مقاربة نقدية لمصطلح “الاستبداد” في التراث العربي الإسلامي (2/2)

لـ

 

 

 

 

وإذا رجعنا إلى التراث الإسلامي وما قيل أن الخليفة عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ تنطبق على فترة خلافته فكرة ” المستبد العادل ” كما أشار البعض ، فإن الآثار عن مواقفه وسياساته التي اختطها هذا الخليفة ـ الملقب بالعادل ـ تخالف وتناقض هذه الفكرة وإن صح أنها قيلت عن خلافته ، فهذا الخليفة رضي الله عنه
عرف عنه الحزم والإقدام والعدل والشورى والديمقراطية بمقاييس عصرنا ، لكنه لم يعرف عنه التعسف والاستبداد والظلم وفق المضامين المعاصرة .
ولم يعرف أحدٌ يرفع من قدر الشورى في كل عصور التاريخ ـ كما قال خالد محمد خالد ـ كما ” يعرف من قدرها إيمان ” عمر ” بها . وأسلوبه في تطبيقها ..أن تطور الحياة السياسية في المدينة لم يكن يومئذ قد أن للمؤسسات الديمقراطية أن تظهر ، من ” برلمان ” وغيره .. ومع هذا فقد ظفرت الديمقراطية من ذلك الرجل ، وفي تلك البيئة وذلك العهد . بخير فرص التألق والازدهار .. لم يحاول عمر قط أن يفرض رأيه ، أو أن يملي مشيئته ، ولم ينفرد ساعة من نهار بحكم الناس دون أن يشركهم معه في مسؤولية هذا الحكم مشاركة فعّالة صادقة ..”(26)
ومن أقواله الخالدة في الشورى ونبذ الاستبداد واحتكار القرار ـ رضي الله عنه ـ ما قاله في آخر اجتماع ، وكان ” عمر قد دعا فريقاً من الأنصار المشهود لهم بالحنكة ونضج التجربة . فتح باب المناقشة ، وخشى ” عمر ” أن يجامله أحد في رأيه بوصفه أمير المؤمنين .فبدأ الحديث قائلاً :
” إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم ، فإني واحد كأحدكم ، وأنتم اليوم تقرون بالحق . خالفنى من خالفنى ، ووافقني من وافقني . ولست أريد أن تتبعوا هواي ، فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق . فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ، فما أريد به إلا الحق ” . (27)
ومن المواقف الشهيرة على عدم استبداده واعترافه بالخطأ والرجوع عنه وهو في قمة السلطة والجاه عندما ” رأى إحجام شباب المسلمين عن الزواج بسبب ارتفاع مهور النساء .. ورأى حلاً لذلك أن يحدد للمهور حداً أعلى وما زاد على ذلك تأخذه الدولة كضريبة ويضاف إلى بيت مال المسلمين .. ووقف عمر يعلن رأيه على المنبر .فتصور من الذي عارض الخليفة وأعلن أنه بذلك يتعدى على سيادة القانون ( وهو القرآن ) لقد تصدت له امرأة في المسجد وقالت له : ـ ليس ذلك يا عمر .. فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ) سورة النساء ـ الآية 20 . وهنا يعلن الحاكم على الملأ في تواضع ويسحب مشروعه من المجلس ويقول : ” أصابت امرأة وأخطأ عمر ” .(28)
وكان الخليفة الثاني رضي الله عنه حريصاً على تفادي الأخطاء ويرغب في الاستماع إلى ما يخالف آراءه ويرتاح إلى نقده فيما يتخذ من مواقف وسياسات قد تكون خاطئة و يتسمّع ” همس الناس حول شدته وصرامته حتى يخلو بنفسه مفكراً ، ويدخل عليه ” حذيفة ” فيجده مهموم النفس باكي العين . فيسأله : ماذا يا أمير المؤمنين ؟ فيجيب عمر : إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي .. يقول حذيفة ، فقلت له :” والله لو رأيناك خرجت عن الحق . لرددناك إليه ” . فيفرح ” عمر ” ، ويستبشر ويقول :
” الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يُقومونني إذا اعوججت))..
إن أعظم مظاهر التكريم للمعارضة،نراها في مواقف هذا العاهل الفذ منها..في ولائه الوثيق لها،وتوفير كل فرص الطمأنينة والأمن بل الإكبار لذويها..
يصعد المنبر يوماً فيقول:
(( يا معشر المسلمين،ماذا تقولون لو مِلْتُ برأسي إلى الدنيا هكذا))..؟؟ فيشق الصفوفَ رجل ويقول وهو يلوح بذراعه كأنها حُسام ممشوق:
((إذن نقول بالسيف هكذا.. فيسأله عمر:إيّاي تعني بقولك..؟؟
فيجيب الرجل:نعم إياك أعْني بقولي..! فتُضيء الفرحة وجه ((عمر)) ويقول:
((رحمك الله..والحمد لله الذي جعل فيكم من يقّوم عوجي))..ّ!!
لم يكن هذا الموقف من أمير المؤمنين موقفاً استعراضياً،فعمر أكثر قوة وأمانة،من أن يلجأ لمثل هذه المواقف،إنما كان سلوكاً صادقاً،ونهجاً تلقائياً مخلصاً،ينشد ((عمر)) من ورائه الوصول إلى الحق والطمأنينة إلى أنه يحكم أمة من الأسُود،لا قَطِيعاً من النعاج..!!” (29)
ومن الأمثلة الرائعة التي تدحض مقولة الاستبداد في سياسة الخليفة عمر ابن الخطاب التي اتسمت خلافته بالعدل و الشورى أو ما نسميه بمفاهيم عصرنا بـ ” ديمقراطية الحكم ” التي سار عليها الخليفة الثاني، القصة المشهورة المروية عند إقدامه على عزل خالد بن الوليد ، فعقدت أمام الصحابة جلسة حوار ومناقشة بين الخليفة عمر والصحابي المعزول عن ولاية قنسرين خالد بن الوليد ” فجاءه خالد يحاسبه عن سبب عزله .. فقال له عمر : ” لا أناقشك يا خالد هنا في بيتي ، ولكني أناقشك في مسجد رسول الله وأمام جمع المسلمين .. فإن كنت على حق أنصفك الصحابة مني وإن كنت أنا على حق فليس لك أن تتكلم بعد اليوم في الأمر أو تثير فتنة ” . وعندما اكتمل مجلس الصحابة في مسجد رسول الله وقف عمر يقول خطبته المشهورة :
” أيها الناس .. لقد سألني خالد بن الوليد أن أجمعكم اليوم ليناقشني أمامكم وأناقشه ، وقد أشفق بعض ذوي الرأي من ذلك على كلمة المسلمين أن تفترق ، فنصحوني ألا أقبل ، ولكني استخرت الله فقبلت ، لا بطراً بعلم الله ولا رياء ولا استخفافاً بالفتنة أو استدراراً لها .. ولكني نظرت فوجدتني بين أمرين : إما أن أصدع بالحق ولا أخشى الفتنة وإما أن أخشى الفتنة فلا أصدع بالحق .. وأريد أن أجعل نفسي حجة على من يلي هذا الأمر بعدي فلا يأبى أحدهم أو يستنكف أن يناقشه أحد على رؤوس الأشهاد أبداً “.
وبعد أن انتهى الخليفة العادل من إعلان هذا البيان والتعهد الديمقراطي الرائع جلس قليلاً . فوقف غلام من أقارب خالد وقال : أتأذن لي يا أمير المؤمنين ؟ فأذن له أن يتكلم . فقال في جرأة : ” إنك يا أمير المؤمنين لم تنصف خالداً وإنك لتحقد عليه ..” فلم تغضب هذه الكلمات القاسية الخليفة .. بل قال في حلم : ” يا بني إنك حديث السن .. ومغضب من أجل قرابتك فاصبر حتى تسمع الرأي ” .. وظل خالد وعمر يبدي كل منهما رأيه وحجته يوماً كاملاً أمام مجلس الصحابة حتى اقتنعوا بحجة عمر وأسبابه في عزل البطل العظيم خالد بن الوليد . وفي نفس الوقت فإن عمر لم يسلم في ذلك المجلس من نقد الصحابة له بسبب شدته .. فقال لهم عمر : هل هي شدة في الحق أم في الباطل .. فقالوا له جميعاً : والله ما علمنا إلا أنها في الحق .. فقال عمر : اللهم زدني شدة ما دمت على الحق ” .(30)
وهناك الكثير من الآثار العظيمة لسيرة الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تجعل من مقولة ” المستبد العادل ” كذبة كبرى جعلها البعض متكئاً لا تخلو من الأغراض الخبيثة لتشويه سيرة هذا الصحابي الجليل ، وللتغطية على مساوي النظم الشمولية الاستبدادية في العصر الحديث التي تم اقتباسها من الغرب نفسه كالتوتاليتارية والبسماركية والشيوعية والنازية والفاشية التي انتشرت أفكارها في العصر الحديث، ولم يكن التراث السياسي الإسلامي مطروحا للتطبيق في هذه الدول العربية قبل وبعد استقلالها من الاستعمار، سواء في الدولة العربية التقليدية التي تبنت الأفكار الليبرالية الرأسمالية، أو الدولة الوطنية التي اختار اغلبها النظم الشمولية .
وإذا ما دقق الباحث الأمين في النظم المعاصرة في عالمنا المعاصر التي تخلصت من الاستعمار في منتصف القرن الماضي وبعده ، يرى أن هذه الدول اقتبست فكرة الاستبداد من الغرب نفسه وربما أنه ـ أي الغرب ـ شجع البعض بصورة أو بأخرى على هذه الأفكار الاستبدادية ربما بهدف الانتقام من هذه الدول وشعوبها التي ناضلت لنيل الاستقلال . ودخلت في مساوئ الاستبداد .(31)
إذاً مسألة قضية ” المستبد العادل ” التي روج لها بعض العلمانيين المتطرفين الذين ركزوا على مقولة تأثير فكرة ” المستبد العادل ” على مجمل المشكلات السياسية غير الديمقراطية القائمة في عالمنا العربي ، وهي مقولة أقرب إلى الأسطورة الوهمية من الحقائق الواقعية .
وهذا الاستبداد يرفضه الإسلام وينكره تماماً باعتباره أسلوباً سيئاً للإدارة والحكم ، فالاستبداد السياسي مثلاً يعد أكثر ألوان ” الاستبداد ظهوراً يقوم فيما يقوم على خنق حرية الرأي في مستوى التعبير عن الرؤى التي تعالج مظاهر الشؤون العامة للأمة في توصيف أسبابها ، وبيان طرق معالجتها ، والحجاج عن تلك الرؤى ، ومعارضة ما هو مطروح من قبل الجهات الرسمية في ذلك . وقد يتجاوز الاستبداد السياسي مرحلة المنع لحرية الرأي إلى مرحلة البطش بمن أتيحت له فرصة للتعبير بطريقة أو بأخرى . وكلّ هذا أمر سائد في كثير من البلاد الإسلامية ،وقد يختلف من جهة إلى أخرى بالدرجة ، ولكن يتفق في النوع .” .(32)
والاستبداد السياسي الذي وقعت فيه الكثير من الشعوب الإسلامية لأمد طويل ” وظلت إلى اليوم ترسف في قيوده ، ليس مرده إلى أن الإسلام نقصته عناصر معينة ، فأصيب معتنقوه بضعف في كيانهم كما يصاب المحرومون من بعض الأطعمة بلين في عظامهم أو فقر في دمائهم .
كلا .. ففي تعاليم الإسلام وفاء بحاجات الأمة كلها وضمان مطمئن لما تشتهي وفوق ما تشتهي من حريات وحقوق ، إنما بطشت مخالب الاستبداد ببلادنا وصبغت وجوهنا بالسواد ” (33)
والاستبداد في نظر الفكر الإسلامي مرحلة من مراحل العودة لعصر الطغيان ، ويعرقل مسيرة البناء الحضاري للأمة ، كما أنه يحول بين الإنسان وبين الإبداع ” على مختلف المستويات ، لأن الحرية من شروط الإبداع ، فالمفكرون لا يشعرون بالأمان ، ولا يستطيعون أن يعملوا في بلدان فقدت فيها الحرية ، فالطغيان والإرهاب يجعل كل بحث عقيماً ، ويطفئ هذه الشرارة غير الصلبة التي هي الفكر المبدع .” (34)
ومن هذه المنطلقات حارب الإسلام الاستبداد ـ بمفهومه الحديث المعاصر ـ وعمل على التحذير منه ومن مخاطره على التقدم والنهوض ، ” وإذا كانت بذرة الاستبداد ومصادرة حرية الإنسان هي بداية الطريق الذي أدى إلى الانحطاط الحضاري في الإسلام ، فإن النهوض الحضاري الجديد لا بد أن يبدأ من العودة إلى تحرير الإنسان المسلم من كل الأغلال والقيود ، بناء على صحة القول القائل بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها . وكان صلاح أول هذه الأمة قد تم عبر إرساء مفهوم الحرية ، بمعناها الواسع ، حين جاء القرآن إلى الناس بمفهوم ” ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) الأعراف :7/157 .(35)
والنظم الاستبدادية ـ إياً كانت تسميتها من الناحية الأيديولوجية والفلسفية ـ تفرز أخلاقاً سلبية في المجتمع منها ” تحول النفاق إلى طبع مغروس ، وعادة تمارس بلا تفكير .. وصار الدرهم والدينار قبلة الناس وكعبتهم .. فخرجوا ـ وهم لا يشعرون ـ إلى وثنية حقيقية تتسلل إلى نفوسهم مع أنفاس كل يوم يعيشونه في ظلال الخوف والقهر .. حتى ينتهي بهم الأمر إلى عبادة فرد أو أفراد .. وإلى اسقاط كل القيم الموضوعية التي ترتبط بها حياة الأحرار والمواقف والمشاعر والأفكار .. وهذا منتهى التدني وقاع الهبوط ؛ وهو أول الشرك الذي يصفه النبي (ص) بأنه أشد خفاءً في تسلله إلى النفوس ” من دبيب الذر على الصفا (أي الحجر الأملس ) في الليلة الظلماء ” .(36)
صحيح كان هناك بعض الحكام المستبدون في تاريخ الإسلام ، لكن الذي يدركه كثيرون ـ كما يقول فهمي هويدي ـ ولا يلحظونه أن هؤلاء ” المستبدين جميعاً لم يستخدم واحد منهم سلطة التشريع لتمكين استبداده أو إعطائه صفة شرعية ، ولم تسمح له الشريعة بذلك .
إن الحاكم المستبد بقي في شريعتنا مستبداً خارجاً عن القانون وسيبقى كذلك إلى الأبد .. إن استبداده يبقى في نظر الناس جميعاً استبداداً خارجاً عن القانون ، وخروجاً على الشريعة وقوانينها .(37)
الخلاصة أن مقولة ” المستبد العادل ” التي قيل أن لها أصل في التراث العربي الإسلامي ونقلت عن بعض المفكرين المصلحين المسلمين في العصر الحديث تحتاج إلى مراجعة عادلة وحفريات فكرية في هذا التراث الكبير ، تناقش من خلالها حقيقة هذه المقولة ، ومفهومها الذي يتناقض مع التراث الإسلامي السياسي نفسه ومع كتابات هؤلاء المصلحين والمفكرين قديماً وحديثاً .(38)
ونعتقد أن هذه المقولة ” المستبد العادل ” جاءت في سياقات غير دقيقة وفهمت في غير مرادها ، فإذا كان المقصود بعبارة ” المستبد العادل ” الخليفة عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فإن تاريخ هذا الرجل يتنافر مع هذه السياسة ويتناقض معها ، كما إن العبارة نفسها ” المستبد العادل ” تتناقض مع نفسها إذ نعتقد أنه لا يجتمع العدل مع الاستبداد وأن الحزم والقوة وعدم التردد لا يعني الاستبداد والظلم والتعسف .

535537188_d2ad1ac2e1

مقاربة نقدية لمصطلح “الاستبداد”


في التراث العربي الإسلامي (2/2)

عبدالله العليان

وإذا رجعنا إلى التراث الإسلامي وما قيل أن الخليفة عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ تنطبق على فترة خلافته فكرة ” المستبد العادل ” كما أشار البعض ، فإن الآثار عن مواقفه وسياساته التي اختطها هذا الخليفة ـ الملقب بالعادل ـ تخالف وتناقض هذه الفكرة وإن صح أنها قيلت عن خلافته ، فهذا الخليفة رضي الله عنه

عرف عنه الحزم والإقدام والعدل والشورى والديمقراطية بمقاييس عصرنا ، لكنه لم يعرف عنه التعسف والاستبداد والظلم وفق المضامين المعاصرة .

ولم يعرف أحدٌ يرفع من قدر الشورى في كل عصور التاريخ ـ كما قال خالد محمد خالد ـ كما ” يعرف من قدرها إيمان ” عمر ” بها . وأسلوبه في تطبيقها ..أن تطور الحياة السياسية في المدينة لم يكن يومئذ قد أن للمؤسسات الديمقراطية أن تظهر ، من ” برلمان ” وغيره .. ومع هذا فقد ظفرت الديمقراطية من ذلك الرجل ، وفي تلك البيئة وذلك العهد . بخير فرص التألق والازدهار .. لم يحاول عمر قط أن يفرض رأيه ، أو أن يملي مشيئته ، ولم ينفرد ساعة من نهار بحكم الناس دون أن يشركهم معه في مسؤولية هذا الحكم مشاركة فعّالة صادقة ..”(26)

ومن أقواله الخالدة في الشورى ونبذ الاستبداد واحتكار القرار ـ رضي الله عنه ـ ما قاله في آخر اجتماع ، وكان ” عمر قد دعا فريقاً من الأنصار المشهود لهم بالحنكة ونضج التجربة . فتح باب المناقشة ، وخشى ” عمر ” أن يجامله أحد في رأيه بوصفه أمير المؤمنين .فبدأ الحديث قائلاً :

” إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم ، فإني واحد كأحدكم ، وأنتم اليوم تقرون بالحق . خالفنى من خالفنى ، ووافقني من وافقني . ولست أريد أن تتبعوا هواي ، فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق . فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ، فما أريد به إلا الحق ” . (27)

ومن المواقف الشهيرة على عدم استبداده واعترافه بالخطأ والرجوع عنه وهو في قمة السلطة والجاه عندما ” رأى إحجام شباب المسلمين عن الزواج بسبب ارتفاع مهور النساء .. ورأى حلاً لذلك أن يحدد للمهور حداً أعلى وما زاد على ذلك تأخذه الدولة كضريبة ويضاف إلى بيت مال المسلمين .. ووقف عمر يعلن رأيه على المنبر .فتصور من الذي عارض الخليفة وأعلن أنه بذلك يتعدى على سيادة القانون ( وهو القرآن ) لقد تصدت له امرأة في المسجد وقالت له : ـ ليس ذلك يا عمر .. فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ) سورة النساء ـ الآية 20 . وهنا يعلن الحاكم على الملأ في تواضع ويسحب مشروعه من المجلس ويقول : ” أصابت امرأة وأخطأ عمر ” .(28)

وكان الخليفة الثاني رضي الله عنه حريصاً على تفادي الأخطاء ويرغب في الاستماع إلى ما يخالف آراءه ويرتاح إلى نقده فيما يتخذ من مواقف وسياسات قد تكون خاطئة و يتسمّع ” همس الناس حول شدته وصرامته حتى يخلو بنفسه مفكراً ، ويدخل عليه ” حذيفة ” فيجده مهموم النفس باكي العين . فيسأله : ماذا يا أمير المؤمنين ؟ فيجيب عمر : إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي .. يقول حذيفة ، فقلت له :” والله لو رأيناك خرجت عن الحق . لرددناك إليه ” . فيفرح ” عمر ” ، ويستبشر ويقول :

” الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يُقومونني إذا اعوججت))..

إن أعظم مظاهر التكريم للمعارضة،نراها في مواقف هذا العاهل الفذ منها..في ولائه الوثيق لها،وتوفير كل فرص الطمأنينة والأمن بل الإكبار لذويها..

يصعد المنبر يوماً فيقول:

(( يا معشر المسلمين،ماذا تقولون لو مِلْتُ برأسي إلى الدنيا هكذا))..؟؟ فيشق الصفوفَ رجل ويقول وهو يلوح بذراعه كأنها حُسام ممشوق:

((إذن نقول بالسيف هكذا.. فيسأله عمر:إيّاي تعني بقولك..؟؟

فيجيب الرجل:نعم إياك أعْني بقولي..! فتُضيء الفرحة وجه ((عمر)) ويقول:

((رحمك الله..والحمد لله الذي جعل فيكم من يقّوم عوجي))..ّ!!

لم يكن هذا الموقف من أمير المؤمنين موقفاً استعراضياً،فعمر أكثر قوة وأمانة،من أن يلجأ لمثل هذه المواقف،إنما كان سلوكاً صادقاً،ونهجاً تلقائياً مخلصاً،ينشد ((عمر)) من ورائه الوصول إلى الحق والطمأنينة إلى أنه يحكم أمة من الأسُود،لا قَطِيعاً من النعاج..!!” (29)

ومن الأمثلة الرائعة التي تدحض مقولة الاستبداد في سياسة الخليفة عمر ابن الخطاب التي اتسمت خلافته بالعدل و الشورى أو ما نسميه بمفاهيم عصرنا بـ ” ديمقراطية الحكم ” التي سار عليها الخليفة الثاني، القصة المشهورة المروية عند إقدامه على عزل خالد بن الوليد ، فعقدت أمام الصحابة جلسة حوار ومناقشة بين الخليفة عمر والصحابي المعزول عن ولاية قنسرين خالد بن الوليد ” فجاءه خالد يحاسبه عن سبب عزله .. فقال له عمر : ” لا أناقشك يا خالد هنا في بيتي ، ولكني أناقشك في مسجد رسول الله وأمام جمع المسلمين .. فإن كنت على حق أنصفك الصحابة مني وإن كنت أنا على حق فليس لك أن تتكلم بعد اليوم في الأمر أو تثير فتنة ” . وعندما اكتمل مجلس الصحابة في مسجد رسول الله وقف عمر يقول خطبته المشهورة :

” أيها الناس .. لقد سألني خالد بن الوليد أن أجمعكم اليوم ليناقشني أمامكم وأناقشه ، وقد أشفق بعض ذوي الرأي من ذلك على كلمة المسلمين أن تفترق ، فنصحوني ألا أقبل ، ولكني استخرت الله فقبلت ، لا بطراً بعلم الله ولا رياء ولا استخفافاً بالفتنة أو استدراراً لها .. ولكني نظرت فوجدتني بين أمرين : إما أن أصدع بالحق ولا أخشى الفتنة وإما أن أخشى الفتنة فلا أصدع بالحق .. وأريد أن أجعل نفسي حجة على من يلي هذا الأمر بعدي فلا يأبى أحدهم أو يستنكف أن يناقشه أحد على رؤوس الأشهاد أبداً “.

وبعد أن انتهى الخليفة العادل من إعلان هذا البيان والتعهد الديمقراطي الرائع جلس قليلاً . فوقف غلام من أقارب خالد وقال : أتأذن لي يا أمير المؤمنين ؟ فأذن له أن يتكلم . فقال في جرأة : ” إنك يا أمير المؤمنين لم تنصف خالداً وإنك لتحقد عليه ..” فلم تغضب هذه الكلمات القاسية الخليفة .. بل قال في حلم : ” يا بني إنك حديث السن .. ومغضب من أجل قرابتك فاصبر حتى تسمع الرأي ” .. وظل خالد وعمر يبدي كل منهما رأيه وحجته يوماً كاملاً أمام مجلس الصحابة حتى اقتنعوا بحجة عمر وأسبابه في عزل البطل العظيم خالد بن الوليد . وفي نفس الوقت فإن عمر لم يسلم في ذلك المجلس من نقد الصحابة له بسبب شدته .. فقال لهم عمر : هل هي شدة في الحق أم في الباطل .. فقالوا له جميعاً : والله ما علمنا إلا أنها في الحق .. فقال عمر : اللهم زدني شدة ما دمت على الحق ” .(30)

وهناك الكثير من الآثار العظيمة لسيرة الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تجعل من مقولة ” المستبد العادل ” كذبة كبرى جعلها البعض متكئاً لا تخلو من الأغراض الخبيثة لتشويه سيرة هذا الصحابي الجليل ، وللتغطية على مساوي النظم الشمولية الاستبدادية في العصر الحديث التي تم اقتباسها من الغرب نفسه كالتوتاليتارية والبسماركية والشيوعية والنازية والفاشية التي انتشرت أفكارها في العصر الحديث، ولم يكن التراث السياسي الإسلامي مطروحا للتطبيق في هذه الدول العربية قبل وبعد استقلالها من الاستعمار، سواء في الدولة العربية التقليدية التي تبنت الأفكار الليبرالية الرأسمالية، أو الدولة الوطنية التي اختار اغلبها النظم الشمولية .

وإذا ما دقق الباحث الأمين في النظم المعاصرة في عالمنا المعاصر التي تخلصت من الاستعمار في منتصف القرن الماضي وبعده ، يرى أن هذه الدول اقتبست فكرة الاستبداد من الغرب نفسه وربما أنه ـ أي الغرب ـ شجع البعض بصورة أو بأخرى على هذه الأفكار الاستبدادية ربما بهدف الانتقام من هذه الدول وشعوبها التي ناضلت لنيل الاستقلال . ودخلت في مساوئ الاستبداد .(31)

إذاً مسألة قضية ” المستبد العادل ” التي روج لها بعض العلمانيين المتطرفين الذين ركزوا على مقولة تأثير فكرة ” المستبد العادل ” على مجمل المشكلات السياسية غير الديمقراطية القائمة في عالمنا العربي ، وهي مقولة أقرب إلى الأسطورة الوهمية من الحقائق الواقعية .

وهذا الاستبداد يرفضه الإسلام وينكره تماماً باعتباره أسلوباً سيئاً للإدارة والحكم ، فالاستبداد السياسي مثلاً يعد أكثر ألوان ” الاستبداد ظهوراً يقوم فيما يقوم على خنق حرية الرأي في مستوى التعبير عن الرؤى التي تعالج مظاهر الشؤون العامة للأمة في توصيف أسبابها ، وبيان طرق معالجتها ، والحجاج عن تلك الرؤى ، ومعارضة ما هو مطروح من قبل الجهات الرسمية في ذلك . وقد يتجاوز الاستبداد السياسي مرحلة المنع لحرية الرأي إلى مرحلة البطش بمن أتيحت له فرصة للتعبير بطريقة أو بأخرى . وكلّ هذا أمر سائد في كثير من البلاد الإسلامية ،وقد يختلف من جهة إلى أخرى بالدرجة ، ولكن يتفق في النوع .” .(32)

والاستبداد السياسي الذي وقعت فيه الكثير من الشعوب الإسلامية لأمد طويل ” وظلت إلى اليوم ترسف في قيوده ، ليس مرده إلى أن الإسلام نقصته عناصر معينة ، فأصيب معتنقوه بضعف في كيانهم كما يصاب المحرومون من بعض الأطعمة بلين في عظامهم أو فقر في دمائهم .

كلا .. ففي تعاليم الإسلام وفاء بحاجات الأمة كلها وضمان مطمئن لما تشتهي وفوق ما تشتهي من حريات وحقوق ، إنما بطشت مخالب الاستبداد ببلادنا وصبغت وجوهنا بالسواد ” (33)

والاستبداد في نظر الفكر الإسلامي مرحلة من مراحل العودة لعصر الطغيان ، ويعرقل مسيرة البناء الحضاري للأمة ، كما أنه يحول بين الإنسان وبين الإبداع ” على مختلف المستويات ، لأن الحرية من شروط الإبداع ، فالمفكرون لا يشعرون بالأمان ، ولا يستطيعون أن يعملوا في بلدان فقدت فيها الحرية ، فالطغيان والإرهاب يجعل كل بحث عقيماً ، ويطفئ هذه الشرارة غير الصلبة التي هي الفكر المبدع .” (34)

ومن هذه المنطلقات حارب الإسلام الاستبداد ـ بمفهومه الحديث المعاصر ـ وعمل على التحذير منه ومن مخاطره على التقدم والنهوض ، ” وإذا كانت بذرة الاستبداد ومصادرة حرية الإنسان هي بداية الطريق الذي أدى إلى الانحطاط الحضاري في الإسلام ، فإن النهوض الحضاري الجديد لا بد أن يبدأ من العودة إلى تحرير الإنسان المسلم من كل الأغلال والقيود ، بناء على صحة القول القائل بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها . وكان صلاح أول هذه الأمة قد تم عبر إرساء مفهوم الحرية ، بمعناها الواسع ، حين جاء القرآن إلى الناس بمفهوم ” ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) الأعراف :7/157 .(35)

والنظم الاستبدادية ـ إياً كانت تسميتها من الناحية الأيديولوجية والفلسفية ـ تفرز أخلاقاً سلبية في المجتمع منها ” تحول النفاق إلى طبع مغروس ، وعادة تمارس بلا تفكير .. وصار الدرهم والدينار قبلة الناس وكعبتهم .. فخرجوا ـ وهم لا يشعرون ـ إلى وثنية حقيقية تتسلل إلى نفوسهم مع أنفاس كل يوم يعيشونه في ظلال الخوف والقهر .. حتى ينتهي بهم الأمر إلى عبادة فرد أو أفراد .. وإلى اسقاط كل القيم الموضوعية التي ترتبط بها حياة الأحرار والمواقف والمشاعر والأفكار .. وهذا منتهى التدني وقاع الهبوط ؛ وهو أول الشرك الذي يصفه النبي (ص) بأنه أشد خفاءً في تسلله إلى النفوس ” من دبيب الذر على الصفا (أي الحجر الأملس ) في الليلة الظلماء ” .(36)

صحيح كان هناك بعض الحكام المستبدون في تاريخ الإسلام ، لكن الذي يدركه كثيرون ـ كما يقول فهمي هويدي ـ ولا يلحظونه أن هؤلاء ” المستبدين جميعاً لم يستخدم واحد منهم سلطة التشريع لتمكين استبداده أو إعطائه صفة شرعية ، ولم تسمح له الشريعة بذلك .

إن الحاكم المستبد بقي في شريعتنا مستبداً خارجاً عن القانون وسيبقى كذلك إلى الأبد .. إن استبداده يبقى في نظر الناس جميعاً استبداداً خارجاً عن القانون ، وخروجاً على الشريعة وقوانينها .(37)

الخلاصة أن مقولة ” المستبد العادل ” التي قيل أن لها أصل في التراث العربي الإسلامي ونقلت عن بعض المفكرين المصلحين المسلمين في العصر الحديث تحتاج إلى مراجعة عادلة وحفريات فكرية في هذا التراث الكبير ، تناقش من خلالها حقيقة هذه المقولة ، ومفهومها الذي يتناقض مع التراث الإسلامي السياسي نفسه ومع كتابات هؤلاء المصلحين والمفكرين قديماً وحديثاً .(38)

ونعتقد أن هذه المقولة ” المستبد العادل ” جاءت في سياقات غير دقيقة وفهمت في غير مرادها ، فإذا كان المقصود بعبارة ” المستبد العادل ” الخليفة عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فإن تاريخ هذا الرجل يتنافر مع هذه السياسة ويتناقض معها ، كما إن العبارة نفسها ” المستبد العادل ” تتناقض مع نفسها إذ نعتقد أنه لا يجتمع العدل مع الاستبداد وأن الحزم والقوة وعدم التردد لا يعني الاستبداد والظلم والتعسف .

——————————————————–

الاحالات والهوامش

26ـ بين يدي عمر ـ خالد محمد خالد ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ ط1 1980 ـ ص107 .
27
ـ المرجع السابق ص109 .
28
ـ الحرية السياسية في الإسلام ـ دكتور شوقي الفنجري. دار القلم ـ الكويت ـ ط2 ـ 1983 ـ ص 242 .
29
ـ بين يدي عمر ـ مرجع سابق ص 109 ـ 110 .
30
ـ انظر دراستنا: [ العرب والسياسة ] كتاب: (الأنصاري و سوسيولوجيا الأزمة) ـ مرجع سابق ص 223 , 224 .
31
ـ الحرية السياسية في الإسلام ـ مرجع سابق ص 261.
32
ـ دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين ـ د/ عبد المجيد النجار ـ المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ هيرندن ـ فيرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية ـ ط 1 1992 ص 73 .(يقول د/أسعد السحمراني في كتابه:[العدل فريضة إسلامية والحرية ضرورية إنسانية] أن الظلم والاستبداد مصدرا الشر والرذيلة في المجتمع،ومنبعا الفرقة والتفتيت لوحدة الوطن والأمة،لأن الطباع البشرية للآدميين لا ينافيها ويضايقها أمر أكثر من الظلم.كما أن الحرية مصدر العزّة والوحدة،ومنبع العطاء والتضحية،ولأن مخاطر الظلم في هذا المستوى،لذلك كله توعّد الله تعالى الظالمين بسوء المصير على فعلهم).
33
ـ الإسلام والاستبداد السياسي ـ محمد الغزالي ـ نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ـ ط 1 1997 ص 32 .
34
ـ ( الديمقراطية بين العلمانية والإسلام ) ـ الدكتور عبد الرازق عيد والدكتور محمد عبد الجبار ـ حوارات لقرن جديد ـ دار الفكر ـ دمشق ط 1 1999 ـ ص 98, 99 .
35
ـ المرجع السابق ص 100 .
36
ـ حوار لا مواجهة ـ د/ أحمد كمال أبو المجد ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ طبعة جديدة ومزيدة: 1988 ص 265 .
37
ـ تزييف الوعي ـ فهمي هويدي ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ ط 1 1987 , ص 122 .
38
ـ يرى الدكتور حسن الترابي أن الاستبداد الذي ظهر في الإمارة المطلقة في العصور المتأخرة تأسس من ” ثقافة الجمود والاستسلام للواقع . وفي الكلام علم العقيدة شاعت بين المسلمين المذاهب القدرية ، حيث الكسب مكتوب على الإنسان لا يجاهد بدافع التغيير للتي هي أحسن عاجلاً و آجلاً استعانة بقوى الغيب متوكلاً ، وكذلك من ولاه الله عليهم فهو قدر من قضاء الله المقبول . وفي الفقه تعطّل الاجتهاد وإعمار العقل وعلوم التفكّر في الطبيعة وأصبح الزاد كله سمعيات الدين ومنقولاته فلا تجديد في الفقه ، ولا نهوض بعلم الأشياء لتترقى الحياة بما سخّر لها الله” . انظر كتابه: [ السياسة والحكم ..النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع] دار الساقي ـ بيروت ـ ط1 2003 ـ ص 515.

0 1572 14 فبراير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر فبراير 14, 2010