استيعاب عماني لعيدٍ جريح

لـ

لحظة،

بينما أنظرُ من بعدٍ كافٍ لاستيعاب هذا المشهد أجدُ كل شيء يشدني من كل جانب كي أغرق في تفاصيله، ووسط مقاومة الجاذبية تولدُ هذه الكلمات، وكلما خسرتُ رهاناً مع نفسي، أرفعُ الرهان، مع نفسي!

لا فائدة ترتجى من استعادة ما هو معروفٌ ومعلومٌ لدى الجميع، ولا فائدة ترتجى أيضاً من إنكارِ ما يحدث أو اعتبارهِ كأن لم يحدث، كل ذلك محضُ خداع، لأن ما يحدثُ يحدثُ حقاً، وهنا اليوم صورة جديدة، أكثر وضوحاً وشمولاً وغنية بالتفاصيل وكافية كي نفهم ونعي، ونتصرف بناءً على وعينا وفهمنا.

وفي الأثناء هناكَ أسيجةٌ ممدة في كل مكان، وشباكٌ منصوبة، كل من اقترب منها وجدَ نفسهُ يدلفُ من باب قيادة الشرطة في القرم، ويتجرجر بين سجنٍ سريٍّ وعلني، وتهمةٍ وشائبة شكٍ وظن، عليه أن يحققهُ أو ينفيه، ويطلب الرحمة ممن يتهمونه كي يصدقون قلبهُ ونواياه، لكن الكل أصم، الجميع لا يريدون الإصغاء أو بالأحرى لا يستطيعون سماعه، عاجزين عن فهمه، وعن فهم ما يريد، والكل يتهمهُ بتهمةٍ جديدة وقضيةٍ شائكة تمس الأمن القومي للبلد!!

أحقاً أننا، نحنُ العمانيين في 2012 وصلنا هنا؟ يقول بعضي لا أصدق، ويقول بعضي الآخر: بل صدق ما تراه عينك. هذه هي عمان 2012. وأنا نفسي لم أتخذ قراري بعد، وأحب أن أجعل الأمر معلقاً مزيداً من الوقت، ربما لأنني أرفض الخيارين المتوجبين على التصديق والتكذيب.

حسناً، في لحظة ما يبدو أن هناك هجمة بوليسية لن يسلم منها أحد، تهدد كل واحدٍ تحدثهُ نفسهُ بانتقاد أدنى توجهٍ أو تخطيط أو تصرفٍ من تصرفات السلطة، لكن لا أحد يجرؤ حتى على الاعتراف بأن هذا المنطق البوليسي الأمني يقودنا، بالعكس، نحنُ أنفسنا ننفي ذلك، بتصرفاتنا وبأقوالنا وبمقالاتنا المتزايدة كهذه المقال، كل ذلك يشي بأننا أحرار في بلدٍ حر. مع ذلك وفي نفس الوقت هناك العشرات من الشباب الغض أصدرت عليهم المحكمة الابتدائية في الخوير أحكاماً قاسية بالسجن لمدة سنة، كل جريرتهم وذنبهم أنهم عبروا عن مشاعرهم وما يجول في أذهانهم على شبكة الانترنت. أو في رصيف شارع حاملين بضع لافتات تنادي بكفالة حرية المواطنين بالقانون.

في لحظة،

يبدو هذا الاصطدام كأنهُ تسوير جديد، كأنما نصطدم بأسوارٍ خرسانية عالية لا تسمعنا ولم تعد تريد أن تسمعنا وبالتالي لا ترغب في التفاهم معنا، لا تحاورنا إلا بالبيانات والقوانين والمحاكمات، ولكن هذا الطريق مختلف عما نريده، هذا الدرب وهذا النوع من التصرفات يقود بالتحديد لمشروع مخيف ومؤسف وانتكاسي هو عسكرة الدولة، وإذا تحول الوطن بأكمله إلى ثكنة عسكرية تنفذ فيها الأحكام العسكرية فإن أول الممتعضين من ذلك هم العسكر أنفسهم؛ هل هذا هو حقاً طريق الوطن في الغد؟ وهل هذا هو الطريق المتمدن الحضاري المؤمن بقدراته والواعي لإمكانياته، والمستوعب تماماً لمعنى الحياة؟

دوماً ما فشلت أعتى الدول البوليسية في العالم، ليس في الزمن المعاصر والقرن العشرين وحده الذي نستطيع أن نعد فيه من ألمانيا ما قبل وبعد هتلر وألمانيا الشرقية إلى الاتحاد السوفيتي إلى أمريكا التي حاولت أن تمثل دول شرطي العالم الكبير، ثم تراجعت عن هذا الدور، ليس في هذا العصر وحده، بل في كل العصور الممتدة، من أقدم الحضارات كانت تسقط دول العساكر مرةً تلو مرة، تصلُ نقطةً وهمية عليا ثم تنهار جارّةعلى البلاد خراباً وفوضى وفساداً، ولا تفوز في الرهان حتى الدول المخابراتية، الممولة بإسراف مفرط والتي تحرس حتى أحلام المواطنين ولغتهم وضحكاتهم ونكاتهم سواءاً في العراق الصدامية أو في سوريا الأسدية، أو مصر العسكرية، أو تونس الأمنية، كل تلك النماذج المتغطرسة بالقوة العسكرية والأمنية وبالعقل العسكري الأمني تسقط مرة تلو أخرى. وحان لمن يرى ويلمس هذا الدرس التاريخي العالمي الطويل أن يستوعبه.

لا تستطيع أي قوة عسكرية مهما بلغت من التنكيل بأفرادها وشعبها أن تبني حضارةً وتحضراً، وكل هدف من هذا النوع هو مجردُ وهم، أحمق، ومشروع مجنون، يضحي بدماء الناس فداء فكرةٍ عسكرية واهمة.

ما الذي سنصل إليه إذن من محاكمة العشرات بكلمات كتبوها أو قالوها، أو من تلفيق التهم على شبابٍ وقفوا مع الحق وروح العدالة، بتهمٍ مضحكة، تكتسب ثقلها الوحيد من ثقل السلطة التي تطلقها وسكرة القوة التي تعميها عن الحقائق، تستطيع السلطة ولديها القدرة الكاملة كي تزج بأعمار الشباب لعشرات السنين في السجن، وليس لسنة واحدة كما هو الحال مع متهمي هذا العام، أو لخمس سنوات كما هو الحال مع متهمي العام الماضي، لكن ماذا تجني السلطة من اعتقال كل من يعارضها؟ هل ستحكم السلطة ثكنة عسكرية؟ بلداً على هيئة قاعدة عسكرية؟ مليئة بالأوامر والمخاوف والحياة السرية المختبئة الخطرة التي تربي فيروسات الفساد، وهل ذلك حقاً مفيدٌ جداً للاستثمار إلى الدرجة التي نضحي فيها بثرواتنا البشرية المتنوعة والزاخرة والحية والمكتنزة بالقدرات المبدعةلنحشرها كلها في حياة الجندي الضيقة البسيطةالتي تخوم أحلامها قبل أن تنتهي وتموت أن تحصد رتبة عليا أو ميدالية شرف ثم فوق ذلك كله لا يستطيع الجندي المخلص حتى أن يسمي المعسكر بيتاً، ولا وطناً ولا يستطيع حتى أن يُحب المعسكر، بل يهرب منه على الدوام!

تستمد السلطة المتغطرسة، أي سلطة كانت، قوتها من ولاء من حولها، وليس للسلطة المتغطرسة أي قوة إلا بترغيب وترهيب وتدجين هذا الولاء الشكلاني، هذا الولاء الذي لا يستطيع الصمود حين تحل الكارثة والأزمة، وفي الكارثة والأزمة سرعان ما يدب التفكك إلى ذلك الولاء بالتحديد ويتبدد وينقلب أشد خطراً وفتكاً وخسة من العدو الصريح، كما رأينا فيمن هرب وسقط عن الرؤساء الذين سقطوا وبادوا وسُجنوا وهربوا، وكل تلك مصائر وأشكال للسلطة العمياء عن النقد، والتي لا تريد أن تسمع أو تصدق إلا صوتها الواحد.

لكن،

لماذا تصاب السلطات المتغطرسة بانشقاقات في داخلها؟ في صلبها وعمودها الفقري؟ في المتعيشين من خيرها وكرمها؟ أليس ذلك بدليل كافٍ على أن هذا النوع من الولاء ليس ولاءً لفكرة ثابتة وراسخة، ويعجز بل ولا يستطيع أن يكون ولاءً لفكرة ثابتة وراسخة، لأنهُ ولاءُ للذات الداخلية وللذات العليا، وكل ولاءٍ للذات هو ولاءٌ أناني، ولاءٌ من أجل المصلحة الذاتية التي حين تهتز يسقط كل ادعاء الحب الزائف. فالولاء الحقيقي هو الحب المنبعث لا المكتسب، ولا حُب يأتي بالترغيب والترهيب، ولا حُب يُبنى على الأنانية التي تصيرُ عبدة وخادمة لذاتها قبل أن تصير عبدةً وخادمةً للسيد والسلطة. ذلك الولاء يضم أشنع الصفات إلى نفسه، خاصة المغالاة في إظهار الولاء، وتلك المغالاة في النفاق والتشدد في الولاء الشكلي تفضح خواءالداخل من ذلك الولاء، وكلما خلا صدر المرء مما يدعيه حاول أن يبرهنهُ بالأشكال والأفعالالخارجية.

منذ العام الماضي حددنا المشكلة الحقيقية التي تواجه بلدنا وتبدد طاقاتها وثرواتها، وهي الفساد، وكانت مطالب الشباب تشكل علامات للخطة وللطريق، خاصة في الاقتصاد الوطني الذي هو مربطُ كل مربط فرس، وهذا العام رأينا أين يقود الفساد الذي يستقوي بإصغاء السلطة إليه وتصديقها لأقواله، رأيناه في إضراب عمال النفط العمانيين، وفي إضراب عمال الشركات الكبرى الأخرى الوافدين، وهو ليس إلا مؤشراً بسيطاً إلى مكمن الضعف الذي قد يهدد كيان اقتصادنا، بربكةٍ للمرة الأولى، لكن في المرات القادمة لن يأتي بمقدمات، لأن زمن المقدمات ولى الآن ونحن تماماً في اللحظة الحاسمة ونهاية الفرصة التي تتناثر من بين أيدينا بفعل استغراقنا في تصنيف الناس إلى موالين للسلطان ومسيئين له ومعادين، في منطقٍ يفضحُ انشغالنا بالصغائر عن عظائم الأمور.

نحب هذا الوطن ونخشى عليه كما نخشى على أرواحنا، وعمان هي جزء لا يتجزأ من دمنا، ونحنُ نحبُ هذا النوع من الدماء الحيوية التي تجعلنا نخرجُ أجمل ما فينا خدمة لها، ونبدعُ كي تكون جميلة، ونصدق كي نعيش في صدق يبنى عليه كل ما هو صدق، وحق.

لن يقود هذا النوع من التصرف الأمني (الدفش) إلا إلى زيادة الطين بلة، وعندها يكون البلد بأكمله معرضاً للانزلاق السريع الذي قد لا نتلاحقه قبل أن نجد أنفسنا في هاويةٍ لا نستطيع الخروج منها سالمين.

استهداف خيرة الشباب العمانيين المعاصرين وزجهم في السجون مع سبق الإصرار والترصد بحجة تهمٍ أوهى من نسج العنكبوت، لن يحمي أخطاء الحكومة من النقد والفضح، ولن ينهض بالشعب ولن يفيد البلاد في أي شيءٍ كان، لا في تمكين القوانين المزعومة الصرامة لأنها أقل من شروط العدالة الحقيقية، ولا في اعطاء فرصة أكبر للسلطة باسكات بعض الأفواه، لأن فم الخطيئة ناطقٌ لوحده، وما حدثَ منذ إضرابات النفط إلى الآن هو أننا سجنا الرسول الذي جاء يحذرنا من المشكلة، واتهمناهُ أنهُ هو من تسبب في تلك المشكلة، وما هكذا يُعامل شبابُ الرسل ولا هكذا تُحل المشاكل.

ليست مشاكل عمان اليوم صعبة أو معقدة على الحل، وكل ما نحتاجهُ في ملك أيدينا، ولا يحتاجُ منا إلا يقظة ضمير، واعترافاً بالخطأ، ثم محاولة علاجه، وبدون ذلك سنظل نعادي قوانا الجديدة، ومهاراتنا الشبابية المبدعة، وبالتالي نقتل فرص الوطن الذي نحبهُ ونعشقهُ جميعاً في المستقبل، لأننا ببساطة نقتلُ الإبداع وروحه في دم شبابه، وإذا مات دم الإبداع في شباب اليوم فمن يكفل الإبداع والحضارة في الغد؟

حان أن يتصرف ويتكلم من في نفسهِ تستقر الحكمة، وأن ينصح كل من يستطيع النصيحة، ومن لهُ قلبٌ عطوف على هذا البلد ويُحب الخير لهذا الوطن، فالخير لا نصلُ إليه بسلوك درب الشر، وإذا ضاق صدر السلطة اليوم فكيف لظهرها أن يحتملالعبء والمسئولية الملقاة عليها؟

لحظة، من الخير نحتاجها جميعاً، كي نزرعها في بلادنا بأقوالنا وأفعالنا توقظ فينا حُب الخير، ومن يُحب الخير يؤمنبالخير وينهض به، ويحميه من كل سوء وفساد، ويتحمل في طريقه كل شوكٍ وأذى واحتقار، وبذلك ينتصر الخير، فلا خير ينتصر بالشر.

كل عام وعيد عمان بخير وفي خير.. ولا عيد بلا شباب.

0 1470 11 أغسطس, 2012 الثامن و العشرون, سياسة أغسطس 11, 2012