(وعلى الذين يطيقونه) جدلية النسخ والتفريغ من المضمون

لـ

فرض الصوم

الصوم عبادة لها مقاصدها الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية، وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية بلا خلاف بين الفقهاء في ذلك.

ودليل الفرضية قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة:183-185.

وموضوع هذا المقال حول الدلالة المستفادة من قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ…)، والآراء التي قيلت في ذلك.

 

الآراء المطروحة ومناقشتها

تعدد الآراء ظاهرة صحية، وجدت منذ أن خلق الله آدم، فكان للملائكة رأي في ذلك (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة:30، ولم يعنف الخالق ملائكته لكونهم أبدوا رأيهم في خلق آدم، لكنه بيّن لهم قصور علمهم أمام علمه سبحانه.

من هنا مورست بصورة واسعة كذلك في المسائل الفقهية منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا، غير أن هناك من الناس من يتعامل مع الآراء بمقولة “ومَن أنت كي تبدي رأيك!”، وهذه المقولة منافية لما وضح من إبداء الملائكة رأيها وتساؤلها حول خلق آدم.

وفي هذا المقال أعرض بعض وجهات النظر في مسألة متعلقة بصيام شهر رمضان مع مناقشتها.

فالاختلاف وقع في تأويل قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، وكان للفقه آراء متعددة حول تأويلها منها:

الرأي الأول: أن هذا الحكم كان رخصة عند ابتداء فرض الصوم لأنه شق عليهم؛ فكان لمن أطعم مسكيناً ترك الصوم وهو يطيقه ثم نسخ ذلك، ونسخته آية الصوم([1])، أي قول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة: 185.

يذكر أبو الحسن البسيوي: (كانوا في الصوم الأول من شاء صام ومن شاء أطعم وأفطر، وهو صحيح يطيق الصوم، يفدي صوم كل يوم بطعام مسكين، وهو نصف صاع حنطة، (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)، فمن زاد على طعام مسكين فأطعم اثنين فهو خير له من طعم واحد.

وقال: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) من الإطعام، (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، فقيل: إن هذا منسوخ…)([2]).

 المناقشة: أصحاب هذا الرأي فروا مما حسبوه ظاهر الآية إلى القول بنسخ حكمها، لكن القاعدة أنه لا يحكم بالنسخ إذا أمكن الجمع بين الأحكام العملية([3])، فتحمل الآية على أعدل الأوجه دون القول بالنسخ، وأيضاً فإن من قواعد الفقهاء أن النسخ لا يقع في كلمة أو جزء من آية، لهذا لا يمكن التعويل على هذا الرأي.

والقول بنسخ آيات من القرآن لا دليل عليه سوى محض الظن وعدم القدرة على التوفيق بين الآيات، فلم يأت وحي من الله ينبئنا أن هذه الآية أو تلك منسوخة، والوحي ناطق باتباع آياته (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) الحديد:9.

وهناك قطاع من الفقه ينفي وقوع النسخ في القرآن، وممن ذهب إلى ذلك عبيد بن عمير الليثي من التابعين([4]) وأبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الذي قال: (ليس في القرآن آية منسوخة)([5])، وقال محمد عبده حول ردود أبي مسلم الأصفهاني على من يقول بالنسخ: (وهو يخرّج كل ما قالوا أنه منسوخ على وجه صحيح من التخصيص أو التأويل)([6]).

وبما أن مسألة نسخ القرآن قائمة على الظنون والاحتمالات فلا يمكن التعويل عليها، لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وقد أجاد سامر إسلامبولي في نقض حجج من يقول بالنسخ في القرآن الكريم([7])،وممن ينفي وقوع النسخ في القرآن:

1- الفخر الرازي في تفسيره الكبير

2- أحمد حسن الباقوري

3- عبد الرزاق نوفل

4- محمد الغزالي، في كتابه: (كيف نتعامل مع في القرآن)

5- عبدالله العلالي

6- عبدالمتعال محمد الجبري في كتابه: (الناسخ والمنسوخ)([8]).

7. طه جابر العلواني في تقديمه لكتاب (كيف نتعامل مع القرآن).

8. خالد الوهيبي في مقال بعنوان (نقد نظرية تاريخية النص القرآني) نشر بجريدة “عُمان”.

الرأي الثاني: أن الحكم باق لم ينسخ وإنما هنا تقدير محذوف وهو “لا”، فيكون معنى الآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) أي الذين لا يطيقونه، ومثلوا له بالرجل والمرأة العجوزين اللذين لا يقدران على الصوم([9]).

المناقشة: وهذا الرأي فيه علة واضحة وهي قلب صريح لظاهر الآية من الإثبات إلى النفي، فلا يمكن التسليم له بالقبول، وممن انتقد هذا الرأي محمد عبده([10]).

الرأي الثالث: وهناك من يرى أيضاً أن الحكم باق لم ينسخ، غير أن تقدير المحذوف هو “كانوا”، فيكون المفهوم في الآية أي الذين كانوا يطيقونه، ومثلوا له أيضاً بالرجل والمرأة العجوزين اللذين كانا يطيقان الصيام([11]).

المناقشة: حينما يقدر محذوف (كانوا) فإن المعنى يتحول من الإيجاب إلى السلب، وهذا الأسلوب ينبغي أن يكون صريحاً واضحاً لا غموض فيه، وبهذا وقع أصحاب هذا الرأي في تغميض معاني القرآن والله تعالى يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر:17، فالآية صريحة بـ (يطيقونه) ولا داعي إلى قلبها بـ(كانوا).

الرأي الرابع: وهوه لزكريا المحرمي([12]) مفاده:

– (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) وجوب الصيام على المكلف.

– (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) من أفطر بسبب فعليه البدل.

– (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ومع البدل تجب الفدية على القادر.

– (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) ومن تطوع بالفدية في كل حال فهو فاعل للخير.

– (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الصيام أفضل من الفطر في السفر والمرض.

المناقشة: وعلى رأي المحرمي من أفطر بسبب فعليه البدل كالمريض والمسافر، ومع البدل يتوجب الفدية على القادر، والواضح من رأيه أنه يُرجِع الضمير في (يطيقونه) إلى المريض والمسافر، لكن الظاهر من الآية أن (واو الجماعة) في (يطيقونه) يعود إلى (الذين آمنوا) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فالخطاب في الأصل مُوّجَة إليهم، أما الهاء في (يطيقونه) فتعود إلى (الصيام)، وبهذا تتكامل الرؤية في فهم الآية كما سنرى لاحقاً.

الرأي الخامس: ويذهب أوزون إلى أن الصيام يمكن أن يكون أياماً معدودة (ثلاثة أيام في الشهر) أو شهراً كاملاً اسمه رمضان، فمن أراد طبق خيار الأيام المعدودة ومن أراد طبق خيار الشهر الكامل، ومن أراد أن لا يمارس تلك الشعيرة بأكملها (الصوم) دفع فدية أقلها إطعام مسكين واحد ومن يزيد فهو خير له([13]).

المناقشة: ودليل أوزون هنا أن أياماً معدودة تدل على القلة وأقلها ثلاثة أيام، وأن ظاهر الآية يدل على التخيير في الصيام، على اعتبار أن “يطيقونه” في الآية بمعنى يقدرون عليه، فأباحت الآية الإفطار كما يقولون للقادر على الصيام لقاء دفع فدية أقلها إطعام مسكين ومن زاد فيها فهو خير له، وأن الصيام في أيام معدودة كان سائداً في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام عند اليهود والأحناف والصابئة.

ما استدل به أوزون لم يقم عليه دليل من القرآن، وذلك لأن الأيام المعدودة وإن كانت قليلة، ولكن هذه القلة لا تقدر ولا تعرف إلا إذا عرفك بها المتحدث، وهنا عرفنا الخطاب القرآني بأن هذه الأيام المعدودة التي كتب علينا صيامها ما هي إلا شهر رمضان، وشهر رمضان معروف أنه شهر كامل، وثلاثة أيام ليست شهراً في الشرع والعرف واللغة، لهذا جاء النص مُحدداً صيام هذه الأيام القليلة وهي الشهر كاملاً، أي ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً.

واستدل أوزون بالآية في سورة يوسف (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة)، على اعتبار أن لفظة “معدودة” للقلة، ولكن السؤال: هل هي كما يقول أوزون أقلها ثلاثة؟، وإذا كان أقلها ثلاثة فكم أكثرها إذن؟!، والمفسرون مختلفون في عدد هذه الدراهم المعدودة التي شروه به، قيل: تعد عداً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود، لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها، وعن ابن عباس كانت عشرين درهماً، وعن السدي اثنين وعشرين درهماً([14]).

أما ما استدل به أوزون من أن صيام الأيام المعدودة كان سائداً في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام عند اليهود والأحناف والصابئة؛ فهو أيضاً محل نظر، لأن هناك الكثير من الشرائع والممارسات كانت سائدة قبل القرآن لكن طالها التحريف والتبديل، فلم يأت القرآن ليرسخ وجودها، بل جاء مصدقاً لما صح منها ومهيمناً عليها، وبما أن الصيام كان مكتوباً على الأمم السابقة فقد يكون صيامهم هو شهر رمضان، كما هو مفروض في الإسلام.

وقريب من هذا الرأي ما يقوله عبد المجيد الشرفي في كتابه “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” بأن معنى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) أي من يطيق الصوم فله أن يفطر إن شاء ذلك، ولكن عليه إطعام مسكين بدل اليوم الذي أفطره، أي أن الشخص بالخيار، من شاء صام رمضان، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكين.

وذلك أن الآية أمرت أولاً بالصوم وهو الأصل في هذه العبادة، ومن لم يرد الصيام ولديه طاقة على ذلك فله الإفطار، خاصة أن بعض الروايات تحكي أن الصوم كان تخييراً ثم نسخ، ويرى هؤلاء أن الحكم مازال باقياً بلا نسخ، غير أن المسلمين فضلوا الأفضل المنصوص عليه في الآية (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وعليه جرى عمل الأمة، خاصة مع الفوائد للصيام، بيد أن من لم يرد أن يؤدي هذه الفريضة له أن يعدل إلى الإطعام؛ دون أن يصوم أياماً معدودة كما يقول أوزون، فإن شاء صام يوماً أو ثلاثة أو أكثر أو لم يصم بتاتاً، ففي حالة الصيام أدى فريضة رمضان، وفي حالة الإطعام أدى البديل وهو الفريضة الثانية (الإطعام) لمن لم يرد الفريضة الأولى (الصيام).

وهذا الرأي هو وجه آخر للقول بالنسخ، فأصحاب الرأي الأول قالوا بأن الصوم كان تخييراً في بادئ الأمر واستدلوا بهذه الآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، وأيدوا ذلك ببعض الروايات، ثم نُسخ بصوم رمضان كما يقولون.

أما قول أوزون والشرفي فهو قلب للعملة على وجهها الثاني، فقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) عندهم ناسخ لكل آيات فرض الصوم، بحيث يصبح الصوم أمراً تخييرياً بين الصوم والإطعام لكل قادر على الصوم، وتفرغ بذلك العبادة من مضمونها من الناحية العملية.

وسياق الآيات يدحض هذه الفكرة من أساسها، فالآيات قررت أن على المريض والمسافر القضاء، فكيف يخير بعد ذلك الناس بين الصيام أو الإطعام؟ فإذا كان القادر مخيراً بين الصيام أو الإطعام؛ فكيف يكون مركز المريض والمسافر أشد من الصحيح القادر؟!.

وقد يقول قائل إنه لزم خيار الصيام فلذا ناسبه القضاء، والجواب أن هذا لم يحل الإشكال، لأن وضع المسافر والمريض يستلزم وفقاً لقواعد القرآن التيسير والتخفيف لا التشديد، فمركز الصحيح صار أفضل من المريض والمسافر، وعليه يصير الإطعام أفضل وأيسر لكل أحد، ولن تعود هناك فائدة من قوله تعالى (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) لأن الواقع العملي صار: وأن تطعموا خير لكم!!.

والآية الكريمة لم تتحدث عمن لم يرد الصوم، بل جاءت في ظاهرها على من يطيق الصوم، فيجوز في حقه الإفطار، وهذا كما سبق هو السبب الذي جعل العلماء يؤولون الآية إلى عدة تأويلات، ولم يكن في بداية الإسلام الصوم بالتخيير كما تزعم بعض الروايات، بل كان فريضة واحدة بلا تخيير، ولو كان تخييراً مفروضاً لصرح به القرآن الكريم، وقد سبق إبطال حجة من يقول بالنسخ.

وقد فرض الصوم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) وقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، والآية تحديد لتوقيت هذه الأيام المعدودات وهي رمضان، وذكر فرض الصوم مرتين: مرة بلفظة (كتب عليكم) وأخرى بلفظة (فمن شهد منك الشهر فليصمه)؛ تأكيد على هذه الفرضية على جميع المؤمنين إلا من عذر.

وهذه الفكرة الناشئة عن نظرية النسخ؛ قامت من البدء على حمل لفظة (يطيقونه) على الصحيح القادر، وهذا ما جعل آخرين يقدرون محذوفات في الآية، وجعلت آخرين في المقابل يحملون لفظة (يطيقونه) في حق الصحيح القادر، وهذه مجرد ظنون لا ترقى على معارضة آيات الصوم الواضحة الصريحة، وكان الواجب حملها على ما دلت عليه أمهات الآيات.

ولكن بتتبع لغة القرآن ودلالاته نجد أن الأقرب إلى الصواب للفظة (يطيقونه) ما ورد في الرأي السادس.

الرأي السادس: يرى خالد الوهيبي وخميس العدوي أن لفظة (يطيقونه) في الآية بمعنى يتكلفونه، أي وعلى الذين يتكلفونه فدية طعام مسكين؛ أما إذا تجاوز التكلف إلى حد ما لا تطيقه النفس فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها([15])، وما ذهب إليه الوهيبي والعدوي روي عن ابن عباس([16]) وإليه ذهب بعض العلماء ومنهم محمد عبده([17]).

وهذا المعنى هو الذي يفهم من قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة:249 فقولهم (لا طاقة لنا) تحمل معنى الكلفة التي سيتكبدونها في مواجهة جالوت وجنوده، وكذلك في الآية (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة:286 فقول المؤمنين (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ) هو سؤالهم أن لا يحملوا كلفة لا قبل لهم بها، فالطاقة وفقاً للغة القرآن تحمل مضامين الكُلفة، فالمقاتل الذي يبذل جهداً حربياً يتحمل كلفة عالية، هذه الكلفة هي التي يعبر عنها بالطاقة.

ويرى هؤلاء أن الهمزة في الإطاقة للسلب، فمعناها الذين لا يطيقونه من غير تقدير حرف النفي، وأثنى محمد عبده على هذا التأويل وقال: (وهو قول منقول معقول، ويظهر بإرادة سلب الطاقة أي القوة به لا قبله)([18])، ثم إنه أوضح قبل ذلك تفسير (يطيقونه) فقال: (الإطاقة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشئ فلا تقول العرب أطاق الشئ إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يحتمل به مشقة، فالمراد بالذين يطيقونه هنا الشيوخ والضعفاء والزمنى الذين لا يرجى برء أمراضهم ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة)([19])، وكذلك من يجد كلفة حقيقية في الصيام، كأصحاب الأعمال الشاقة جداً أو تلك التي تمارس في ظروف صعبة للغاية.

وبهذا فالرأي السادس أقربها إلى الصحة والأكثر انسجاماً مع سياق ودلالات آيات الصوم، وأما عن العلة:

–      فالمريض والمسافر كلاهما سوف يرجعان إلى طبيعتهما ويتحملان كلفة الصوم؛ لذا ناسبهم القضاء.

-وأما من يطيق الصوم بمعنى من يجد فيه كلفة؛ كالعاجز والضعيف والمريض المزمن وغيرهم، ودلالة (يطيقونه) تستوعب كافة أصحاب الأعذار التي تظهر وتستجد بفعل حركة الحياة من غير المرضى والمسافرين، فهؤلاء قد يصومون لكن بكلفة شديدة تضرهم، ومنهم من لا ترجى رجوع قوتهم؛ لذا ناسبتهم الفدية.

ومن الأصول العامة للأوامر الشرعية قوله تعالى:(رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة:286، وذلك بأن لا يكلف الناس فوق احتمالهم، أما الآية184 من سورة البقرة فهي تتحدث عن أصحاب الأعذار كالمريض والمسافر، وهؤلاء لهم حكم، أما الذي يتكلفون الصوم فلهم حكم آخر، والحكمان منسجمان مع دلالة الآية 286 من سورة البقرة.



[1] ابن بركة، الجامع، ج2، ص16. الشوكاني، فتح القدير، ج1، ص226.

[2] أبو الحسن البسيوي، الجامع، ج2، ص1235.

[3] رشيد رضا، تفسير المنار، ج2، ص139.

[4] الوارجلاني، العدل والأنصاف، ج1، ص162.

[5] رشيد رضا، تفسير المنار، ج2، ص139.

[6] المرجع السابق.

[7] إسلامبولي، (الآحاد- النسخ- الاجماع- دراسة نقدية لمفاهيم أصولية).

[8] المرجع السابق، ص60.

[9] الكندي، بيان الشرع، ج20، ص175.

[10] رشيد رضا، تفسير المنار، ج2، ص157.

[11] الكندي، بيان الشرع، ج20، ص176.

[12] رسالة نصية في هاتفي من زكريا المحرمي، بتاريخ 19/ 7 / 2012م.

[13] زكريا أوزون، الأركان في الميزان (الصوم)، ص32.

[14] الرازي، تفسير الكبير، ج18 ص434.

[15] رسالة نصية في هاتفي من خالد الوهيبي، بتاريخ 19/ 7 / 2012م.

[16] الزمخشري، الكشاف، ج1، ص224.

[17] رشيد رضا، تفسير المنار، ج2، ص156.

[18] المرجع السابق، ص157.

[19] المرجع السابق، ص156.

0 6810 08 يوليو, 2013 العدد التاسع والثلاثون, ثقافة وفكر يوليو 8, 2013