ناطحات تحت السحاب

لـ

دبي الجارة الفاتنة بقوامها الممشوق تمتد نحو السماء مليئة بالثقة، تاركة العالم في دهشة وإعجاب، ماضية إلى – الا متوقع- من مدينة صغيرة كدُبي اتخذت تجارتها عوضا عن البترول ممولاً أساسيا في الارتقاء والتميز، كم منا يحلم أن تصبح أرضنا كجزء من مدينة دُبي، وأنا بهذا المثال لا أذهب بعيداً حيثُ الدول الأوروبية وأمريكا،   أنا هُنا بالقرب عند دبي تماماً وأرضي عُمان.

في إحدى القرارات التي نصت على سياسة التوسع الأفقي للمباني والمنشآت العمانية ولما لهذا التوسع من فوائد بيئية حرص جلالته كما عهدناه دائماً أن تكون البيئة أولى اهتماماته في كافة الأعمال والمشاريع، إلا أنه مع تغير الأوضاع الاقتصادية في العالم وزيادة الأسعار وارتفاع تكاليف البناء التي أثرت بشكل عام على معيشة الفرد صار لابُد من إعادة النظر في فحوى التوسع الأفقي للبلاد، والبدء ببناء مشاريع رأسية ليست –للمباهاة- وإنما للتقليل من الكثير من المشكلات الناتجة عن هذا القرار.

جاءت أولى مشكلات التوسع الأفقي للمباني بعد زيادة تكاليف شراء الأراضي في السلطنة  وخاصة في العاصمة مسقط وفي بعض المدن النشطة كصحار وصور، إضافة إلى ذلك ارتفاع تكاليف البناء والحفر ووضع الأساسات، وأنا هنا لا أتحدث عن بناء المنازل وإنما يتأثر من قرار التوسع الأفقي أصحاب المؤسسات والشركات والعمارات والشقق التي لا يسمح بتجاوز أعداد طوابقها عن حد معين يبلغ أقصاه 22 طابق أو أقل، إذ أن زيادة تكاليف بناء بناية مكونة من مجموعة شقق يؤدي إلى زيادة إيجار الشقة وبالتالي فإن المواطن هو المتضرر الأول، بينما لو كان عدد طوابق البناية يتجاوز 40 طابقاً لاستطاع المؤجر أن يستعيد تكاليف البناء في فترة أقصر دون الحاجة لرفع الإيجار على المستأجر.

فكرة التوسع الرأسي يحتاج لدراسة معمقة بدءاً من وضع مخطط لمدينة متكاملة تتجاوز أعداد طوابقها عن الأربعين طابقاً فأكثر، إذ أن عشوائية البناء الرأسي سيؤدي أيضاً إلى تشويه جمالية الطابع العماني في البناء وإلى وجود مشاكل أخرى كالازدحام، كما أن التوسع الرأسي من شأنه أن ينشط سوق العقارات ويكون حافزاً للمستثمرين في البناء والتوسع بأقل التكاليف وبأعلى العائدات.

وتأتي المشكلة الثانية التي جاءت نتيجة أسباب عدة أبرزها عدم وجود مواقف كافية أمام المباني، إذ نتجت بشكل كبير بعد أن سمحت وزارة الإسكان بإمكانية البناء بنسبة 100% من مساحة الأرض، فلو فرضنا أن عمارة مكونة من22 طابق يسكن بها حوالي أكثر من 30 أسرة وتملك الأسرة الواحدة سيارة بالمتوسط فإن الأمر يصبح كارثة أمام المبنى، إذ يضطر هؤلاء إلى إيقاف سياراتهم في أماكن متفرقة وقد تكون قريبة من الشارع مما يؤدي إلى الازدحام، مع العلم أن مساحة شراء أرض أكبر فقط لمواقف السيارات تصبح أيضاً مكلفة بالنسبة للمؤجر ولن يعنيه بالطبع راحة المؤجرين خارج الشقة إن كان الأمر سيكلفه مبلغ أكبر سيسترده عن طريق رفع الإيجار، لكن لو كان عدد الطوابق 44 طابق منها 3 طوابق أرضية لمواقف السيارات لاستطاع المؤجر أن يضرب ثلاثة عصافير بحجر، أولها رضى المستأجر، وثانيها استرداد أمواله بفترة أقصر، وثالثها التقليل من الازدحام أمام المباني، كما أن قرار البناء بنسبة 100% من مساحة الأرض لابد أن يكون للأراضي ذات المساحات الكبيرة جداً التي من خلالها يستطيع المستثمر أن يخصص احد طوابق البناية لمواقف السيارات، بينما الأراضي ذات المساحات الصغيرة ستشكل خسارة كبيرة للمستثمر إذا ما خصص أحد طوابق البناية للمواقف في الوقت الذي لا يسمح له بتجاوز حد معين من الطوابق والذي يحدد وفقاً لشروط معينة.

قرار التوسع الرأسي في عُمان يحتاج لدراسة تشمل كافة الجوانب مع وضع كُل احتمالات النجاح والفشل في آن واحد، ففي الوقت الذي سيسهم فيه التوسع الرأسي في تقليل الازدحام وزيادة سوق الاستثمار والتقليل من إيجارات الشقق والبنايات ولما يضفيه التوسع الرأسي من جمالية للمنطقة فإن عملية التوسع الرأسي لها مخاطر لابُد من الاهتمام بها ودراسة ما إذا كان إمكانيات المياه والكهرباء والأراضي صالحة لبناء ناطحات وإن كانت تحت السحاب بأمتار قليلة.

استغلال طاقة الشمس والرياح والبحر مشاريع أخرى ستساهم في نجاح العديد من المشاريع المعتمدة عليها ومنها عمليات البناء الرأسي وربما ناطحات سحاب مستقبلاً، إذ أن إيجاد طاقة بديلة للكهرباء ولضخ المياه بعيداً عن ما يستخدم الآن سيسهم في عدم خلخلة التوازن بين البناء الأفقي الحالي والبناء الرأسي.

ولا ننسى الجانب الأخطر من المهمة وهو الأمان، لابُد من وضع تساؤلات عدة أبرزها هل هُناك أراضي صالحة للحفر العميق وتحمل أطنان من الإسفلت المسلح اللازم لبناء مثل هذه البنايات؟، عُمان ليست أقل من دبي التي غمرت مياه البحر بالتربة لتقيم أطول ناطحة سحاب في العالم، ولا أعتقد أن عمان ستحتاج لغمر مياه البحر بالتربة للبناء، فهناك مساحات شاسعة لم يتم استغلالها بعد، مساحات في العاصمة وفي غيرها أيضاً.

كما أن الأمان يشمل الحرائق وإمكانية الوصول إليها وما إذا كان الدفاع المدني يملك الوسائل للوصول لارتفاعات أطول من المعتاد ، والتأكد من قوة البناء أمام الأعاصير والتي أصبحت تُهدد البلاد في الآونة الأخيرة، كما يجب وضع احتمالات وجود زلازل في المستقبل ومدى خطورة هذا الاحتمال على أرواح البشر سواء داخل المبنى أو حوله.

عمليات التوسع الرأسي للبلاد ستسهم بشكل كبير في التقليل من مجموعة مشكلات مرتبطة ببعضها البعض وحلها سيكون أولاً في صالح المواطن بكافة تصنيفاته سواء المواطن المستثمر أو المواطن المستهلك، مع ألأخذ بعين الاعتبار أن العالم –اليابسة-  في طريقها للانكماش  لذلك فإن محاولة استغلال كل متر في اليابس قبل أن يبتلعه البحر هو الحل الأمثل إذا ما نظرنا لأبعد من خمسين عاماً..!!


0 1259 25 نوفمبر, 2012 الحادي والثلاثون, سياسة نوفمبر 25, 2012