الإسلام والليبرالية (5/2)

لـ


Modern_Islamic_Art_by_reshad80

الإسلام والليبرالية (توضيح الواضحات) (5/2)


د. زكريا بن خليفة المحرمي


قشع الضباب المخيم على المفاهيم هو السبيل الأقرب إلى كشف الحقائق ورصد المضامين، وكثيراً ما تسبب اختلاف المعاني إلى تباعد الرؤى والأفكار وبالتالي القطيعة والصدام. قد نتوهم في البدء أن  مفهوما الإسلام والليبرالية من الوضوح والانكشاف بحيث لا يستلزمان تحديداً من جديد، وربما يكون هذا الوهم حقيقة أو جزء منها، بيد أن الوقائع تشير إلى التباس بيّن حتى في تحديد مفهوم الإسلام فضلاً عما تحمله دلالة مصطلح الليبرالية من هلامية تم التطرق إليها من قبل باحثين كثر ما بين قادح ومادح. فلذا يلزمنا بداية تحديد مفهوم كلا من الإسلام والليبرالية حتى نستبين سبيل الشقاق بينهما ونستكشف طريق الوفاق إن وجدت.

الإسلام هو منهج حياة إلهي، جاء ليرفع الظلم ويقيم العدل وينشر السعادة والرخاء، دستوره النص الإلهي الخالد المتمثل في القرآن، وشرائعه وأحكامه شرحها النبي الكريم وفق حكمته فتناقلتها الأمة جيلا بعد جيل، وحين الاختلاف في الفهم وثبوت النقل عن النبي يكون النصي الإلهي وحده -لا سواه- هو الحكم والفيصل.

لا قدسية في الإسلام سوى للنص الإلهي، ولا حصانة فيه سوى لشخص النبي وهدي حكمته، أما غيره من البشر فإنه يأخذ من قوله ويرد حسب موافقته ومفارقته للنص الإلهي.

الناس متساوون في الحقوق والواجبات كل حسب كفاءته واستطاعته. أما العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فإنها محكومة وفق قواعد حرية الإرادة، والتراضي، والعدالة، ورفع الظلم، ودفع الضرر، والتوثيق، والشفافية، والتعاون على البر والتقوى والتناهي عن الإثم والعدوان.

أما الليبرالية (Liberalism) فتبدأ فصول حلقاتها مع آدم سميث (1723-1790) الذي اعتبر الحرية الفردية والملكية الخاصة حق مطلق ومقدس، وتلاه ديفيد ريكاردو (1772-1823) وجون مينارد كينز (1883-1946) المنافح عما يسميه “دولة الرعاية”، وقد تطورت هذه الدعوة إلى فلسفة سياسية واجتماعية واقتصادية قائمة على استقلال الفرد وحرية اختياره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن مبدأ الحرية هذا تنبع بقية الحقوق كحق الاختيار (بمعنى حق الحياة كما يشاء الفرد، لا كما يُشاء له، وحق التعبير عن الذات بمختلف الوسائل، وحق البحث عن معنى الحياة وفق قناعاته لا وفق ما يُملى أو يُفرض عليه) حسبما جاء في موسوعة ويكيبيديا.

أما النظرة الليبرالية للعلاقات الاجتماعية فهي كما يقول برايان باري في كتابه “النظرية الليبرالية للعدالة”: (أن المجتمع يتشكل من وحدات مستقلة “الأفراد” تحكم ذاتها، وتتعاون فقط عندما تعمل شروط التعاون على تحقيق أهداف كل من أطراف العلاقة).

أما المؤسسات فإن الليبراليون كما تقول فيرجينيا هيلد في كتابها “أخلاق العناية” (يقترحون أنه علينا أن نختار مبادئ لتصميم مؤسساتنا التي سنقبلها كأشخاص أحرار ومتساوين وعقلانيين ونزيهين كلياً. هذه المبادئ والمؤسسات التي نتفق عليها تعاقديا لتعزيز السعي المعقول إلى تحقيق مصالحنا الفردية. ونستطيع أن نطوّر ضمن قيود القوانين التي توصي بها مبادئنا السياسية والتي تنفذها مؤسساتنا السياسية أي علاقات اجتماعية ومحبة نرغب فيها).

إما الإيمان فإن الليبرالية ترى بأن الإنسان له حرية اختيار ما يؤمن به، وهي مع ذلك تشدد على أن الإيمان يجب أن يكون فعلاً فرديا خالصا لا يتدخل في العلاقات الاجتماعية ولا في نظام السوق ولا في المؤسسات العامة والسياسية.

يرى البعض أن أول المنظرين لهذه الفلسفة هو الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وأنه أسسها على أربعة أصول (الحرية، والإرادة، والتعاقد، والقانون). وكما هو ملاحظ فإن هذه الأصول الأربعة لليبرالية لا تمثل اغترابا عن أصول الإسلام ولكنها أيضاً ليست بالضرورة منسجمة معه، فهل الحرية والإرادة الليبرالية هي ذاتها الحرية التي ضمنها الإسلام، وهل التعاقد والقانون الليبرالي هو ذات التراضي والشريعة الذي افترضتها نصوص القرآن؟ هنا يكمن شيطان التفاصيل الذي دائماً ما يجوس بخيله ورجله ليفجر فخاخ التأويلات المتعارضة والتبريرات المتناقضة، وإن لم نستعذ بالله منه عن طريق التجرد من الأحكام القيمية المسبقة والقراءات الغائية المترصدة فلن نخرج من حلبة التناطح الليبرالديني.

0 1326 07 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 7, 2010