؟! لكن كل ما أعلمه أنني لا أدري ساعتها إن كنتُ يقظا أم نشوان وأنا اقترب منك غارقاً في سكر نفسي حتى النخاع ،هل كان ذلك ليلا أم نهاراً؟..ربما نشوتي هي التي دفعتني للجلوس بجانبك قبل أن أحتكم لذاتي .

أعلم أنه عندما جئت إليك ، كانت قدماي قد ساقتاني إلى هنا وفق ما تصوره عقلي في تلك  اللحظة..لقد انتظرتك كثيرا ؛ كي تخرج لي كعادة الليالي الماضية وأنا أعرف أنك لن تنبس بكلمة واحدة كما هي عادتك أيضا ..

 نع .نع.نعم  أنا أتحداك أن تكلمني هذه الليلة ولو لمرة واحدة .. ألم أقل لكَ  أني أتحداك ..نعم أتحداك.. أنت جبان.. بل ستون جبان ! لا عليك من كل هذا ولا تزعل ..

 ماذا قلت ؟  أنت تريدني أن أبكي .. وأبكي أكثر من اللازم.. لن أبكي.. ولكن قو . قو .قلي .. لماذا طالت عمامتك  هذه المرة أكثر من المعتاد؟ كما إني أراها ناصعة البياض!

أنظر إنها طويلة جدا!وكم هي جميلة أيضا !لماذا يلبسونكم الأبيض دائما!  ..هل أنتم كذلك .. إنها غطت جسدك الأسمر النحيل ،دون أن يظهر منه شيء سوى عيناك اللتين تشبهان عينا قط بري وهو يتلصص طريدته في ليل حالك   .

يا إلهي! لماذا أنت أصلع .. أين ذهب شعرك ؟.. دعني أضحك .. ها  أنذا  أضحك .. أضحك كثيرا .. أني أتمرغ ضحكا من منظرك هذا .

إنه الآن أشبه بقاع قدر فخاري قديم .. لماذا تقول بأنك لا تهتم !ماذا قلت؟ تريدني أن أنفعل بكلامك هذا ،أليس كذلك؟.

اِسمع إني  أنفعل الآن ..بل أغتاظ بشدة ..سوف يعلو صوتي ها هو يعلو الآن .. ألا ترى نَفَسي المتلاحق  … أعصابي تشتد وتتوتر.. أعرف أن كلامي هذا لا يهمك ، ولكن قل لي لماذا أنت متخشب هكذا، وكأنك قطعة خشب ساج  قديم سقطت من حصن  أثري ؟ لماذا ساقاك يميلان للسواد؟ لماذا أنت نحيل جدا؟ هكذا طبعكم أنتم الأموات تخيفون الأحياء في الوهلة الأولى فقط لكنكم لا تؤثرون فيهم أكثر من تلك اللحظات .هل تصدق ؟ لقد رأيتهم يضحكون عندما رجعوا من المقبرة ! وكأنهم دفنوا فأرا وقد ارتاحوا من عناء كبير بعدما تخلصوا منه .

هيا اجبني .. لماذا لا تجيب ؟..ولماذا لا تحرك سوى  عينيك الجاحظتين تلك ؟! أووف.. أنا في غاية الغضب منك ! أنظر أني أنشج الآن ..ماذا تقول  أنت لا تعرف ؟حسناً..  سأقول  لك… لا لشيء سوى أنك لا تجب عن أسئلتي ! انتظر .. انتظر.. لقد أرعبني طول  أظافر قدميك التي هي أشبه بمخالب نسر كبير، بسطهما في الهواء لينقض على فريسته !لقد ضربتني بها على مقدمة رأسي ليلة البارحة في منتصف الجبين  عند خروجك من قبرك هذا  ..أنظر …مازال الدم يسيل من جبيني حتى الآن  .

لحظة.. لقد قررت أن أغضب منك، لذا لا أهتم لزعلك .. حسنا … أنت تجيب هذه المرة ولكن  بصوت أجش؟ماذا تقول؟ إني أسمعك.

 سأعيد عليك ما قلته لي ؟ إني أزعجتكم  كثيرا هذا اليوم ببرازي القذر  وملابسي المتسخة ، وأن كل جيراننا هم  متذمرون مني، وغير راضين عن تصرفاتي ..لكن  لماذا تسألني  متى سأترككم ترقدون دون  أن أزعجكم ..

أعرف أني قد أقلق سكينتكم  الأبدية لأيام طوال وأن أبقى عظما في حلقومكم إلى أن يصرفنا القدر كيفما يشاء…لكن قبل أن تعلق على كلامي انظر إلى ملابسي المبتلة بالبول.

أعلم أنك لن تستحملني كثيرا هذه المرة  وكما هو معتاد منك ذلك دائما لكنك تعرف إني لا أجد مكان أرتاح إليه غير هذا المكان ..إنه لا يوجد لدي أصدقاء ممن  يسيرون حمقى هناك حفاة الأقدام خلف تلك الشجرة اليابسة يملئون الحانات وجيوبهم فارغة ،وهم يتضورون جوعا، يضعون ذرات الملح على حواف علبهم الخضراء ليخفوا بها مرارة شرابهم لكنهم لا يستسيغونه كثيرا.. أنظر.. ما أكثرهم!  .

آاااه  كم أكره هؤلاء  الأحياء.. لا لشيءسوى أنهم يأكلون بقايا فتات الخبز اليابس ، ويدعون أنه طازج ! كما أنهم يحلفون كثيرا دون أن يصدقوا.. أنا أكره سحنات وجوههم العجفاء .

 لا أعرف لماذا لا يحلقون ذقونهم عندكل صباح ؟!.. إنهم يتحاملون على أنفسهم  أكثر من اللازم في كل يوم تشرق فيه الشمس ..ينظرون إلى المرآة ؛ ليحدثوا فيها شرخا يلتئم بمجرد ما يخفون وجوههم عنها .

.آااه كم  بكت المرايا كثيرا لحالهم عند كل صباح..دعني أتنهد قليلا  .. إني أتنهد الآن.. انتظر..انتظر .. سوف أبكي.

لا عليك ..لا تنزعج ..عليك أن تكون متسامحا وبشكل كبيرا جدا ،كما يقولون لنا ذلك دائما في كل خطاباتهم..

ولكن قل لي : ألم تقل لي أنت ليلة البارحة أنهم يراقبونني باشمئزاز؟..أوه.. إني أتذكر ذلك جيدا.. إننا مازلنا في ليلة البارحة .ولكن هل نسيت أنت أنهم مازالوا يراقبونني ..وأنهم يضعون نظارات سوداء غير مرئية لعيونهم !ربما يخفون بها بقايا سكرهم، لكي لا تعرف الفئران ذلك .

 لا يهم.. لايهم.. دعهم، أنا أعرف أنهم لا يأتون هنا إلا لتخفيف بطونهم مما يحملونه  من بقايا أشياء، ليريحوا بذلك قلوبهم القذرة قبل أن تتعفن ..لكن قل لي لماذا يقلبون  إناء طعامنا ويسكبونه على ناره في كل مرة  يمرون من هنا ؟.

هل تتذكر ..كم ضحكت أنا كثيرا  عندما دسوا أيديهم في القدر وهو مازال يغدق على نار أشعلناها منذ زمن ، ولم تنم إلا قليلا وفي فترات متباعدة ..هل تتذكر ذلك ؟ماذا؟ تقول  أنك لا تتذكر!.

أنا أتذكر ذلك جيدا عندما كانوا يأتون إلى هنا يبحثون عن ضالتهم.. وعندما لم يجدوا شيئا رموه على أجسادنا؟.

يومها ضحكت أنت أيضا .. لقد سمعتك .. خاصة عندما زممت أنا شفتي وأخرجت منهما ضراطا متواصلا هكذا.. بوووب ..بوووب ..مما جعلهم يستشيطون غضبا وقد ركلوني بأرجلهم كثيرا حتى أخرجت ما في بطني عبر اتجاهين .لا تنكر ذلك لقد سمعتك تقهقه كثيرا وأنت تنظر إلي .

دعني أتذكر الموقف .. بل دعني أضحك .. إني أضحك ..هههههه ..ههههه .

ولكن قل لي من نصبهم ولاة علينا وأن وحدهم فقط يعرفون ما يسرنا وما يضرنا ؟وما يجب أن نفعل وما يجب أن نترك ؟ بل لماذا يظنون أنفسهم ملائكة تمشي على الأرض !وإنها دائما لا تخطيء  بل تصيب !

 لماذا علي أن أضع على عيني  خِلقة داكنة وأسير خلفهم سير الخرفان وفق ما يشتهون دون أن أعترض ! ماذا تقول ؟ علي أن أغلق فمي وأن أرضى بكسرة خبز مهما كان نوعها؟

 نعم .. أعرف أن القناعة كنز ..هكذا سمعتها وحفظتها كثيرا من طابور الصباح في المدرسة الابتدائية.

ماذا! أنت لا تعرف؟ انأ اعلم أنك تريدني أن أبكي ..لحظة سوف أرفع صوتي..أقول لك  لن أبكيييييييييي..لديك حق سوف أبكي ولكن ليس طويلا هذه المرة كما تتوقع ..  لكن قبل ذلك انتظر سوف أملأ  كأسي أولاً   .

حسنا سأصارحك بما يجول  في خاطري الآن .ربما هذه الكأس هي من أنساني سُعاد…انتظر لحظة.. إني أسمع سعاد من الداخل تقول لي لا تملأه!..صه .ص .صه… إنها تطلب مني أن أكف عن إفراغ القنينة من محتواها كما أفعل كل يوم ..تقول إنها سوف تغضب مني ولن تكلمني مرة أخرى .

لماذا هذا يا سعاد؟لم تقولين ذلك!  ألا تعرفين أنك نجمتي في الحياة ،ألا تتذكرين عندما كنا نسترق السمع قرب سكة العابرين ، قبيل ظهور غبش الفجر وقبل أن ينهض الحاقدون من غفلة نومهم ، يومها كنا نصلي بقدم واحدة ويد واحدة ، وقد بلغنا الرشد في ساعة متأخرة من الليل .. كان القمر يختفي خجلا منا تحت السحاب، ولم يكن له إلا وجه واحد ،وكان إبطك يومها حليقا معطراً.. كان البحر لا يتجاوز ركبتيك إلا بقليل ..كنا نخاف أن ينزل القرصان أسفل السفينة ويقسم الشط لنصفين   ..كنا نرى نصف الحقيقة ونبحث بأيدينا عن النصف الآخر …كم أتذكر يومها بأنكِ ضحكتِ أنت كثر مما ينبغي حتى سقط لؤلؤ الغوص من بين شفتيك..كنا نظن أن الأرض تدور وتدور  ونحن نعد النجوم ونتابع سفر الثريا أثناء تحولها من مكان إلى آخر    .

كان ذلك في تواريخ وأيام  لا نعلمها..كل ما كنا نعلمه بأن ذلك يبدأ منذ أول الشهر حتى نهايته مرورا بكل  فصول السنة .. ألا تتذكرين يومها لم نترك أثراً على الرمل ولم نترك شيئا يغضب الله .

  ماذا قلت ؟ ألا تعرف سعاد؟هكذا أنت دائما لا تعرف إلا نفسك؟لحظة.. سأخبرك عن سوعا .عا .عا .د .إنها لا تسكن هنا الآن ..سعاد هذه.. أحبها.. نعم  أحبها ..

كانت هي الوحيدة التي تُقبلّ جبيني قبيل شروق الشمس ..نعم هي من أضاءت لي ظلام السماء ليلة اختفاء القمر ..علني أتذكر ذلك الآن.. أتـ ..ذ .ذ.كر .. .كنت أهرب منها خجلاً في بعض الأوقات عندما كانت تلاعب طير الكناري  أسفل بستان بيتنا، وأنا أقطف حبات الجوز  المعلقة على عودها…لكنها كانت تمانع من سجود الورد عند أطراف  قدمينا …

أتذكر جيدا عندما كانت تبدأ معركتي معها كل يوم  قبل أن نلتقي .. كانت تبدأ  من على  السرير الخشبي فوق سطح منزلنا  .. كنت أضرب عصفوري بيدي اليسرى ضربا سريعا غير مبرح إلى أن تنطلق منه ألعاب نارية، قاذفة زخات تشبه حبيبات الخرز، وكأنها قد تساقطت من عقد صناعي،عندها فقط يسكن جسدي ليصبح كتمثال كرتوني أو كلعبة نفذت بطاريتها.

لقد تَرَكتني ..وبرحيلها اغتالت عصفور الفرح النائم في صدري . لحظة..سوف أبكي الآن.. سوف أقف على رجلي .. انظر إني أقف! لاتخف لن أقع هذه المرة ..أوووف.. لا تخف أنا وقعت بعيدا عنك  .. لحظة سوف أضحك كثيرا هذه المرة .. هههههه هاء . هاء. ههههه ..سوف أغني .. أغ .غ.ني.. عصفوري را.را.رايح .. ع.ع. عصفوري جاي..عصفوري .ح.حامل.. س .س. كر وشاي .

انتظر إنهم ما زالوا يراقبونني ..بل ما زالوا ا يخفون أعينهم خلف تلك النظارات السوداء الداكنة .

لحظة  لحظة  لا تجب.. دعني أضحك أولاً  ..لن  أضحك كثيرا هذه المرة   أعدك بأنها ستكون الأخيرة  ..لن أكررها .

ماذا قلت؟  اع .اع. اعد علي ما قلت  ؟ ماذا؟ ..ما هذا السائل الأبيض الذي أشربه  إنه ماء الكولونيا.. ماذا تقول ! ألا تعرفه.

 نعم.. أعرف أنه عطر رخيص لذلك أنا أشربه..ماذا تقول ؟.. سيقتلني  وأموت!لماذا تقول ذلك ؟  أنت لا تعرف فائدته ! أنا سأخبرك ..اسمع إنه الوحيد القادر على  أن ينسيني الحياة ..و إغلاق فمي كي لا أتكلم وأذكر عوراتهم.. ألا ترى أنه وحده من يتركني أسير ملتحفا بظل  الجدران  وحيدا، وأن أختبي في هذه المقبرة مغلقا أذناي عما يدور في الخارج ..لا تقاطعني! دعني أواصل الحديث.. اسمع.. لا يهم ذلك إن كان بطني ممتلئا .. كل ما يشغلهم إذا ما بقيت  حتى مطلع الشمس علي أن أدعو لهم بالخير والعافية وأن أرقم أذنيّ بأصابعي كما يفعل المؤذنون .

        أنت هكذا دائما تدعو علي بالموت!..لماذا تقول ذلك !ولكن قل لي بربك هل كان هذا الشراب سبب مجيئكم جميعا إلى هنا في هذه المقبرة المرتفعة ؟

بل لماذا اختاروا لكم هذا المكان الملاصق لهذه القلعة الكبيرة ؟

أجبني إن كنت تستطيع ذلك ؟ لا عليك.. أنا لا  أنتظر منك الرد .. فأنا أعرف الإجابة بنفسي  ..انتظرني دعني أعدل  من جلستي أولا ..اسمع.. أقول لك أنا أعرف..

أعرف الغُناء ما رأيك أسمعك أغاني قديمة..سواح  وأنا ماشي ليالي.. سواح ..س أء  سواا ..أوووه ..أسف لا تزعل نسيت أنك لا تحب الأغاني المصرية.. ماذا تقول ؟ أنت لا تحب الأغاني كلها؟ ماذا ؟ لأنهم قالوا لك أن ذلك حرام ! لكن  أنا أحبها ولا يهمني.. اسمع..اسمع ..(غلط يا ناس  ..تصحووني ..وأنا نايم ..   وتقولوا لي تعال أس..  سمع.. وكيف اسمع وأنا نايم)..

 لا تزعل سوف أكف عن الغناء ولكن…. دعني أملي كأسي أولا.

هل تصدق أني رأيت ليلة البارحة حلما مزعجاً أرّقني جدا ومازالت ملامحه تخيم على ذاكرتي  ..إنه حلم غريب فعلا !ماذا تقول ؟ تريدني أن أحكيه  بكل تفاصيله!..إذن  اسمع ..ولكن  لا تقاطعني هذه المرة  حتى أنتهي من سرده لك .

تصور أني رأيت فيما يرى النائم  بأننا تبادلنا الأدوار!.. و رأيت أني  مسجى مكانك ، بعدما ابتلعتني الأرض عنوة إلى الأعماق ، وكأني قد إنخرطتُ عبر أنبوب حلزوني طويل ،سقطتُ بقوة عند نهاية الأنبوب على مؤخرتي ، داخل أرض مبلولة بالماء لكنني لم أختلط مع تربتها كثيرا  ..لقد وجدت نفسي مكبلاً ومربوط  اليدين والرجلين .

كان الظلام دامساً  إذ خيم على المكان .. وكان لا يوجد سوى فتحة صغيرة  لا يدخل منها سوى ضوء خافت  جدا على شكل بقع صغيرة تتحرك في خطوط مستقيمة،وكأنها تطارد لاعبات باليه وهن يرقصن على مسرح معلق أعلى بحيرة كبيرة خضراء ..قمت متثاقلا ورأسي زكم خوفا وتساؤلات  ..رأيت منشار حديد ولم  أتوانَ  في الذهاب باتجاهه .

        كان لي طوق نجاة أول ، قطعت به القيود التي أسرتني  وما إن تمكنت من ذلك إلا وقد هربت  مسرعا في كل الاتجاهات ..كنت أحاول تلافي الجدران وهي تلتحم مع بعضها البعض  في جهة وتنفرد في جهة أخرى ، محدثة بذلك دويا قويا،وكأن زلزالا  أحل بمدينة قديمة، كانت الأشياء تتساقط ، وكان التراب يمطر من كل جانب ، وكأن ذلك في ليلة عاصفة  .

كنت أتنقل بين الزقاق والدهاليز بخفة ورشاقة  وكأني غزال بريّ يهرب من أمام ذئاب تجري خلفه .. شاهدت طيوراً سوداء تلاحقني لها منقار أصفر طويل على شكل مخلب  يقودها طائر ضخم أشبه بتنين كبير ..زدت في سرعتي بخطوات كبيرة إلى أن وجدت المكان الذي كنتَ  ترقد عليه ،وكان خط سمك مطبوعا عليه بحبر أزرق كبير..سعيد خلفان البضواني .. كان مغطى  بالحشيش الأخضر ،حينها جلست مضطجعا على جانبي الأيسر وقد اختفيت بداخله بينما كنت أخرج  رأسي بين الفينة والأخرى لأشاهد ما الذي يحدث بالخارج .

تصور لقد رأيتهم يبحثون عني في كل مكان! ومازالوا يضعون النظارات السوداء على أعينهم وقد كان الواحد منهم يحمل عصى خيزران ، ويتهدد ويتوعد ..وكأن الأرض ملك يمينه .

استمر الحال إلى أن يأسوا من الوصول إليّ ، تجمعوا بعدها دفعة واحدة ونطقوا بصوت واحد ،يجب أن نعثر عليه بأي حال من الأحوال ،ثم ذابوا ، كنتُ قد حبستُ أنفاسي طويلا ،وقد جمدت مكاني دون حراك …وانأ أردد بصوت منخفض ..( أبول عليهم وأسكر .. وسأبول عليهم وأسكر )..  إلى أن  غابوا عن نظري  وقد سكن كل شيء تدريجياً.

ماذا تقول ؟.. ماذا حصل بعد ذلك ؟سوف أُخبرك ، ولكن دعني آخذ نفسا عميقا أولاً.

 ..هاأنذا أتنفس .. أسمع  سأخبرك ..نععم .نع .م  .. إني تذكرت  الآن.. لقد زارني بعد ذلك رجلان  لهما لحىً  بيضاء طوال تبلغ أسفل سرتهم  ..يشبهان بعضهما في الصوت والصورة.. يتكلمان لغة واحدة وبصوت واحد!ويتحركان حركة واحدة عندما ينطقان وكأن أحدا ما يحركهما بجهاز من بعيد فهما أشبه برجل آلي ..كان كبر شارب أحدهم هو الفرق الوحيد بينهما..لقد طلبا مني الوقوف ثم أمسكاني من الأطراف وشداني بحزم وقوة كل في اتجاه مختلف ،تصلب لها ظهري ألما وعرقا وأنا أرتعد من شدة  الخوف.

قالوا لي :لقد جئت برجليك إلى هذا المكان ولابد من حسابك ..نعم.. نعم .. لقد لكمني أحدهم على أنفي حتى سال الدم ،ثم طلب مني أن أقلد صوت الحمار.. وصوت الكلب ..لقد ضحكا علي كثيرا وأنا أمشي على أربع مثل التيس بعدما طلبا مني تقليد ذلك .

ماذا تقول؟هل كانوا يتكلمون اللغة العربية ؟ لا أدري إن كانوا كذلك .. المهم كنت أفهم  ما يقولون وحسب.. إنهم يشبهون  أُناسا أعرفهم من بعيد .. إني أتذكر  أحدهم  الآن.. إنه يشبه جارنا مسعود.. إمام مسجد حارتنا الذي كان يكتب الرسائل كل يوم ويبعثها عبر البريد لأماكن يرفض  البوح بها .

طلبوا مني أن أخبرهم عن حال الدنيا وحيث  أعيش  في الخارج..نعم ..نعم ..قلت لهم ..أنا الذي آمنت في يوم من الأيام  بأن جروح  الآخرين هي جروحي، وقد كنت أسبح داخلي لكي أمنع صدى التيار من أن يؤذي المحيطين حولي ،تركوني وقد خلفوا لي لذة الطيران إلى المجهول .

 إنهم يروني وانأ استرق بقايا طعامهم من مخلفات القمامة كي أكافح بها وجع الحياة ..أجمع بقايا علب الكبريت كي أشعل بها دفء الأيام الباردة..لقد خاصمتني القطط كثيرا وأنا أجمع بقايا رؤوس الأسماك من بين يدي الأطفال الصغار الذين تعج بهم (كبرة ) السمك ..لكي أطهيه على هذا القدر الذي لم يعرف طعم الغسل منذ أن نُصّب  على هذا الموقد ..بينما هم  يختارون  رضعان الخراف يضعونها على موائدهم ..يتلذذون  بها وقت نشوتهم ، ثم يجوبون بسياراتهم  الفارهة عباب الشوارع الجميلة متفاخرين بذلك .. لقد عرفني سماسرة الخردة لأنني جندت نفسي كي  أجمع لهم علب الصفيح المرمي في علب القمامة كي أسد بها رمق الحاجة  .

سامحني يا رب .. لأني  كنت أتحايل على هؤلاء السماسرة بوضع حبيبات الحصى داخل  علب الصفيح كي تَرجحُ  أكثر في الميزان بعد أن أدعص العلبة  كي لا تنكشف اللعبة  .. كان ذلك من أجل زيادة  وزنها وقيمتها.

الغريب في الأمر أنهم كانوا يرددون كثيرا بصوت واحد أن البشر متساوون في الحقوق والواجبات .

انتظر لا تتكلم..انظر! يا إلهي ؟! إن القِدر يرغب في الكلام !..لا تقاطعنا ، دعنا نسمع ماذا يريد أن يقول ؟

يقول.. لماذا نذكر سيرته دائما ؟ إنه يشتكي لماذا لم أطبخ  فيه لحما طازجا منذ أكثر من عام..إنه يتذكر تلك الوجبة الدسمة عندما لم أستطع مقاومة روائح الشواء المنبعثة  من مزرعتهم وسرقت فخذا من خروفهم  ليلة احتفالهم  وطبخته عليه وقد ظنوا أن ذلك كان من فعل القطط.

أنت تضحك أليس كذلك ؟دعني أنا أيضا أضحك ..إني أضحك .. ههه .. هههههه .. هههه لا عليك دعنا من القِدر وسأعود لتكملة الحُلم .

  لقد أخبرتهم أني لم أذق طعم  ( الكبتشينو )طوال حياتي ولم أقلّب رغوته في المقاهي  الفاخرة  أنت تضحك من ذلك! ماذا تقول ، ألا تعرف الكبتشينو ..إنه بديل القهوة السيلانية عند المتمدنين من علية القوم .هل تصدق أن الفقراء هم أكثر من يشربونها بشراهة  عند نهاية الشهر .

ماذا تقول؟  لماذا نهاية الشهر! لن أخبرك بذلك . عنادا ً فيك …ماذا تقول ؟  أنا أختلق  الأعاذير لنفسي فقط.. لا تقل  لي ذلك وإلا زعلت منك .

لا عليك ..دعني أعود إلى نفس الحديث ..أخبرتهم عن حال صديقي سالم  قبل أن يرقد هناك  في آخر المقبرة …دعني أبكي قليلا..إنني أبكي الآن  وأنا أتذكر سالماً ..سالم المهووس بإصلاح الأجهزة  الكهربائية .. كم كان بارعا في ذلك .. لكنه لم يستطع أن يواصل وانطفأت موهبته لأنه لم  يجد من يأخذ بيده .كان يمكن أن يصنع أشياء قد لا يتخيلها العقل  .

 قال عنه المدير إنه فاشل وتسبب في طرده من المدرسة..أتريد أن تعرف السبب..لأنه بكل بساطة لم يوافق على  إدخال الخيط في خرم الإبرة  ..رغم محاولات المدير جره  لذلك أكثر من مرة .

لكم كانت الحياة معك جميلة  يا سالم!ماذا تقول ؟ هل كان صديقي ؟ نعم إنه صديق .. بل صديق  طفولتي وكنت معجبا بحيويته ونشاطه.

انتظر .. انتظر.. إني أحس الأرض تهتز وترتجف !.. يا إلهي  ما الذي يحصل!  انظر في الجانب الآخر! أرى ذاك القبر ينفتح !يا الله إنه يخرج رأسه ..أنا خائف ، إنه يقف منتصبا ويمد يديه نحونا !.. أنا خائف جدا.. دعني أبل على نفسي  ..نعم لقد بلت .. ها أنذا أشعر براحة نفسية .. إني أهدأ لآن ..يا إلهي  إنه يسير بخطى متثاقلة .. وكأنه رجل آلي ..إنه  يقترب منا كثيرا.. لماذا تقول لي  لا تخف !  أنا لست خائفا..ماذا تقول؟ أتريدني  أن أستمع لهذا المخلوق؟عجيب!.. أتقول  إنه صديقي  سالم !..و يود محادثتي !لكني أعرف أن الأشباح  لا تخرج إلا في  منتصف الليل ..لقد اقترب كثيراً .. إنه يتبسم .. الحمد لله إنه فعل ذلك .. إني أتشجع الآن كي أصافحه.. أهلا.. أهلا .. صديقي سالم أهلا.. دعني أحضنك أولا ، نعم لقد اشتقت إليك كثيراً  جدا .. ألا تتذكر عندما كنا صغاراً نرتع ونمرح معاً..نأخذ بعضاً من ذلك التراب المسمى المدر نعجنه بالماء وننفخ فيه جسداً على هيئة حصان أو جمل  لنلعب به ونلهو  لا أكثر .

هل تتذكر كم مرة قالوا لنا عندما يمرون بنا أن ذلك لا يجوز وحرام .. لأنه  سيطلب منا إحياؤهم يوم القيامة وسندخل النار بسبب ذلك !..لكنك لمن تعر قولهم أي اهتمام،كنت ترد عليهم بصمت.. أستغفر الله  وهل سيطلب الخالق من المخلوق ذلك؟ .. لا عليك يا صديقي ..دعني أودعك لأني ذاهب إلى تلك القلعة..

        ..ها  أنذا  أقف الآن  في أعلى مكان مرتفع  ، إني أنظر الآن إلى الجموع الجالسة في صفوف متقاربة مع  بعضها البعض وكأنهم في طابور عسكري ينتظرون الأوامر من قائدهم .

 إني أشاهدهم وأميزهم الآن من بين خلق الله ..إني أعرفهم واحدا واحدا ، إنهم مازالوا يضعون تلك النظارات السوداء على أعينهم رغم أنهم  يقفون الآن ضمن صفوف المحتشدين .

        يا إلهي  ! ..نظاراتهم تزداد سوادا أكثر فأكثر ! ولحاهم أطول من ذي قبل..إنهم …  أكثر عن المرات السابقة..أنا أعرفهم تماما لا يأتون هنا إلا لغرض في نفوسهم.

        لكن قل لي بربك لماذا ملابسهم ناصعة البياض.. وهل يخفي بياض ثيابهم ما فيِ أجسادهم…إني أرتعش الآن من نظراتهم المتلاحقة نحوي ،إنهم يعلمون بوجودي ا ..انظر إنهم يرفعون أيديهم للسماء ويتمنون بفارغ الصبر قدوم اليوم الذي يرتاحون فيه مني..سأبول عليهم..

إني أبول الآن انظر!.. إن البول يسيل من بين ركبتي   ..إنه يتدفق مثل ماء الصنبور ..بل  يزداد غزارة ..إنه يتجمع  في تلك الحفرة القريبة منا.. بل يتجاوزها ..إنه يزداد تجمعا أكثر فأكثر.. أرى المكان  يمتلئ.. إنه يتدفق مثل ماء الفلج..إنه  ينزل  إلى الطابق الثاني ..يا للعجب لقد تحول إلى واد جارف.. أراه  يملأ  الغرف ويلطم الممرات..لقد تجاوز السلم الأول  إلى الطابق الأرضي..يا إلهي..لقد أصبح كالبحر العظيم..إني أرى الجدران تتصدع وكأن لمع برق قد أصابها..هيا.. هيا.. دعنا نخرج من هذا المكان..أين اختفيت ..لماذا تهرب  في هذه اللحظات..إني أراه  يثور كالبركان..سوف أصعد للأعلى عبر ذلك السلم . إني أقف لآن على درجة السلم الأولى .. أشعر وكأنها تحادثني ..تود أن تقول شيئا غير عادي.

         إنها تتذكر  كم مرة مروا من هنا وصعدوا لكنهم لم يصلوا إلى مكان.. ِاسكتي أيتها  الحقيرة  فأنت لا يحق لك الكلام .. لأنه ممنوع  الكلام مع أمثالكِ ..  لقد تجاوزتكِ أنت وبقيت أخواتكِ .. انظروا جميعا إني أقف في الأعلى  .. انظر لقد جرفهم الماء جميعا و غرقوا .

 لقد تخلصت منهم .. أنظر أني  أفرد جناحي  سعادة بذلك.. إني أطير وسأظل أطير ..

0 1724 29 فبراير, 2012 العدد الثاني والعشرون, حداء الروح فبراير 29, 2012