ريشة الطاؤوس

لـ

عندما سلمتني أمي ليد الحاجة فاطمة زوجة الحاج علي ،  قالت لي أنهم عائلة طيبة  سيعتنون بي وسيعاملوني كأبنتهم لأنهم أناس يخافون ربهم وأن كل ما علي فعله هو أن أكون فتاة طيبة وأن تكون كلمتي” هي والله*”.

أمي غابت في تراب العقبة التي تشق جبل السعالي وتصل بين سداب ومسقط ، وانحدرت معها لتلتحق بزوجها الجديد في إحدى قرى الساحل البعيدة، وأنا ذهبت إلى طوي النل حيث تستحم الفتيات لأستحم من غبار الطريق وألبس الثوب الجديد الذي أخرجته الحاجة فاطمة من سحارة إبنتها زمزم.

كان الثوب جميلا لكن زمزم لم تمانع في إعطائي إياه ولم تعترض، بل ظلت تثني على نظافتي وعلى جمال الثوب لأيام طويلة بعد ذلك.

عاملتني الحاجة فاطمة التي لم تذهب إلى الحج أبدا مثل أبنتها زمزم، وعلمتني كل ما أعرف من أمور خدمة البيت، تعلمت منها كيف أنظف الدار وكيف أغسل الملابس حتى تصبح نظيفة ولامعة ، وكيف أكويها بيدي الصغيرتين ثم أطويها فتكون خالية من التجاعيد عندما تلبس، وعلمتني الطبخ حتى صرت أمهر منها في طبخ القبولي وخبز المرضوف، وعلمتني كيف أستقبل الجارات والضيوف وكيف أصب القهوة في الفناجين الصغيرة وكيف أقبل الهدايا دون أن يظهر علي الفضول أو اللهفة.

عاملتني الحاجة فاطمة مثل زمزم وكنت وزمزم نقضي الكثير من الوقت في اللعب بالدمى التي كنت أجيد صناعتها من بقايا الخرق القديمة وأعواد الحطب التي التقطها أثناء ذهابي إلى السوق لإحضار أغراض الغداء.

زمزم لم تكن ترافقني إلى السوق لأن البنات لا يذهبن للسوق كما قالت الحاجة فاطمة، لكن زمزم كانت تذهب إلى بيت المعلمة الزون، وأنا كنت أذهب مع زمزم إلى بيت المعلمة الزون، حيث تدخل هي مع فتيات أخريات إلى الصفة* بينما أجلس أنا في الحوش أسترق السمع إلى أصواتهن المرددة للآيات والسور، ومثلهن أحفظ السور القصيرة وأخبؤها في قلبي.

عندما تنتهي زمزم من الدرس كنا نعود إلى البيت وهي تردد الآيات التي حفظتها وأنا أحمل عنها مصحفها المحفوظ في حقيبة من قماش الأطلس اللامع.

زمزم كانت مثل أختي وكانت تحبني كثيرا لكنها كانت تحب مصحفها الذي جلبه الحاج علي من مكة أكثر، فلم تسمح لي بلمسه وتقليب أوراقه إلا مرة واحدة، في تلك المرة التي أضطررت أن أحلف بالله أن لا أخبر احداً بأننا توقفنا في طريق عودتنا أمام بيت صديقتها مريم التي غابت عن الدرس ليومين متتاليين وأن أخاها هو من فتح الباب.

في تلك المرة وبعد أن حلفت على المصحف ، سمحت لي زمزم بفتحه وتتبع الحروف والزخرفات على صفحاته، وفي تلك المرة وقعت عيني على الريشة.

كان للمصحف ريشة .

قالت لي زمزم أنها ريشة الطاؤوس التي تسقط من السماء ليلة القدر ليلتقطها المحظوظون من العباد، قالت لي زمزم أن هذه الريشة للموعودين بالجنة فقط.

أدهشتني عين الريشة وأردت أن ألمسها لكن زمزم أقفلت المصحف وخبأته.

وأنا أردت لمس الريشة كثيرا فصارت تزورني في أحلامي وتسمح لي بلمس شعيرات ريشتها الناعمات وتسمح لي بتتبع اللون وشم رائحة الصندل الذي يفوح منها.

أردت الريشة بشدة ، فتعلمت الصلاة من الحاجة فاطمة وحرصت عليها أكثر من زمزم وكنت لا أغش ولا أسرق نهارات رمضان مهما كان القيظ شديدا، وكنت أنتظر ليلة القدر كل ليلة في رمضان وافتح كفي بالدعاء حتى تسقط ريشة الطاؤوس فيها، لكن ريشة الطاؤوس لم تسقط في كفي أبدا.

أنا كنت أحب زمزم وزمزم كانت تحبني ، وكانت الحاجة فاطمة تحبني مثل إبنتها وتشتري لي في العيد ثوبا جديدا وكان الحاج علي يمنح أمي بعض البيسات عندما كانت تأتي لتزور في يوم العيد، وأمي كانت تطمئن علي وكانت تقول لي دائما ” كلمتش هي والله” وتغادر.

أنا أحببت زمزم والحاجة فاطمة وأحببت أمي ،لكنني أحببت الريشة أكثر وأردت لمسها أكثر من أي شيء آخر وهذا ما فعلته بكل بساطة وأنا أنظف الصفة، أدخلت يدي في الأطلس وأخرجت المصحف وفتحته عند الوسط في المكان الذي تختبيء فيه الريشة ولمستها، دون أن أخرجها من مكانها وتتبعت شعيراتها وتأملت ألوانها الباهرة، وقربت أنفي منها وشممت رائحة الصندل وقبلتها  ثم أغلقت المصحف وخبأته في الأطلس.

وعندما استدرت للخروج وجدت عيني زمزم تراقباني ،وعندما طردتني من الصفة قلت ” هي والله” ولم أرفع عيني .

لم أرفع عيني في عيني زمزم طوال أيام، وزمزم لم تخبر أحدا بحكاية الريشة،وعندما كنت أرافقها إلى بيت المعلمة الزون كانت لا تتبادل معي الكلام ولم تعود للعب معي فوق السطح بالدمى.

لكن كل ذلك لم يكن يهمني كثيرا ، فأنا أحب زمزم وزمزم تحبني لكنني أحب الريشة أكثر.

 

 22 /3/2013

0 992 16 أبريل, 2013 السادس والثلاثون, حداء الروح أبريل 16, 2013