وجوه، تأملات، مواقف: عمّا حدث/ يحدث/ سيحدث في عُماننا

لـ

–1–

قبل فبراير 2011 كان قد باع لهم روحه (تماماً وبالضبط كما فعل فاوست بطريقة لم يتصورها غوته نفسه)، فدعوه إلى مأدبتهم العامرة.

وقبل فبراير 2011 كان قد باع لهم عقله (تماماً وبالضبط كما فعل فاوست بطريقة لم يتصورها غوته نفسه)، فدعوه إلى مأدبتهم العامرة.

أما بعد فبراير 2011 فقد أضطر أن يبيع لهم – حاشاكم – عضواً أخر من جسده، يقع هذه المرة في نصفه الأسفل (وهذا ما لم يفعله حتى فاوست بطريقة لم يتصورها غوته نفسه)، فرموا إليه بعض عظام مأدبتهم العامرة.

وهذا ما يفعلونه دوماً مع كلابهم.

 

–2–

“انتظرتك

كأنك الليل” (فوزيَّة السّندي).

 

–3–

 

يا من يُذكِّرنا بأعداد المسافة بين الماضي والحاضر:  المستقبل سوف يحصيك، والأرقام ستبقى عنقاء إن في الجمر أو في الرماد.

إنني احذّرك من الجمر ومن الرماد معاً.

 

–4–

يذهب نيتشه، وهو بالطبع أحد أعظم فلاسفة نظرية السلطة في تاريخ الفلسفة، إلى أن مطالبة السلطة بالاستقالة من شهوة البطش، والإخضاع ، والسيطرة، والعسف، والإذلال، والإمتهان، والإهانة (“الدولة هي أكثر الوحوش بروداً” كما يقول في إحدى مآثره) لأمرٌ لا معنى له، وهو من الغباء الشديد بمكان.  إننا نعلم ذلك جيداً في النظرية وفي التطبيق، ولا أحد يستطيع أن يطالب الصقر أن يكون حمامة.

لكن في المقابل، فإن على السلطة أن تعلم بدورها ان معارضتها السياسية، ونقدها، ومساءلتها، وكشف أخطائها، والصراع بين الأنا والآخر (من منا، مثلاً، يستطيع أن ينسى المشهد التأسيسي الرهيب في فيلم ستانلي كوبرِك الخالد “2001:  أوديسا للفضاء” حين تصعد العَظْمَةُ العارية إلى السماء بالحركة البطيئة – وحيدة، وقاسية، ومغدورة — وفي الخلفية الصوتية للمشهد يعزف شتراوس مقطعاً من “هكذا تكلم زرادشت” التي استوحاها بنفس العنوان من عمل نيتشه المعروف) قد بدأ كله بكافة الأشكال منذ تشكل المجتمعات البشرية البدائية في عصر ما قبل التاريخ وصولاً إلى ظهور نظام الدولة في عصر لاحق، بما في ذلك عهد وميثاق الدولة الديمقراطية.

  ليس هناك من “جمهورية فاضلة” على وجه الأرض (وللأسف الشديد فإن بعض الحالمين السُّذَّج يشيرون إلى عمل إفلاطون الشهير هذا حين يستهويهم وهم الوهم، وهم غير مدركين ان “جمهورية إفلاطون” ليست، في الحقيقة، سوى النموذج التخطيطي الباهر لأول ديكتاتورية مطلقة في التاريخ، ولذلك فقد أقصى الشعراء منها لأنهم “مصدر مشاكل” دوماً، ويعيشون على المُثُل.

وبهذا، فإنه إذا كنا نعلم طبيعة السلطة، ونُسَلِّمُ بها، ولا اختلاف لدينا مع المنطق الجوهري القائمة عليه، فإن على السلطة في المقابل أن تراجع حساباتها (غير الدقيقة على الإطلاق) حين يتعلق الأمر بطموحات الإنسان، وآماله، وأشواقه نحو الحق، والعدل، والحب، والخير، والجمال، والتي لم ولن تحدّها تخوم أو سجون (بما في ذلك سجن “الباستيل” قبل الثورة الفرنسية، وسجن سمائل المركزي حالياً بعد أحداث الربيع العماني).

إننا نفهم السلطة فهماً جيداً.  لكن السلطة لا تريد أن تتفهمنا أبداً (وفي هذا فإنها لا تريد أن تفهم نفسها أيضاً).

سيستمر ذلك حتى دخول الأرض في عصرها الجليدي الآتي في موعد يختلف العلماء على تقدير وقت حلوله.

 

–5–

خمسة اقتباسات من كافكا أظن انها وثيقة الصلة بالموضوع:

  • “لا تَقْنُط حتى ولو كنتَ لا تَقْنُط”.
  • “إن من يبحثُ لا يَجِدُ، ولكن من لا يبحث سوف يُوجَد”.
  • “على المرء أن لا يَغُشَّ أي أحد، بما في ذلك عالَمُ انتصاره”.
  • “إذا عِشْتُ إلى الأبد، فكيف سأعيش غداً”؟.
  • “لا يستطيع كل أحد أن يرى الحقيقة، ولكن كل أحد يستطيع أن يَكونَها”. (ترجمتي)*.

 

–6–

يا زرقاء اليمامة، يا من ترين متى، وأين، وكيف تتحرك الأشجار من غير جذوع ولا أنساغ:  إني قصدتك حزيناً، ومكلوماً، ومغدوراً، فأعيني حمامتينا على السماء التي تزداد ابتعاداً، وتسرف إيغالاً في الصدور في آن الوقت.

يا زرقاء اليمامة:  لا تخذليني.

 

–7–

يا هذا:  لماذا نسيتَ انك أخي وابن عمي؟.  لماذا تنسى أن من أرضعتنا هي نفس الأرض؟.

 

–8–

يقولون لنا:  لقد عقدنا صفقة مع الفضاء تمكنَّا بموجبها من الحصول على الهواء الذي تتنفسون، فأرونا فروض الطاعة والولاء.

يقولون لنا:  كلا، لم يتم نهب كامل حمولة ناقلة النفط تلك، إذ أبقينا على بعض “الدرامات” لكم، وبنينا بها مستوصفاً طبيَّاً لأجل خاطركم، من أن لا تتوحم الحوامل على “البندول”، فارقصوا فرحاً حتى تتساقط مؤخراتكم.

يقولون لنا:  “والغاز أيضاً”.  نقول لهم:  “وما هي صفقة الغاز هذه بالضبط”؟.  يردون علينا:  “عيب عاد يَ الفارطين، تراه كل واحد في بطنه غازات”!.

يقولون لنا (بعد أن وصل الإنسان إلى القمر):  صار في وسعكم الآن اقتناء النَّظَّارات الشمسيَّة وأجهزة الراديو، بل والتجول في مسقط بعد الغروب من دون الاضطرار لحمل الفوانيس، فهللوا، وكبِّروا، واركعوا، واسجدوا امتناناً وعرفانا.

يقولون لنا، يقولون لنا، يقولون لنا.

آه من كل الذي يقولونه لنا.

أما كافكا فيقول لنا:  “إن ما هو ملقى على عاتقنا هو إنجاز السالب، لأن الموجب قد تم تحقيقه وانتهى الأمر” (ترجمتي).

 

–9–

أحبك

ليس لأنك القنديل

بل لأنهم الظلام

أحبك بمقدار ما رحلتَ

وبمقدار التراب الذي يترحّل في دمك.

 

–10–

“كلما صعدنا عالياً بَدَوْنَا صغاراً لأولئك الذين لا يستطيعون الطيران” (نيتشه).

 

–11–

فكرة “الأقليَّة الهائلة” التي سَكَّها الشاعر المكسيكي العظيم أوكتافيو باث لا تنطبق على الشِّعر وحده، بل تتعدى ذلك لتشمل العمل الوطني في الميدان، إذ أن فعل المقاومة والاحتجاج الإنساني، والأخلاقي، والوطني لَفِعلٌ شعري في المقام الأول.

يرضينا تماماً أن نكون “الأقليَّة الهائلة” في الساحات، والشوارع، والمنتديات الإليكترونية، والضمائر الحرة، والأفكار المستنيرة والمنيرة (“أنا لا أستطيع أن أموت، لأن لدي فكرة عظيمة”، هذا ما قاله متصوف يهودي لطبيبه الذي – بعد أن فحصه – فاجأه بأنه في مرحلة متقدمة من الإصابة بالسرطان، وانه لم يبق امامه سوى أسابيع قليلة على الأرض.  هذه الحكاية الحقيقية مثبتة في إحدى رسائل كازانتزاكيس إلى هيلين، ترجمتي).

وستترك “الأقلية الهائلة” للسّيل ما يشاء من غثاء.

 

–12–

قبل فبراير 2011 كان لسان حال السلطة هو نفس حال لسان هاملت:  “لقد كدت أن أنسى طَعْم الخوف”.

بعد فبراير 2011 صارت السلطة تُنَوِّعُ على شكسبير هكذا:  لم يعد الخوف يجيؤني من عيون هؤلاء الفتية الأحياء فحسب، بل حتى من عيون أسلافهم الموتى.

 

–13—

(أ)

“على العدالة أن تسائل نفسها دوماً” (ديفيد هوسب، ترجمتي).

 

(ب)

يا 17/10/2012 (ويا لها من “صُدفة موضوعيَّة” على طريقة المصطلح الفلسفي الديكارتي انك يوم أربعاء كذلك – وكم فيك وكم فينا من ضغائن وآمال يوم الأربعاء– وانك أيضاً توافق الاحتفال بذكرى يوم المرأة العمانية، حيث تمثل أمامك، ضمن من سيمثلون، اثنتان من أعز أخواتنا وأخواتك، ومن خيرة نساء هذا البلد المعطاء برجاله ونسائه، وانك أيضاً، يا 17/10 التاريخ الرسمي لقيام الثورة البلشفيّة التي غيرت مجرى التاريخ):

لا شك انه ليس أمامك وليس أمامنا سوى خيارين لا ثالث لهما – إما أن تتثبَّت منَّا، وإما أن نتيقَّن منك.

إما أن سوء الظن سيذهب إلى حسن الطويَّة حيث الوطن.  وإما أن يذهب الرماد إلى الرماد حيث تُوَلِّد ماكِنة الرماد المزيد من الرماد للرماد .

  وبعد ذلك ستمضي، ونحن أيضاً سنمضي.

 

(ج)

رُبَّ قائل يقول:  ولماذا هذا التشاؤم ومحاكمات الاستئناف لما تعقد بعد؟.  لماذا هذا التيقن المسبق من أن الأحكام ستكون سلبية؟.  أقول:  هذا صحيح، والمرء يتمنى أن يكون 17/ 10/ 2012 فرصة لا يضيعها القضاء العماني من أجل إعادة ثقة المواطن العماني به.  لكن (وهي “لكن كبيرة” كما يقول الإنجليز) فإن كافة الخلفيات المتعلقة بقضية “التجمهر” (أنا أسميها “الوقفة الاحتجاجية”) غير مريحة لغاية الآن، والمرء لا يستطيع إلا إن يلجأ إلى الماضي من أجل التكهن بالمستقبل، والمرء أيضاً يتمنى في كثير من الأحيان أن يكون مخطئاً.  اكتفيت في وصفي لتلك الخلفيات بأنها “غير مريحة” لأنني أردت أن أكون في أكثر أحوالي تهذيباً، ويحق للمرء أن يكون مهذَّباً أحياناً – أحياناً فقط.

 

–15–

كلما استمعت إليه وهو يتحدث في شأن الاحتقان الذي تعيشه بلادنا أذهلتني قدرة الإنسان على الكلام من فتحة في جسده هي – حاشاكم – ليست فمه بالضبط.

الإنسان كائن عجيب غريب فعلاً (وربما لهذا عاتب يونغ أستاذه وصديقه فرويد في خلافهما الشهير هكذا:  أنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لفرويد أن يضع هذه النظريات الكبرى عن مخلوق خرج لتوِّه من الغابة.  أظن أن علينا أن ننتظر قليلاً).

ونحن انتظرنا كثيراً في غابة أخرى.

 

–16–

 “لك يوم يا ظالم”.

أما المظلومين فلهم كل الأيام.

 

–17–

يدخل إلى الحِراك من أجل أن يوقفنا عن الحركة.

 

–18–

ما بين اللباس الداخلي وورقة التوت فرق كبير:  اللباس الداخلي يمكن ارتداؤه وخلعه عدة مرات، بل وغسله أيضاً (هذا ناهيكم عن قيمته بوصفه أداة إغراء وغواية تتكرر).

أما ورقة التوت فإنها تسقط مرة واحدة فقط.

 ولا شيء سوى العصف الفضائحي للريح بعد ذلك.

 

–19–

هذا الكلام لا يخص جميع أعضاء مجلس الشورى، بل بعضهم فقط:

إنهم أشخاص شُطَّارٌ جاءوا بهم من القطيع (نيتشه في نقده لأعضاء البرلمانات الأوروبيَّة).  ويستخدم نيتشه، في الترجمة الأكاديمية الإنجليزية المعتمدة لأعماله (ترجمة فولتر كوفمان)، كلمة “شُطّار” بالمعنى السلبي، أو القدحي، أو الذَّمِّي للمفردة؛ فهي “cleaver” وليس “intelligent”؛ أي كما نستخدم في العربية الدارجة والفصحى كلمة “شاطر” ونحن نقصد “فهلوي”، أو “وصولي”، أو “يعرف من أين تؤكل الكتف”، ولا نقصد “ذكي” بالمعنى الإيجابي للمفردة.

هنا أيضاً يتمنى المرء أن يكون مخطئاً من جديد.

 

–20–

(أ)

“كلما اقتربت السيارة من بركة الموز، صار للجبل حضور مهيمن لا يمكن تفاديه.  وبركة الموز هذه عبارة عن وادٍ يراوح بين القرية والبستان يتميز بالخصب لفرط الماء الذي يتحدّر من الجبل.  اشتهر بأشجار الموز فأخذ منها التسمية.  أذكرُ في زيارة سابقة، وقفتُ أقرأ سيرة زاهر الميّاحي، الصديق الذي غابَ عنا باكرا، صادفَ أن داره الأولى في واحد من حقول الموز هذه.  أذكرُ، حاول ذلك الصديق أن يتبادل بين الجبل والساحل صوراً قديمةً تجعل الحلم ممكناً.  لكنه بوغت بالمسافة الشاهقة بين خفة المكان ورصانة الوقت، فأصيب بالفقد (قاسم حدّاد، “السيّد يراك من هناك:  بورتريه للجبل الأخضر”).

 

(ب)

يحكي لي فوّاز طرابلسي في سهرة نيويوركيّة طويلة انك أصررت على إلقاء كلمة للعمال المضربين في بيروت.  قال لك فوّاز:  هذا شأن لبناني محض، وأنت لاجئ سياسي في المقام الأول، وهم لن يفهموا لهجتك العمانيّة أصلاً، خاصة وأنك تتأتئ.  قلتَ له:  الشأن شأني ما دام الأمر يتعلق بالاضطهاد سواء في عمان أو في لبنان.

كان تشي غيفارا قد قال ان وجهه يَحمَرُّ حين يُصْفَعُ وجه أي مظلوم في أي مكان على الأرض.

أترى لهذا لقَّبوك “غيفارا الخليج”؟.

 

(ج)

“الله يخون الذي خانك” (سالم راشد الصوري، “يا مركب الهند”).

—————-

*أشير في هذه المادة إلى ان بعض الاقتباسات المباشرة من مصادر غير عربية من “ترجمتي” وذلك بغرض تحمل المسؤولية الأخلاقية والأدبية فيما يخص صوابيّة ودقة الترجمة حتى ولو كانت لجملة من بضع كلمات، خاصة وانني أختلف مع ما هو مترجم منها.

 

 

0 1699 14 أكتوبر, 2012 العدد الثلاثون, حداء الروح أكتوبر 14, 2012