أسئلة برسم الخجل

لـ

(نص الكلمة التي ألقيت في حفل التكريم بمناسبة الفوز بجائزة الإنجاز الثقافي البارز في عُمان لعام 2011، وذلك بمقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية في مساء يوم الأحد، 5 مايو 2013)

عبدالله حبيب

كيف لي أن أدعي انني بينكم في هذه الليلة، وأنا ليس لدي حتى جناح واحد كي أرعف بالريش، وكي يعفيني الريش من واجبات السماء؟.  كيف للنكال أن يكون مضاعفاً مع الأحباب أكثر مما هو مألوف في غريزة الأعداء؟.  كيف لي أن أتعرض لقسوة الحب مرة اخرى كما لو كنت في حاجة إلى قبلة جديدة، وشفتين متشققتين ترافقاني وتَرْتُقاني في الأخاديد حتى مقتل كافة الخنادق؟.  كيف لي أن أتظاهر بالنعاس امام بحر لا ينام، وكم أحسد ماياكوفسكي كثيراً لأنه تمكن بعبقرية حمقاء من إسكان غيمة في بنطاله، ثم انتحر، لأنه كان يخاف؟.  كيف للبحر أن يدّعي انني لا أراه في موجة صغيرة فيها المرايا التي أغرقت كل حياتي في ماء صغير؟.  كيف للموجة أن تتخلَّق ورقة في تعوب الكحالي الذي مات وهو يتذكرني، وينتظر عودتي من الدراسة في الولايات المتحدة؟.  “يوم عبدالله بخير، أنا بخير”، كان يقول في احتضاره.  وليس من حقي ولا من طبعي أن أتهرب من الزرقة.

كيف للحلاج أن يرتضي الجُبَّة والنار معاً؟. كيف لهم أن يشوهوا وجه بازوليني بأن يسحقوه سحقاً تحت عجلات سيارة جيئة وذهاباً فور أن أنجز فيلمه الخالد “سالو” الذي فضح فيه الفضيحة نفسها؟.  كيف لي أن أذوب في الوطن من غير أن أريد أي بلاد، ولا أرغب في أي أرض؟.  كيف لي أن أعجز عن أرغفة “رخال” مخلوطة بالبيض تستيقظ أمي في حوالي الرابعة صباحاً لخبزها لغيري ولي، مصحوبة بشاي الحليب بالزنجبيل، قبل الذهاب في السيارة العرجاء الوحيدة المتاحة عهدذاك إلى مدرسة يعرب بن بلعرب ومدرسة خديجة الكبرى في صحم، ونعود إلى القرية عند العصر ببطون أكثر جوعاً من بطون الأموات كي نهرع للعمل في المزارع أو البحر، وفي الليل لنا موعد مع التثاؤب والمذاكرة على ضوء وأدخنة فوانيس الكاز.؟.  كيف لي أن أغفر لأمي إصرارها على أن كل أولاد وبنات مجز الصغرى يجب أن يغادروا الكتاتيب فوراً، وأن يلتحقوا بالتعليم في المدارس الحديثة (أو “العصرية” كما كانت تقول)؟.

كيف لمحفوظة حبيب أن تموت أمامي فجأة وهي تبتسم ونحن لما نكمل اللعب بعد في تلك الظهيرة التي نخرت بقية حياتي؟.  كيف للطيفة حبيب أن تموت في تضرعات الصراخ ويأس الليمون في تلك الليلة الأسوأ من أجمل ما كتب كافكا؟.  كيف لي أن أرى أمي في الصباح ممسوكة من الذراعين والخصر وقد شاخت في ليلة واحدة بمقدار عشر نخلات دفعة واحدة، وهي تنوح، كي تلقي النظرة الأخيرة على الجسد المسجى في “الحوش”.  “لا، الشيمه، ما أبغى أشوفها.  لطيفه ما ماتت.  كيف يعني لطيفه تموت؟.  ما صدق!.  ما صدق!.  ما صدق!”.  كيف لي أن أرقب ذلك المشهد قبل سنوات طويلة من مشاهدتي أفلام بارادغانوف، وخاصة “خيول النار أو ظِلال أسلاف منسيين”؟، و”لون الرمان”؟.  كيف كان لكل ذلك أن يحدث قبل ان ينجز زخاروف فيلمه “أُم”؟.  كيف لي أن أكون يتيماً إلى هذه الدرجة؟.  كيف للحسرة أن تكون أكثر تهذيباً من هذا؟.  كيف لحبيبتي أن تعذبني هكذا:  “شايف البحر شو كبير؟ كبر البحر بحبك.  شايف السما شو بعيده؟، بعد السما بحبك”؟.  وكيف من القمين بي أن أتحمل كل ذلك الوجد كي أُردِف:  “ما أزغر الدمعة/ أنا دمعة بدربك/ بِدي أنذر شمعة/ وتخليني حِبك”، وذلك كي تعقّب:  “أحبك لو تكون حاضر/ أحبك لو تكون غايب/ ومهما الهجر يحرقني/ رَحْ أمشي معاك للآخر”؟.

كيف لأبي أن يوقف موفدي الوالي عند عتبات المسجد حين أرادوا توزيع المنشور الذي فيه صور المطلوب القبض عليهم أحياء أو أموات مقابل آلاف الريالات – خمسة آلاف ريال عماني مقابل رأس زاهر المياحي (أحمد علي) وحده، وقد كان الريال الواحد، عهدذاك، يعني كنزاً بمقاييس اليوم.  قال لهم أبي:  هذا مسجد، هذا بيت من بيوت الله، والمسجد دار عبادة، وليس دار سياسة، وأنا لا أستطيع أن أسمح بتوزيع المنشور بين المصلين وهم في مقام العبادة، لأن الله سيحاسبني، وأنا أخاف الله، ولا أخاف غير الله.  تعالوا لنصلي الجمعة أولاً، وبعد الصلاة سنتناول الغداء في بيتي على الرحب والسعة بما هو موجود لدينا اليوم في البيت من طعام قد يكون متقشفاً، لأنكم لم تخبروني انكم ستكونوا ضيوفي اليوم، وفي وسعكم أن توزعوا المنشور بما فيه من صور بعد ذلك، في أيٍّ مما تشاؤن من الأمكنة في القرية، لكن ليس قبل الصلاة، وليس قبل الغداء، فنحن قوم مسلمون.

لم تنطفئ السنوات، ولا أزال أتذكر.

أتذكر ما حدث بعد الصلاة والغداء.  لقد اختفت سيارة اللاندروفر الستيشن ويغن البيضاء التي جاءت بوفد الوالي.  وإلى الآن لا أدري أين هي.  لكن صور أولئك المطلوبين أحياء أم أموات لم تغادر في السيارة اللاندروفر الستيشن ويجن البيضاء، بل ذهبت إلى مكان آخر.  ذلك المكان هو قلبي بالضبط، وما أنا في وارد استغفار من قلبي، ولا أنا في حِلٍّ من عيونهم التي سكنتني إلى الأبد.

كيف، بعد أيام قليلة من ذلك، في الرستاق، في مساء 29 أكتوبر 1974 اضطر زاهر المياحي (أحمد علي)، بعد أن أخفقت سيارة الاستطلاع الثانية في القيام بمهمتها، وبعد أن أوغل في الكمين، أو أوغلت البلاد قلبها فيه، أن يفعل ما يفعله كل الأبطال التراجيديون منذ عصر الميثولوجيا الإغريقية وحتى الغد؛ أي أن يبادر بإطلاق النار من مسدسه الرشاش بغرض الموت شهادة وانتحاراً كي يمكِّن رفاقه من الفرار إلى الأبدية وهم يطلقون النيران الانسحابية المتقطعة في وضعية الانبطاح التقلبي على حصباء البلاد خشية على النجوم التي كانت ترقب المشهد بقلوب الأمهات؟.  بلى، هو زاهر المياحي (أحمد علي) الذي كما كتب عنه قاسم حداد “حاول أن يتبادل (بين الجبل والساحل) صوراً قديمةً تجعل الحلم ممكناً.  لكنه بوغت بالمسافة الشاهقة بين خفة المكان ورصانة الوقت، فأصيب بالفقد”.  كيف لسعود المرزوقي (أبو مرشد)، أن يقول في حوار مطول أجري معه قبيل الإعدامات، رداً عن سؤال استفزازي:  “نعم، كنا في أتم الاستعداد لو تمكنا من ذلك” (جريدة عُمان، ص2، عدد 26 إبريل 1975).  كيف يذهبون إلى السرمد ويتركوننا هنا، في رماد الاحتمالات؟.  كيف لهم أن يفعلوا هذا، كيف؟.

الآن، اسمحوا لي من فضلكم أن أقول كلاماً صغيراً لا أخشى حتى من الندم عليه.  على الرغم من اننا وضعنا أيادينا على قلوبنا في منتصف الثمانينيات، فإنه يمكن القول بقدر كبير من الثقة انه منذ 1970 وحتى الآن تطورت البورجوازية العمانية الصغيرة كثيراً.  وقد سبق في إحدى الحكايات القديمة  ان خَلَدَ الأرنب للنوم في منتصف الطريق لفرط ثقته بنفسه في سرعة الجري، ففازت السلحفاة المعروفة بالبطئ في نهاية السباق.  لقد تطورت البورجوازية العمانية الصغيرة أكثر مما تطورت الكتب التي كنا نعضُّ عليها بالنواجذ، وأعمق مما تطورت ثرثرات الحانات التي كنا نلوكها كعلكة مهترئة من قبيل ان هذه طبقة متوسطة، ومتزئبقة، ولا تعرف أين تكمن مصالحها، ولهذا فإنها ستتغدى معك، وستتعشى مع عدوك، إذ ان ليس لديها أدنى علاقة بالتحالف المصيري بين العمال والجنود والفلاحين، وكأننا كنا نعرف كل شيء.  وفي أية حال، لم يكن التاريخ إلا تلميذاً غبياً على مقعد حكمتنا.  كان رينيه شار قد كتب:  “إننا لا نبلغ المستحيل، بل نستعمله مصباحاً يضيء لنا الطريق”.  أما ماركس فقد كتب في أواخر حياته:  “انا كارل ماركس، لكني لا أعرف ما هي الماركسية”.  وغرامشي كان أكثر صراحة حين كتب:  “لقد غلبت الحقائق الأيديولوجيات”.   وعليّ فيما تبقى من حماقة ان أحاول إعادة تعلم القراءة.  ولهذا أيضاً،  فإنه منذ فبراير 2011 وحتى الآن كان الخيار واضحاً جداً في النسبة لي فيما هو متاح لي من حماقة، ومن حقيقة:  علينا أن نترك الساحات لأهل الساحات، وأن نغادر الآثار إلى الأقدام، هذا على الرغم من ان تلك الآثار لن تتمكن من محوها أية رياح، وعلينا الآن أن لا نصارع أي أحد لمجرد انه اختار لقدميه ما يريد من أحذية.   ولكن علينا أيضاً أن نطلب مِن مَن في الساحات، وفي ميادين الاعتصامات، أن لا يرمِّلَوا، ولا ييتّموا جيل الستينيات والسبعينيات، لمجرد ان ذلك الجيل خاف على النسيان من الورق، فانطلق بأجمل ما يكون الطيش في مغامرة أكبر من العزلة والأحلام طمعاً في نجمة كبيرة تضيء كل المسافة الشاسعة نسبياً من ظفار إلى الكويت.  ولم يكن النفّري بعيداً جداً من مؤتمر حمرين 1968 حين قال:  “في المغامرة جزء من النجاة”.  يكفيهم فخراً أن تصدح إحدى أغنياتهم هكذا:  “العلم نور القلوب/ والجهل أخّر شعوبي/ حتى لِصْغَيّر تعلّم/  والقلم بيده تكلّم/ وزينٍ زين/ يا بحر طاب ليلي معاك”.  عمان لن تكون أبداً إلا للعمانيين.  وعلى الزمان أن يقصر أو يطول كما يشاء، لأننا سنحيى كما نشاء، وسنتجدد كما نشاء، وسنموت كما تشاء السماء التي أوكلت إلينا مهمة  الحب، والحق، والعدل، والخير، والحرية، والجمال منذ أن هبط آدم إلى الأرض.  يؤسفني انني لا أستطيع أن أكون أكثر ثقة من هذا بأولادكم، وأحفادكم.

لست خبيراً فيما يتعلق الأمر بالأمثال الشعبية، لكن أمي كانت تقول لي دوماً ما تعرفه كافة أمهاتكم جيداً:  “اسمعني يا ولدي:  تراه إللي ما إله أول، ما إله تالي”، وأنا لا أطلب منكم أن تصيخوا السمع إلى أمي، لكني أتوسل إلى الجيل الجديد أن يأخذنا معه إلى التالي، وأن لا ينسى، في الوقت نفسه، الذين كانوا في الأول، فالتنكر ليس من أحوال إلا من كان نَكِره.  الذين لم يكونوا معنا في الأول لن يسعفونا في التالي.  واسمحوا للبراميل انها قد تتعفف من الشفقة على البارود.

كيف لي أن أتورع عن مغبّة أسئلة كهذه، أنا المحاط في هذه الليلة بكل هذا الحب الذي لا يفلح سوى في إصابتي بالتضاؤل الشديد والرغبة الحارقة في الذهاب إلى هناك؟.  كيف لي أن أتمنى انني لا أستحق أن أكون بينكم إلى هذه الدرجة الغلواء؟.

في حياتي الصغيرة تعرضت لكثير من العذاب، مقصوداً كان أو غير مقصود، وكلُّ من هو غيري على الأرض، بمن في ذلك أصغر فراشة، تعرض لعذاب أكبر، وأكثر.  لكن لم يعذبني أي شيء كما فعل بي النبذ والحب.  لمن نبذوني وأنا في أشد الحاجة إليهم أقول:  علمتني الأرض ان حضنها أكبر، ولم أعد في حاجة حتى إلى النبذ.  أما عن الحب فمن خصاله انه يجيء دوماً في وجع غريب.  يكبر الناس وينضجون، أما أنا فأزداد هشاشة أمام الحب، وأذوي في اللعاب أمام أول ابتسامة من العينين.  وما دمنا في ذكر النبذ، والحب، العذاب فإنني أنحني الليلة باحترام كبير لمن تبقى من الأصدقاء والرفاق الذين أبوا بأناقة مضحكة أن يسجلوا كلمة في إرشيف هذا المساء، إن كتابة، أو فيلميّاً، أو حتى بالحضور، وذلك تورعاً من الخبز والملح الذي كانت أمي وأيتام القرية أجدر به لو كنتُ أقل طيشاً وحماقة في ذلك الزمان، وذلك أيضاً إمعاناً في التطهر من الدم الزكي الطاهر النبيل الذي سال لأجل بيوتهم الباسقات التي يسبلون فيها رغداً وغدراً اليوم.  إنني في غاية الانحناء لهم شكراً وعرفاناً، فمن خطاياي التي أعتز بها انني لم أدرّب ظهري سوى على الخناجر والنصال، وأشكر لظهري انه قد اُبتلي ببعض المهارة والمناعة.  ولذلك فإنني أطمئنهم بكل حب تلك السنينن وحب هذه الليلة، وأقول لهم:  لا تخافوا أبداً.  لا يزال في ظهري متسع للمزيد من الخناجر والنصال، وأنا أطالبكم بالمزيد منها حفاظاً على صحته، لأنني أخاف من يوم سنحتكم فيه إلى كافة الأسلحة الناريّة والبيضاء، باستثناء سلاح القلب، لأننا لو لجأنا في احترابنا إلى ذلك السلاح، فأنا أسلّم بالهزيمة منذ هذه الليلة.  أبارك لكم النصر، وأخاف من لحظة لا أستطيع فيها أن أتذكركم إلا بالمحبة.  كان هاملت قد صرخ في خالدة شكسبير:  “لقد كدت أن أنسى طعم الخوف”، فهنيئاً، هنيئاً، لكل منا بما اختار من نوع الخوف الذي يجدر ويليق به.

في حياتي الصغيرة ارتكبت عدداً كبيراً من الأخطاء، أولها انني حاولت كل شيء تقريباً، فأخفقت في كل شيء بالكامل، لكن أظن انني نجحت في شيء واحد فقط، هو التجاسر على المحاولة، ولذلك فأنا بينكم الليلة في تأكيد آخر للإخفاق.

لا أزال أحاول الكتابة، لكن الكتابة لم تعلمني سوى الأسى.  لا أريد غير ذلك، لأن ذلك يبدأ ولا ينتهي.  وأنا لا أرغب في غير ذلك.  أرجوكم:  انني أستأهل كل النسيان، ولا أطلب منديلاً ولا مغفرة من أحد.

تزيدني الكتابة جهلاً بنفسي، وهذا من حميد شِيَم الكتابة والكآبة معاً.  بيدَ اني أحاول تعلم الكتابة بكل نمل الكآبة الممكن لأن قدراتي في أي شيء آخر غير الكتابة معدومة بالكامل تقريباً.  قَدَري في هذه الحياة طفيف جداً، وأنا راضٍ به تمام الرضى.  قدري هو اني لا  أستطيع الكف عن الكتابة لأنني لم أعد أرى ان هناك ما يستحق الحياة غيرها، وأنزّه نفسي عن التنصل من حماقات القلب في الحب، وما أنا بمعذرة من ذكرى الروح، ولا من ذاكرة الوطن.

للسينما أعتذر لنفسي أولاً وأخيراً، ولتصفح عني الألوان.  إنني مصاب بالخوف الشديد، والتأتأة.  سأظل أشاهد السينما، وأكتب وأترجم عنها، لكني حقاً لم أعد في الظروف الحالية قادراً كثيراً على التعامل مع آخرين.  على عكس الكتابة، فإن السينما تتطلب العمل مع آخرين، وأنا صرت بالكاد أستطيع أن أتحمل نفسي من باب اعتذاريِّ فحسب.  لا يستطيع المرء أن يتهرب من أشباه وعود ما لم يكن قد ضربها أصلاً، وأفضل ما في الحمقى انهم يعيدون ترتيب أولوياتهم، ويضحكون، فيما سَدَرَ عنهم في إعادة ترتيب الأولويات.  ثم يبدأ يوم آخر في الحياة لغيرهم من جديد، في الألولويات أيضا.  من منا يستطيع أن ينسى تلك الأغنية الجمعية الجليلة في مستهل فيلم بازوليني “صقور وعصافير” حيث يحضر الجميع في ذلك الشدو المهيب في رديف صوتي للترات، ثم يبدأ الفيلم الأكثر جمراً من “رماد غرامشي”.  كلا، لا  أقدر الآن على ذلك.  كل ما أستطيعه هو الخجل أمام ما قيل في بعض شهادات الكتاب والفيلم اللذين صدرا احتفاءً بشخصي المتواضع.  وأخال انه من حق المرء أن يكون خجولاً ووحيداً حين يشاء، وهذا أيضاً يأتي من باب إعادة ترتيب الأولويات.  لكن، في المقابل، فإن الاحتمال النقيض وارد لأن المرء لا يستطيع أن يكون إلا ميتاً إذا ما هو تغافل عن الاحتمالات، خاصة بعد التقريع الشديد الذي رجمني به كالطير الأبابيل مسعود أمر الله في مساء الأمس.

ثمة ظلام كثير في هذا العالم، ولكن “في أزمنة الظلمة تصفو الرؤية” كما يقول ريتكه.  لهذا جاءت “مبادرة القراءة نور وبصيرة” ومنها “صالون القراءة”، و”كتابي صديقي”، ومشروع “مناظرات”، ومشرعات في الطريق أُخَر كي تذكرنا بالمقولة المصباحيّة  القديمة التي تذهب إلى أن إشعال الشموع خير من لعن الظلام.  لذا فإني أرجو إليكم من أعماق روحي، ومن شغاف أرواحكم، أن تساعدوا هذه المبادرة بكل الطرق الممكنة في إبقاء الشمعة مشتعلة، ودعوا الظلام لأهل الظلام، فما للخفافيش بلاد غير الظلام.

“مبادرة القراءة نور وبصيرة” لم تأت بقرار من فوق؛ بل بإقرار من القلب نحو محبة القلوب.  أرجوكم، دعونا ننبض بالمحبة، فالقلب لا ينبض إلا إذا أحب.  والدم يوجد في الأرواح، والقلوب، والأيادي، فدعونا نمد الأصابع إلى الأصابع، ونمد النور والبصيرة إلى المستقبل.  وإن كنا قد نسينا كافة نصائح الشهداء فإن علينا أن نتذكر درسهم الأخير في الاستبسال حتى الرمق الأخير في محاولة المحاولة.

لن أسلو هذا المساء أبدا، وأرجوكم وأوصيكم أن لا تكون شاهدة قبري سواه حين أنام أخيراً في الجانب الغربي من هجعة محفوظة حبيب.  كما اني أرجو أن تنسوني بالكامل بعد هذه الليلة التي أصابتنا بالحب أكثر مما يجب.  لقد قلت في نفسي:  تُرى كيف سألتقي بكم، وكيف سأفترق عنكم، ثم ضاعت عني المواقيت، فخذلتُكم، وذهبتُ إليكم.  ضعيف أنا أكثر مما ينبغي أمام الحب، وأخاف الحزن، وأخاف الندم، وليس من شِيَمي أن أخدش الصمت حين تعجز الكلمات حتى عن الذهاب إلى القبر.  لذلك فإني سأتوارى، فهذا من صالحنا جميعاً. أعتقد انني في حياتي الضئيلة أحببتُ أكثر مما أُحْبِبتُ,  وأظن ان ذلك يناسبني تماماً، ذلك لأنه لا بأس في قليل من السعادة أحياناً، انتظاراً للفراق، أو انتظاراً للحتف.

لمن أغدقوا علي كل هذه الرغبة في البكاء الليلة أقول بكل لعثمة القلب:  شكراً.  شكراً لسعيد الهاشمي.  شكراً لسليمان المعمري.  شكراً لقاسم حداد.  شكراً لتومَس ويستون.  شكراً لصالح العامري.  شكراً لتشوما غابرييل.  شكراً لناصر صالح.  شكراً لزاهي خميس.  شكراً لأمين صالح.  شكراً لمسعود أمرالله.  شكراً لسماء عيسى.  شكراً لعبدالله خليفه الغافري.  شكراً للدكتور محمد زرّوق.  شكراً لميسون صقر القاسمي.  شكراً لخميس قلم.  شكراً للدكتور حسن مدن.  شكراً لعبدالله البلوشي.  شكراً لعبدالرحمن حسن الشامسي (ود الخاله).  شكراً لخالد البدور.  شكراً لإبراهيم سعيد.  شكراً لمحمد المزروعي.  شكراً لفاطِمَة الشيدي. شكراً لأحمد راشد ثاني.  شكراً لمحمد الحبسي.  شكراً لمزنة المسافر.  شكراً لناجح حسن.  شكراً لبشار إبراهيم.  شكراً لعرفان رشيد.  شكراً لوليد الشحي.  شكراً لحمد الحمادي.  شكراً لنديم جرجورة.  شكراً لبسام الذوادي.  وشكراً للشعثاء سلطان التي للأسف الشديد حالت أسباب تقنية تتعلق بالصوت دون أن يتضمن الفيلم شهادتها.

وأخيراً فإن فوزي الصغير هذا مهدى من أخمص القلب ومن أعلى شهقات وشاهقات الروح إلى العزيزة العالية الغالية مريم إبراهيم المعيني في كل خبز “الرخال” المخلوط بالبيض، وفي شاي الحليب بالزنجبيل، وإلى قيثارة القلب، والليل، والنهار، في كل الموسيقى، وإلى خميس يوسف النوفلي، الذي تقريباً لم يسمع به أحد، والذي ذهب إلى الكويت في نهاية الخمسينيات طلباً للقمة العيش الكريم على شاكلة كثير من العمانيين آنذاك وهو عامر بالجهل، والأمية، وضحيّة للعنصرية اللونيّة أيضاً، وذلك كي يعود من الكويت  إلى البلاد في السبعينيات وهو مسلح  بثقافة، وبندقية، وفكرة، كي لا يخرج من السجن إلا بعد عشر سنوات من ذلك عطبت فيها قواه العقلية بالكامل تقريباً إلى درجة انه لم يكن قادراً على التعرف إليّ في كثير من الأحايين.  وفي السنوات اللاحقة لم يفلح شيئ  أو أحد في إصابته بعدوى الشفاء.  كم أحسده على هذه العافية.  وفوزي هذا مهدى أيضاً إلى الذكرى الوافرة لتعوب الكحالي في كل البحر، وإلى الكبار، الكبار، الكبار، الذين كانوا في سمائل، في كل الحرية.  شكراً.

0 2317 07 مايو, 2013 العدد السابع والثلاثون, حداء الروح مايو 7, 2013