المستشار عبدالجواد يس: أسهل الأشياء في التدين هي صناعة الدليل. الجزء الأول

لـ

حوار مع عبدالجواد ياسين  حول قانون الإيمان وقانون التطور

حاوره لصالح جريدة الفلق الإلكترونية

  • بين يدي الحوار

عبدالجواد ياسين مفكر مصري معروف، وهو صديق قديم، طالما استفدتُ واقتبستُ من معرفته وفكره وفلسفته، عندما تزوره يغرقك كرماً، ويغمرك خلقاً، ويوسعك علماً.

لديه حتى الآن ثلاث نظريات في التفكير الديني، هي:

النظرية السلفية: انطلق ياسين فيها من التراث الروائي المنسوب إلى النبي محمد، ما يلاحظ في نظريته هذه، أنه مع استحضاره القوي لهذا التراث، كان يستبعد الفهوم المجاورة للنص (منظومة الفقه التقليدي)، فالنص عنده هو ما قال الله وقال رسوله، ولكن بآليات منهج أهل الحديث.

تمثلت نظريته السلفية هذه في كتابه “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”.

على الصعيد الاجتماعي –بما في ذلك السياسي– لم تكن هذه النظرية إلا تأطيراً بيانياً لما تعج به الساحة الإسلامية من أطروحات سلفية، متجاوزة الأطروحات العقلية لمدرسة الإصلاح التي قادها محمد عبده (ت:1905م)، والتي بدأ الإطاحة بها سلفياً تلميذه المباشر محمد رشيد رضا (ت: 1935م)، والتي توجها سيد قطب (ت: 1966م) بنظرية “معالم في الطريق”، وقد جاءت نظرية ياسين هذه شرحاً قانونياً لنظرية قطب في المعالم.

نظرية النص الخالص: كانت هذه النظرية نقلة نوعية لصالح النص القرآني، وثورة منهجية على منهج أهل الحديث، وتبشير بتأصيل فقهي جديد، وإذا كانت النظرية السلفية لياسين هي حلقة من حلقات الثورة على مدرسة محمد عبده، فإنني أستطيع القول إن نظرية النص الخالص، هي امتداد قوي لهذه المدرسة، بل هي تتويج متكامل ومتماسك لها.

تمثّلت هذه النظرية في كتابه “السلطة في الإسلام: العقل السلفي بين النص والتاريخ”، ربما كان هذا الكتاب هو إنقاذاً لنظرية محمد عبده الإصلاحية، والتي قفز عليها الطرح السلفي، وقد أخذت هذه النظرية تفشو بين كثير من القراء والمهتمين بالفكر والإصلاح الديني، متجاوزة الاختلافات المذهبية التقليدية، ومتصالحة مع البنية العامة للتحولات الراهنة في الأمة الإسلامية.

نظرية نقد النص: لم يقف عبدالجواد ياسين عند حدود نظريته السابقة (نظرية النص الخالص)، ولم ينتظر حتى تحقق وجودها بين المسلمين، وطبعاً لم يقدم لنا هو بذاته نقداً لتحرك وصلاحية هذه النظرية، حتى فاجأ الساحة الفكرية الإسلامية بكتابه “الدين والتدين”، والذي يعلن فيها صراحة عن نقده للنص الديني برمته، بما في ذلك النص القرآني.

طبعاً، لم يكن نقده موجهاً إلى الطبيعة التي صدر عنها النص، فهو بالنسبة للكتب السماوية يذهب إلى صدورها عن الله؛ وفي مقدمتها القرآن، ولكن داخل هذا النص نجد الدين متلخصاً في الإيمان بالله والأخذ بالأخلاق، ولا شيء على وجه الإلزام المؤبد إلا هذا الإيمان والأخلاق معه. ثم أن هذا النص المنزّل من الله يشتمل على التدين، وهو ما يمثل الاحتكاك الاجتماعي بالنص، هو منصوص عليه، بصيغ في أحيان كثيرة ملزِمة، بيد أنه ينتهي إلزامها بحكم قانون التطور، فعندما يتجاوزها الزمن لا تعد ملزِمة.

وأمر آخر نلحظه في هذه النظرية، أن الدين (الإيمان بالله والأخلاق) جاء من خارج الاجتماع، لم ينشأ –بحسبما فهمت من طرحه– من التطور البشري في موضوع الإيمان والأخلاق، بل هو –أكثر من ذلك– يوجه سهام نقده إلى الفلاسفة الاجتماعيين القائلين بذلك.

أما ما خلا ذلك، بما في ذلك طرق العبادة والأحكام التشريعية (قوانين الشريعة) فهي ناشئة من أرض الواقع، سواء بما كان قائماً لدى السابقين من طرق العبادة وكثير من الأحكام؛ لا سيما في البيئة العربية، أو بما أفرزته هذه البيئة زمن الدعوة المحمدية وتنزل الوحي. وعلى ذلك فلا إلزام مؤبد في الأحكام التشريعية المنصوص عليها في القرآن –ومعه سائر الكتب السماوية– إلا بالمقدار الذي لم يستطع قانون التطور أن يأتي عليه فيتجاوزه. بالنسبة لطرق العبادة لم يتكلم عنها بدقة ووضوح، وإنما وعد أن يكون كتابه القادم حول هذا الجانب، فلا أستبيح لنفسي الحديث عنها حتى صدور الكتاب، أو حوار يجمعني به.

تبدو لي نظرية نقد النص هذه تنظيراً متماسكاً يمتح عبدالجواد ياسين رؤيته فيها من نظرية زمنية النص، بيد أنه –خلافاً لكثير ممن سبقه– يستعمل الإلزامات الدلالية لمنهج أهل الحديث، ولكن يوجهها بضد النظرية السلفية. سأستجيز لنفسي بأن أزعم أن عبدالجواد ياسين لم يستطع أن يخرج من السلفية إلا عبر نفقها.

على مستوى مساحة الحرية، كان في نظريته الأولى (النظرية السلفية) منغلقاً جداً على النص، بدرجة أنه انتقد التحولات الاجتماعية –بما في ذلك السياسية والقانونية– لدى المسلمين، وعدّ هذه التحولات من “الجاهلية المعاصرة”، الإلزام هنا هو الأصل، وليس من باب للحرية إلا منطوق النص ذاته، النص المتضخم طبعاً بالروايات، النص الذي تكفّل بالإجابة عن كل تساؤل وفعل مستجد في الحياة حتى منتهاها.

أما في نظريته الثانية (نظرية النص الخالص) فقد وسّع من دائرة الحرية كثيراً، بحيث لم يعد هناك إلزام إلا بنص متيقن من حيث ثبوته ومعناه، هنا نرى أن الأصل هو الحرية –أو الإباحة بلغة الفقه– المنطلقة من النص الخالص، وأن الحرية منصوص عليها.

انتهى في نظريته الأخيرة (نظرية نقد النص) إلى أن الحرية هي بنفسها الأصل، ولا شيء يقررها أو يضادها أو يحجّمها، إلا القيم الأخلاقية العليا، التي هي بدرجة الإيمان بالله، وهنا يصنع الإنسان تشريعاته من مبدأ الحرية أولاً، ثم الأخلاق ثانياً، ثم التدافع والاحتكاك الاجتماعي أخيراً، أما التدين المنصوص عليه تنزيلاً فلم يعد ملزماً في التشريع للمجتمع.

لا أريد أن أطيل على القارئ بين يدي الحوار مع عبدالجواد ياسين، لكن عليّ أن أعترف، بأننا مهما اتفقنها عندعبدالجواد ياسين أو اختلفنا، فنظرياته تمثّل رأسياً تطوراً في التفكير لدى المسلمين، وأفقياً هناك شرائح كبيرة من المسلمين تعتنق ما نظّر له –وهو في مفردات نظرياته الثلاث مسبوق من غيره– بيد أن لدى عبدالجواد ياسين قدرة بيانية وفلسفية تنشأ النظرية متكاملة، بلفغة سهلة واضحة، وبخَلْق جديد يكاد يكون خَلْقاً آخر. وعلى كل حال ينبغي قراءة نظريات عبدالجواد ياسين الثلاث بتأنٍ وموضوعية، بعيداً عن العواطف، تحتاج إلى نقد حقيقي، يقول الناقد فيه لمَ قبلت هذا، ورفضت ذاك، هذا ما ننتظر الزمن أن يجود به، وربما بدأت طلائعه.

وحتى ذلك الحين، فإني أضع بين يدي القارئ الحوار الذي أجريته معه قبل صدور كتابه “الدين والتدين”، عندما زارنا في سلطنة عُمان في مايو 2012م، وقد جعلت الجمال مدخلاً له، حتى يجمل الحوار:

 

  • الجمال والتدين

 

خميس العدوي: ما حاجة الإنسان إلى الجمال؟.

عبدالجواد ياسين: الجمال حاجة غريزية –أساسية– في الإنسان، ولذلك هي تبحث عن إشباع كما تبحث الحاجات الأخرى عنه، يعبّر الإنسان عن حاجته للجمال وعن الأشواق إليه من خلال الفن، إما بإبداعه أو بتذوقه، المبدِع يعبّر عن حاجة للجمال، والمتلقي المتذوق أيضاً يعبّر عن حاجته للجمال، وهو يتذوق الإبداع والفن، ومن هنا الفن جزء طبيعي من حياة الإنسان، وهذا يعني أن القول بحرمة الفن شيء متناقض مع طبيعة الخَلْق؛ أي متناقض مع سبب الوجود والحياة، وبالتالي لابد أن يكون متناقضاً مع إرادة الله، الله الذي خلق الإنسان مسكوناً بالأشواق، خلقه مسكوناً بالجمال.

 

خميس العدوي: نتحدث عن الجمال من الجانب الفقهي في مسألة الحرمة، وحتى ننصف أنفسنا قبل غيرنا، فإن من يقول بحرمة الجمال فهو يقول بذلك في بعض الجوانب التي –حسبما يرى– نص عليها الدين، ويرى أنها غير متوافقة مع الفطرة، أما الجماليات الوجودية المتمثلة في أصوات الطبيعة فهو لا يحرّمها. لنقل كلاماً فلسفياً: عندما يبتدع الإنسان صورة، أو مقطوعة موسيقية، فهو كأنما يقول: إن الطبيعة قاصرة. بمعنى أن الله لم تكتمل منظومته في الوجود فاحتاج الإنسان أن يكملها.

عبدالجواد ياسين: لا أستطيع أن أفهم أن العمل الابداعي الموسيقي يعبّر عن إحساس بعجز الله؛ بأي حال من الأحوال، فهو بهذا المعنى لم يستخدم حجج المحرمين من ذوي العقول المنغلقة. أصناف كثيرة من الفنون تعرضت لوابل من الاقصاءات السلفية الدينية لأسباب في رأيي تتعلق بثقافة تنتمي إلى مكان معين، وطور عقلي معين، هذه الثقافة هي التي أنتجت هذه الرؤية، على سبيل المثال في مسألة تحريم الغناء والموسيقى، ما أفهمه –ولكي أمارس نوعاً من التأويل الذي يفسر عقلية هؤلاء– أن مفهوم الغناء والموسيقى ارتبط بمفهوم القيان والخمر والمعازف، فلم تكن الموسيقى تسمع إلا في هذا المفهوم، وبالتالي تم تحريم العملية جملة واحدة، إنما الروح الإنساني الطبيعي لا يستطيع أن يتنكر في داخل نفسه الحاجة للإحساس بالجمال والفن، لذلك عندما يقول بتحريم ذلك فهو –في الواقع– يسقط ثقافة بعينها على المفهوم، ثم يسأل عن دليل له، ونحن نعلم أن أسهل الأشياء في التدين هي صناعة الدليل، لأن العقل الديني وهو يتدين هذا التدين الإضافي الذي تكلمنا عنه، أسهل شيء لديه أن يصطنع النص، فمن السهل جداً أن تنصص، كل تنصيص هو في الواقع تحويل الثقافة إلى دين مقدس عن طريق اصطناع النص، لأن الصيغة الأساسية ليعبر التدين عن ذاته هي النص، وما أكثر تصنيع النص الذي رأيناه في تاريخ المسلمين.

فالغناء ارتبط بالقيان والمعازف والرقص والنساء والخمر، فأصبح جزءاً من هذه العملية، لم يبحث الفقه الإسلامي في مفهوم الموسيقى من حيث هي فن مجرد، لم يكن وارداً في الثقافة ولا العلوم ولا الاجتماع المعرفي أن يهتم بقضية الموسيقى كموسيقى وفن وروح وعلم، كل ما كان وارداً هو مسألة التحريم التي تعبر في العقل الديني عن رغبة في إثبات ذاتها، لأن العقل الديني –وأقصد به العقل المتدين السلفي السائد في التدين الإنساني كله– يظن أنه لكي تكون متديناً أكثر يجب أن تحرّم أكثر، والتقوى لديه تقوم على التحريم، وليس من التقوى أن أحلل وأقول إن هذا مباح، الحديث عن الإباحة مرتبط في الذهن الديني بنوع من التسيب، متحلل من ضوابط الدين، في حين أن القضية في النهاية هي ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ))، هذا على سبيل المثال في الغناء.

لنرى قضية الفن التشكيلي والتصوير، الثقافة العربية التي أنتجت الفقه –والفقه الإسلامي برأيي منتج عربي، شرحت هذا مطولاً في كتابي الأخير “الدين والتدين”– منتج عربي بالدرجة الأولى، على الرغم من أن مؤثرات أجنبية قد رفدته نتيجة التوسع والفتوح في مرحلة التدوين، إلا أن في مرحلة التدوين هذه؛ في القرن الثالث، كانت الكتلة الرئيسية التي أنتجت الفقه في الكوفة والبصرة، والشام بدرجة أقل، ثم انتقلت إلى المدن الأساسية، فثقافة الفقه المدونة في أصولها تنتمي إلى الثقافة العربية، وحتى لو دخلت بعد ذلك عناصر ليست من العرب لكن ثقافتها كانت عربية. على كلٍ؛ في الثقافة العربية لا يوجد حضور واضح لفكرة الفنون بالمعنى الذي يشير إلى التصوير أنه فن، لم يكن هناك تماثيل كتماثيل الرومان والإغريق وتزيين للمعابد، وأشياء فيما يشبه الفن المصري القديم الذي فيه رسوم وتشخيص ونحت وتلوين وجمال، لم يكن فيه تصوير الوجه الإنساني بشكل مجسد مثل الصيغة الجمالية الهائلة التي نراها في النحت الورماني، فالبيئة والثقافة التي كانت في مجملها عربية صحراوية قبلية وبسيطة لم يكن فيها هذه المفردات، وبالتالي كانت هذه المفردات تشير إلى نوع من أنواع الثقافة المرتبطة لدى العقل الفقهي بديانة أخرى، والتي تم الربط بينهما لاحقاً، واخترعت له النصوص، فقد تم الربط بين مفهوم الوثنية والصنمية وبين مفهوم النحت مثلاً، في حين أنه لا بالعقل ولا بالمنطق يمكن الفهم أن التعاطي جمالياً مع تمثال ينطوي على أي نوع من أنواع المخاطر التي تهدد فكرة الإيمان بالله الواحد، ولا تنطوي إلا على نوع من التماثل مع المفهوم البسيط الساذج للوثنية الأولى، التي ربطت في الذهن العربي بين الأصنام التي كان يعبدها المشركون في البادية العربية وبين الوثنية. في النهاية هذه ثقافة واجتماع، صنعت لها نصوص، لا أكثر ولا أقل، ومجاراة العقل الفقهي للدخول في قلب المسألة ذاتها، ومناقشة النصوص من حيث السند، هذه قضية أخرى.

 

  • الجمال والدين

 

خميس العدوي: في طرحك الأخير لتعريفك جوهر الدين بأنه هو الجانب المطلق؛ الإيمان بالله والأخلاق، ولو استحضرنا ما تفضلت به في مسألة النحت مثلاً، ويلحق به التصوير، وأيضاً موضوع الموسيقى، لعل الدين على ما تشكّل يلحظ وبعمق عدم اخترام هذين الأصلين، لأن النحت والتصوير ارتبطا بالوثنية، فقد وجدت في المعابد والكنائس التماثيل التي تعبّر عن مضمون صنمي، وأيضاً بالنسبة للموسيقى فيما يتعلق بالجانب الخلقي وهو الخمر والرقص، هذه حالة لا تنفك عنها البشرية، ليس أمراً لحظياً لفترة معينة عاشتها البشرية، وإنما حتى اليوم هذا الأمر يمارس، اخترام مفهوم التوحيد بالرسم والنحت، واخترام مفهوم الأخلاق بالموسيقى.

عبدالجواد ياسين: لا أظن ذلك، بل حتى لو اعترفنا بأن جوانب من الفن ترتبط بمحرمات قطعية، هذا صحيح أحياناً، ولكن هذا لا يستغرق المسألة، ولا يجعل القضية منحصرة في هذا، لأن من المعلوم إذا اختلط الماء بالخمر فصار خمراً، فالقضية واضحة، ولكن إذا أمكن فصل الماء عن الخمر فالقضية أيضاً واضحة، ففي كل حالة تستطيع أن تفصل فيها بين المحرم قطعياً وبين الفن والجمال، فأنت في حل وسعة لتقول بحلية الفن والجمال، وبحرمة المحرم قطعياً. القضيتان مختلفتان.

في الواقع أنا أزعم أن التصوير والنحت لم يعد يمثّل في ظل الثقافة الإنسانية المعاصرة خطراً على التوحيد، حتى بمفهوم الإسلام، ولا على الأخلاق.

من الممكن جداً أن تستمتع بسماع السمفونية العبقرية التي وضعها كورساكوف، وأحس بروعة الفن والجمال، فما الخطورة على الأخلاق؟ وما خطورته على الإيمان؟ لا خطورة إطلاقاً، والنصوص لا يوجد فيها نص يمكن الاطمئنان إليه إطلاقاً من حيث الصحة، لا في سنده ولا في دلالته. فقضية الموسيقى والفنون التشكيلية والنحت لا تمثل خطراً على جوهر الدين إطلاقاً، ولا هي مؤيدة بنص قطعي في ثبوته ودلالاته.

هذا لكي أجاري منطق العقل السلفي التقليدي فقط، ولكن القضية من حيث الأصل قضية اجتماع، فكل التحريمات التكليفية اجتماع، أيّاً كان مصدرها، لأنها لا تنتمي إلى منطقة المطلق، ولم ينزل  الله تعالى بهاٍ إرادة منفردة واضحة محدثة أبداً في حال من الأحوال.

قد تتكلم عن مادونا أو شاكيرا التي ترقص عريانة وهي تغني، بالتأكيد تدرك وأدرك أنا أن هذا ليس المفهوم الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن الفن والموسيقى، أنا أتكلم عن كورساكوف، لنستمع لموسقاه ونرى مدى الحرمة التي تشع من الموسيقى.

 

  • الحضارة بين الخُلُق والجمال

 

خميس العدوي: قبل فترة من الزمن كنت في متحف اللوفر بفرنسا، ورأيت جماليات النحت والرسم. حتى أنني كتبت مقالاً قلت فيه: إنني دخلت غرفة بها رسوم لمعركة، فخشيت من أن يطالني منها سيف أو سهم، من حيوية الرسوم رغم أنها جامدة. والبعض يقول: إن في الحضارة الغربية خاصية الجمال هي الأساس، ثم يأتي الخُلُق تبعاً، أما تفكير العقل المسلم –وأنا جزء من هذا التفكير– فيرى هذا خادشاً للحياء، عندما أدخل متحف اللوفر –وهنا أتكلم عن الخلق– وأرى رسم امرأة عارية، ويكاد تقول إنك دخلت المخدع. هذا أعتبره بثقافتي المتوارثة خادشاً لشيء من الخلق، في حين لا أستطيع أن أنكر أنه قمة في الجمال. وعندما نأتي إلى الحضارة الإسلامية نرى العكس، فقيمة الخلق هي المهيمنة على حضارتنا، وأنا هنا أتكلم عن الحضارة وليس عن الدين، لأن الدين مكوِّن من مكوِّناتها في إطار الحراك الاجتماعي، في الحضارة الإسلامية الأساس هو الخُلُق، ويجب أن يحافظ عليه، ثم يأتي الجمال بما يسمح به الخلق، لا أتكلم عن الجمال الطبيعي وإنما أتكلم عن الإبداع في الجمال.

في النهاية هذه ميزة لهذه الحضارة وتلك ميزة لتلك الحضارة، عندما نقلب المسألة ونقدم الجمال على الخلق كما هو في الحضارة الغربية، فنحن قد نفقد الجوهر الحقيقي الذي يميز الحضارة الإسلامية، وفي هذا الإطار قد يفهم التحريم لهذه الفنون.

عبدالجواد ياسين: أنا لا أتفق تماماً على أن الحضارة الغربية تقدم الجمال على الأخلاق.

 

خميس العدوي: عرّف لنا الجمال والخلق ليتضح لنا الأمر.

عبدالجواد ياسين: اتفقنا على أنني أرى أن جوهر الدين هو الإيمان والأخلاق، وأن الأخلاق عامل مشترك في الحس الإنساني المؤمن، ويتوسع لغير المؤمن أحياناً، إنما هو في الحد الأدنى مشترك في الحس الإنساني المؤمن، إذاً الجانب الأخلاقي واحد، في السلفية المسيحية التي تمثل أحد جناحي الحضارة الغربية، فالحضارة الغربية لها جناحان: المسيحية والفلسفة اليونانية. المسيحية السلفية؛ طول فترة سيادتها على الثقافة الغربية مارست سلفية عاتية منغلقة لا تقل انغلاقاً عن السلفية الإسلامية، وكل أصناف التحريمات التي مارستها السلفية الإسلامية الصحراوية كانت لها نظائر في السلفية المسيحية التي أخذت موقفاً كبيراً جداً من التماثيل، وحتى الإيقونات، نفس الحوارات ونفس القضايا التي تتكلم عن حرمة التمثيل وحرمة الصور، وحرمة الموسيقى أحياناً، كانت واردة عند قطاع كبير من السلفية الغربية.

العقل الديني يمثّل كتلة واحدة في مسار التاريخ والحضارات، تتقاطع مع البشرية الاجتماعية، فحكاية التفريق بين ثقافة غربية وثقافة إسلامية، هذا في الحقيقة يأتي من كون العقل الآن ينظر إلى الغرب المعاصر، فيسقط عليه مفاهيمه الثقافية، ما تحكي عنه الآن هو سلوكات حضارية معاصرة لقطاع مرئي من الغرب، الرؤية النمطية للعقل العربي المسلم عن الغرب، والمتصوِّر أن الغرب أقل اهتماماً بالأخلاق وأكثر اهتماماً بالجانب الحسي، حتى الجمال في تعريفه ليس له أي ارتباط بالفكرة الحسية، ولا إشباع الغرائز ولا بمفهوم المسيحية الأولى بعد انتقالها إلى المناخ الملائم في الفترة الرومانية، فقد أبدت الروح المسيحية الأولى تأففاً من الطابع الحسي الشديد في الثقافة الرومانية، والتي كانت تعبّر عن ذاتها بتعبيرات كثيرة في السلوك والتصرف والفن في الجانب الحسي والجسدي، بمعنى الجانب الحيوي من الإنسان، والروح الغريزي الجسدي الحسي على وجه الدقة، فالحضارة الغربية ليست مستوى واحداً، فهناك مستوى عقلي، ومستوى النخبة، ومستوى العوام، ومستوى الفكر والفلسفة، والمستوى الديني، وعدد من المستويات. تاريخياً هناك الغرب القديم والغرب الوسيط والغرب المعاصر.

وأنا لست من أنصار التمييز القطعي الكامل على مستوى الحضارة والفكر بين الغرب والشرق بالمعنى المعاصر، خصوصاً عندما نناقش قضية مثل هذه، بالنسبة لها العقل الديني كله واحد، غربياً وشرقياً، يهودياً ومسيحياً وإسلامياً، بالكامل واحد، العقل الديني بالدراسة واحد، ينتمي إلى سيكلوجيا دينية، إلى تكوين خاص بالعقل، عندما ترى الحوارات اللاهوتية الكلامية في المسيحية هي نفسها في الإسلام بلا استثناء، يسمون الخوارج كلافنة، نسبة إلى كالفن لأنه كان يكفر الحكام عندما يخرجون عن الإنجيل والعمل به، باعتبار أن الكلفنة نوع من البروستانتية التطهيرية، فالعقل الديني واحد، وموقفه من الفن تقريباً واحد.

المسيحية نشأت في الجغرافيا الرومانية وقبل ذلك لم تكن مسيحية، وإنما كانت يهودية، فالمسيحية انشقاق يهودي، فرع من فروع الانشقاقات اليهودية المتتالية والكثيرة التي شهدها عصر الأنبياء المتطاول، فيما اسميه ظاهرة الأنبياء، الازدحام الشديد بالأنبياء، عندما انتقلت المسيحية إلى أوروبا، وتكونت بتدخل مباشر من الدولة الرومانية، قانون الإيمان المسيحي الأول كتب في مجمع نيقيا بتدخل مباشر من قسطنطين، وكان رئيس المجمع، والدور الذي لعبه دور معروف وواضح، أعني أن المسيحية انتقلت إلى أوروبا، إلى أرض أخرى فيها صور ورسم وتماثيل، كل هذا تم توظيفه في تقريب فكرة الإيمان المسيحي، وتم استخدامها وتوظيفها في الكنائس.

المعابد المصرية القديمة كانت تستعمل الموسيقى، ومعابد المسيحية تستخدم الأرجون والموسيقى والإنشاد، مع ذلك هناك فصائل مسيحية لا تفضّل ذلك ولا تحبه، الذي غلب بصفة عامة أن الفنون بسبب أنها اجتماع موجود، أو أنها كانت موجودة في الاجتماع الذي نشأت فيه المسيحية، قبلت هذه الفنون، بينما الاجتماع الذي نشأ فيه الفقه الإسلامي السلفي لم تكن فيه هذه الفنون. الاجتماع هو الذي ينشئ التكاليف والفقه.

0 1441 16 أبريل, 2013 السادس والثلاثون, ثقافة وفكر أبريل 16, 2013