عبير المعاني قراءة في كتاب الربيع العماني ج٤

لـ

بعد الأجزاء الثلاثة السابقة من هذه القراءة هنا الرابع في محاولة قراءة كتاب الربيع العماني اعداد وتحرير سعيد سلطان الهاشمي بمشاركة عدد من الكتاب، الفارابي٢٠١٣

التهاب فم الشاعر:

لعل أكثر الشهادات التي أثرت فيّ كقارئ لكتاب الربيع العماني هي: هوامش على دفتر الثلاثاء الأسود 29/2/2011 للشاعر صالح العامري والتي يكتب فيها عن تجربة اعتقاله: عن الضربة التي لا تكسر روحك وتزيدك قوة وتشبثاً بحريتك ونداءات أعماقك.

لأنها: شهادة عن ست ساعات أشبه بالعار. 259

يبدو فيها المهم مختزلاً: بعد أن فهمت معنى الوطن، مختزلاً في كيس بلاستيك، وفي قيد يعصر الرسغين، وفي سياط تنهمر على ظهرك لمجرد أنك تتساءل عن سبب اعتقالك259

: لكنك مثل طفل يلثغ بالأعياد الداخلية، كنت كمن يعلق في الصف الأول اسمه على ظهر اللغة، على فخذها، على ركبتيها الملساوين، وتحضن هداياك التي قدمها لك النهر. 260

: في جزء من تلك الساعات الست، خيل إليك ..أنك أوحد تماماً، لأنك لم تعد تسمع أحداً أو شيئاً غير الأزيز والهدير ونفث المستنقعات، وأنك واقف بذاتك ولذاتك في المصير النبيل، دون صديق أو رفيق آخر. 260

: ستكون تلك الساعات الست خلاصة مستلة من معاجم الدكتاتورية والسلطة العوراء وقواميس الصرع الأمني والسياسي. 261

يكتب صالح العامري عن الساعات والأيام الستة، بشدة عن الساعات وباقتضاب عن الأيام: إنك سترى بجلاء، عاجلاً أم آجلاً، في سعار تلك الآلة العنجهية، خواء زمن بأكمله، يباب حاضر معضوض بالفضيحة والتحولات 261

صالح العامري يكتب لكن ليس عن أناه بل عنك أنت، يخاطب واحداً هو نفسه لكنهُ أنت: صرت تنطق بضمير الغائب، كأنك لا أحد، لا شيء، ولا حتى سلة مهملات قابعة تحت طاولة موظف عمومي، أو حشرة وطنية تتدحرج على جدار مهمل في قرية بعيدة أو على شاهدة قبر. 259

يكتب عن الكتابة: لا بأس، لا بأس. الموت لا شيء. ولو قيضت لي اللحظة أن أعيش فلن أنسى. الآن ولدت في الكتابة، ومنذ الآن سأبدأ. لن تستطيعوا أيها المتحجرون أن توقفوا رأسي بعد اليوم، لن تستطيعوا أن توقفوا جرياني. أيتها الكتابة انصريني في مقبل الأيام، أحب رحمك ومشيمتك، أحب سرتك المباركة وفرجك الطاهر. 262

وعن العقوبة الإلهية: ربما لم يكن ما جرى لي الليلة غير عقوبة إلهية لتكاسلي عن المجي إلى صحار منذ 26 فبراير.. 263

(لم يعد ثمة عينان زائفتان../ كانت جريمتنا الطيبة/ أبلغ من جرائمهم الحرام) 266

وعن الوحش: نخسته كلمة أطلقها/ طفل عماني/ فأقسم بأغلظ الأيمان/ أن يتضرج بالدم/ والأحابيل.. 267

بينما: رقصة الدرويش أشبه بلحن حزين وجنائزي، لكنه يتبختر في مأساويته ويرقص كدرويش في قاعة السجن النتنة: خذلتنا يا بلدُ/ كأننا لا أحدُ.. 268

شهادة الفنان والروائي والكاتب والشاعر:

شهادة الفنان في الربيع العماني ستكتبها الفنانة نادرة محمود عن الفن ودوره في اللحظات التاريخية 271، وفيها تسجل نادرة ما تبقى من مشروعها الفني في ساحة الشعب: حائط مؤقت يمكنه أن يروي حكاية ما جرى بأسلوب فني. ..

عن مشاعر الفنانة: كان ذلك بالنسبة لي حدثاً استثنائياً عشته بعمق ومحبة وإيمان 273

عن ثقة الفنان: صرت على ثقة أكثر بأن لغة الحوار حين تسود تفتح القلوب والعقول معاً، حينها يطمئن المرء إلى أن المعاني السامية التي يناضل من أجلها الناس لن تفقد بريقها وقيمتها الداخلية 273

أما في شهادة الروائي حسين العبري التفاتة عجلى إلى الوراء ص291

فسنرى حسين العبري الذي كان في تلك الدوامة في لحظة مفارقة في صدر الموجات المتتالية، وفي فمها، محتجاً بجسده كله، بل في لحظة ما محتجاً حتى على الاحتجاجات نفسها. ثم معتقلاً في سجونها اللاحقة، لكنه يروي الحكاية كما حدثت دون تصويب أو تخطئه وأحكام أخلاقية جاهزة بل: (كنت أفعل ما أراه مناسباً لمحاولة العيش بحرية وكرامة على الأرض التي وجدت عليها) ص303

بينما جاءت شهادة الكاتب محمد الشحري ملتزمة بسرد حكاية اعتصام نداء الخير في ساحة الصمود بصلالة مع تأكيدها منذ البداية على:

ان كان هناك من يحق له أن يروي قصة الاحتجاجات أو يقدم شهادة حقيقية لما جرى في عمان بداية العام 2011 فهو الشهيد عبدالله الغملاسي أول شهيد في الربيع العماني. 315

وكذلك شهادة د. سالم العريمي عن حكاية ساحة الحرية في صور: الانصات إلى صوت الحرية.

اما شهادة الشاعر أحمد الشيزاوي بين المخبر والوردة فكانت عن: الوحش الرأسمالي يتوغل في أحشاء الوطن المرهق من عصر الظلمة وعصر القهر، والنهضة جاءت تحت الصفر، وقراصنة النهضة ما زالوا يجنون ثمار النهضة والشعب غريق بين الحبر وبين البحر وبين النار. 331

محاولة خاتمة:

هكذا يبدو كتاب الربيع العماني نوعاً من العلاج، نوعاً من وصفة معرفية لدواء وتشخيصاً لداء، كتبَ فيه كل من كتب بقصد شفاء الوطن من أثر الوحش الذي ظهر لهم ورأوه بأعينهم وهو يطرح اثنين من الشهداء ويعتقل المئات، إنه نوع من الكتب على هيئة حروز وتمائم معرفية حديثة كي لا ينتصر أبداً ذلك الوحش الذي يرعى وينمو ويكبر في بساتين الفساد مرة أخرى. باسم الربيع العماني.

هل ستجدي هذه الوصفة المعرفية في شق طريقٍ معرفيٍّ إلى الغد؟ طريق حيوي لأرض تحترم ثمر الحياة وتقدره في وعيها الجمعي الذي يفهم ضرورة الثنائيات لحياة الثمرة والشجرة، ولا تنزلق ولا تسقط في فخاخ الوحوش الدموية؟

هذا ما سكت عنه الكتاب لأنه رهين اللحظة من الزمن..

0 668 14 أبريل, 2013 السادس والثلاثون, ثقافة وفكر أبريل 14, 2013