“الزوج آخر من يعلم”

لـ

” 1 “

يقول المشتغلون في الأمثال إن تفسير مثل “الزوج آخر من يعلم” هو أنه إذا أرادت الزوجة خيانة زوجها، فأول شيء تفعله هو اتخاذ الحيطة والحذر الشديدين من زوجها، إذ أنها تدرس طباعه وسلوكه وعاداته، فتعرف أوقات خروجه من البيت وعودته إليه وسفره وإيابه، ونومه ويقظته، وانتباهه وغفلته، ثم تحتاط من الجيران، حينذاك تبدأ بالخيانة، ولكن بمرور الزمن وتكرار الفعلة، لا بد أن تتسرب أخبارها إلى بعض الجيران أو بعض أصحاب المحلات القريبة، ومنهم من الجاليات الآسيوية، فيتهامس الناس عن خيانتها، بل هناك من يشاركها الفعلة، ثم يتقدم الزمن فينقلب الهمس إلى أحاديث علنية وتلوكها الألسن، ويزداد العارفون بسوء سلوكها، يحدث كل هذا والزوج لا يعلم عن خيانتها أي شيء، والناسُ العارفون بسلوكها يتهيبون من مفاتحته خشية سوء العاقبة، ولكن يقع شيء لم يكن في الحسبان وغالبا ما تقع الأمور السيئة في حالات كهذه، فإذا الزوج يعلم، ويعلم أن العالم يعلم، ولكنه كان آخر من يعلم بخيانتها وذلك لتقصيره، فقالوا هذا المثل، طبعا وما ينطبق على الزوج هنا ينطبق تماما على الزوجة حيث نستطيع أن نقلب المثل إلى “الزوجة آخر من تعلم” لأن الهدف هو أن ينشغل الزوج ويترك الاهتمام بأمر أهله وبيته، فتفقد الأسرة النظام والقانون الرادع وتتصرف الزوجة أو الأولاد بما يحلو لهم كيفما يشاؤون ومتى يشاؤون حتى تنهار الأسرة، فإذا كلّ أحد في صوب، فهناك من يتجه إلى ممارسة الجرائم، وهناك من يتجه إلى المخدرات، وهناك من يكون مصيره السجن، وهكذا، ونجد أن هناك من يستغل الأسرة كلٌ لتحقيق مصالحه ومآربه..! وقد أُتي بغلام مرة عند الخليفة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه ليقيم عليه حد السرقة، ولكن أهله طلبوا له العفو باعتباره فعلها للمرة الأولى، فكان رد الخليفة: “ما كان الله ليفضحه لو أنه فعلها للمرة الأولى”، بمعنى أنه عندما يتكرر الأمر أكثر من مرة فإن ذلك يكون سببا لانتشاره عند الناس.

” 2 “

إنني أخشى أن تكون قصة الزوج الذي هو آخر من يعلم تنطبق تماما على أوضاعنا الآن، بعد كل ما نقرأه من فساد وموت الضمائر، طال كل المرافق ولم يترك حتى الرمل والحصى والجبال والبحار، وتم التلاعب بالمال العام وبيع حتى الحدائق العامة وممتلكات الدولة، والكلُ يتسابق في اقتطاع ما يستطيع من الكعكة، كما أننا أصبحنا الآن نشك في كل شيء نشتريه، بعد أن صرنا نقرأ أخبارا شبه يومية عن الفساد المستشري في المجالات التجارية التي تنشرها هيئة حماية المستهلك، ولسانُ حالنا يقول “ربما ما خفي كان أعظم”، فقد وصل الغش إلى الأكل والأدوية وقطع غيار السيارات والإطارات والأطعمة الفاسدة والمفارش وكل شيء، وكما قلت في مقال سابق تحت عنوان “آفة الفساد”: كان الله في عون المواطن العماني، إذ ماذا بقي له؟! رغم استغلال المواطن بالغلاء الفاحش إلا أنه تناول طعاما فاسدا ومغشوشا ومنتهي الصلاحية، وعندما مرض جراء ذلك اشترى أدوية منتهية الصلاحية تم التلاعب بتواريخ صلاحياتها، وعندما قرر السفر للعلاج في الخارج تم إعطاؤه عملة مزورة، من صرافي بلاده الذين يملكون ترخيصا رسميا لمزاولة الصرافة، وعندما يتم التحفظ عليه في الخارج بتهمة التزوير يكتشف أنه مواطن ليس له قيمة ولا يساوي شيئا ولا يجد من يدافع عنه.

إن ما تقوم به هيئة حماية المستهلك هو جهد مشكور ولكنه يبقى ناقصا لأن المواطن – وهو الضحية الأولى والأخيرة – لا يعلم من هم المفسدون؟ ولا يعلم ما هي العقوبة التي توقع بهم، فمعظم الأخبار التي تنشر تتحدث عن الاكتشافات بعموميات فقط، كالخبر الذي نُشر مؤخرا حول مجموعة من الآسيويين الذين يبيعون كميات فاسدة من البطاطا أخذوها من النفايات، فلا نعلم من هم هؤلاء ولا نعلم أين تم تسويق هذه البطاطا ولا نعلم أي ضرر سببته للناس، ونحن نتساءل عن سبب انتشار الأمراض بكثرة مثل مرض السرطان، كما سبق وأن قرأنا خبرا عن إعادة تأهيل الإطارات القديمة المنتهية الصلاحية، ولكن لا ندري من قام بذلك؟ وأين تم تسويقها؟ وأين هو حقنا نحن المستهلكين إذا كنا اشترينا من تلك الإطارات، ثم نتساءل عن سبب كثرة وفيات حوادث السيارات؟، لم يعد الآن مجرد نشر الخبر يكفي لأن الأمر إذا استمر على هذا المنوال سيصبح مجرد دعاية فقط للهيئة وللقائمين عليها خاصة أن سعادة رئيس الهيئة قد أخذ سمعة طيبة جدا عند المواطنين.!

” 3 “

هناك كلام كثير كان يدور همسا خاصة عند الأجانب، ولكن عندما يستفحل أي أمر فإن الهمس يتحول إلى الجهر وقد يتحول إلى الصراخ، وقد تحول الآن إلى الجهر، وهو أن الإنسان لا يستطيع الآن أن يُنجز أي شيء إلا إذا دفع رشوة، وأن الأجانب خاصة الآسيويين هم أرباب هذا العمل، وهناك كلام قد تحول إلى الجهر الآن أن هناك من الأجانب من يتاجرون في العقارات وفي الأراضي باسم العمانيين، بمعنى أن التجارة المستترة تحوّلت الآن إلى ما هو أكبر من فتح مجرد محل بيع صغير لشخص آسيوي باسم العماني، وهناك كلام كثير تحول من الهمس إلى الجهر حول الكثير من الأشياء تدور كلها حول بيع الضمائر وبيع الأوطان وأبطالُها في الأساس مواطنون عمانيون وآسيويون، والحقيقة أن هناك الكثير من القضايا التي يتم تداولها قد تفتقد إلى وجود أدلة، هذه حقيقة ولكن ليس معنى هذا أن نسكت ونترك الأمر هكذا بحجة أن ما قيل يفتقد إلى أدلة، فالمطلوب من جهات الاختصاص أن تبحث في الأمر سواء علنا ورسميا أو عن طريقها الخاص، لأن هناك من يعلم ولا يملك الأدلة حتى تنفجر الأوضاع، فهل يجب أن ندع الفساد ينتشر بحجة أنه لا دليل عليه؟! والحقيقة العلمية تقول “لا دخان بلا نار”، ومن هنا فإن جميع أجهزة الدولة وأخص بها الأمنية، مطالَبة بأن تستيقظ وتراقب الأمر عن كثب، لأن مشكلة الفساد كما – يرى الكاتب “تركي الدخيل”- أنه “خفي”، ويأتي الخفاء بسبب تشعّب طرق إنفاق المال وضعف الرقابة عليه وتحوّل بعض المؤسسات الحكومية إلى بقرة حلوب لدى بعض مسؤوليها، كما أن خفاء الفساد يعود إلى ثغرات في الأنظمة والرقابة، وعندما تستغرق الجهات الرقابية في سبات عميق لدرجة الشخير حينها تنشط الأيدي الخفيفة.

إننا قبل أن نلوم الآخرين فإن اللوم يجب أن يوجه لنا كمواطنين، فإن الأجانب وخاصة الآسيويين لم يكونوا ليتجرؤوا على التعامل بالرشاوى وبالمتاجرة بالعقارات والأراضي وغير ذلك من التجارة المستترة، ولا إلى التزوير إلا لأننا نحن من رضي بذلك ولأن الخلل فينا، إذ أننا ركزنا على المصالح الشخصية الضيقة على حساب مصالح  الوطن وحقوق الأجيال القادمة.

إن الدولة إذا وقفت بشدة وبحزم ضد الفساد وضد المفسدين بكافة مستوياتهم فإن ذلك سيكون مبعث ارتياح عند الناس، وسيتكاتف الناس معها، ولا شك أن من أهم طرق مكافحة الفساد هو متابعة رؤوس الفساد والمفسدين وكشف جرائمهم واسترداد المال العام والخاص الذي نهبوه بغير حق وتقديمهم للعدالة لإنزال العقاب الرادع بهم ليكونوا عبرة لغيرهم، وأظن أننا نحتاج إلى جهود كبيرة لاستعادة الثقة بين المواطنين والحكومة، وذلك بالتصدي الحازم للفساد الإداري والمالي والخُلقي والقضاء على المحسوبية والرشاوى وكل ما يدور في الخفاء ويعلمه الجميع إلا “الزوج”، وها نحن ننبه الآن الزوج بأن هناك ما يدور في الخفاء، وعليه أن يتحرك ويجدّ ويجتهد للمحافظة على بيته.

أستطيع أن أصور حالنا الآن كقصر ضخم كل ما فيه يبدو جميلا، وكل من رآه في الخارج يمدحه ويثني عليه، ولكن السوس “الرُمّة” قد نخر كل جزء فيه، وبسبب الإهمال انتشر السوس ولم يترك أي شيء، حتى هوى القصر بسهولة، فإذا كل من كان يمدحه ويثني عليه يستغرب، كيف حدث هذا؟ وهل يمكن أن يحدث هذا فجأة دون مقدمات؟ لأننا ظللنا نخدع أنفسنا بأي تغريدة في “تويتر” تمدحنا حتى وإن كانت من نكرة ويتم تداولها كأنها فتح من الله، لذا فعلى الدولة أن تهتم وتعمل على القضاء على الفساد، وعلى المسؤولين أن يكونوا قدوة، وهذه النقطة مهمة لأن الناس يتقبلون عندما يثقون أن الذين يدعونهم إلى شيء هم الذين يطبقونه أولا على أنفسهم، وعندما يحس المواطن أن القيادة تمثله ويؤمن بإخلاصها وقدرتها وحكمتها فإنه يتفاعل مع قراراتها حين تصدر ولا يعتبرها مجرد أوامر من أعلى، إن نفذها ينفذها خوفا وعلى مضض وليس حبا وتقديرا وولاء.

” 4 “

إن فساد الدولة ليس جريمة بحق المواطنين فقط، وإن فساد المواطنين ليس جريمة في حق الدولة فقط، بل إن هذا الفساد هو جريمة بحق الوطن وبحق الأجيال القادمة، فكل فساد من استغلال المنصب، وأخذ العمولات على الصفقات، وبيع الأراضي، وسرقة المال العام، والبنايات الحكومية المتصدعة والتي نقرأ عنها كل يوم، والمشاريع المعطّلة، والعقود بالمليارات، والخطط الوهمية، كل تلك الحالات وغيرها مما ذكرنا ولم نذكر، إنما تضرب الوطن في الصميم وتشلّ قدرته على التطور والنمو، بل تفتح أبوابا – إذا لم يتم اتخاذ اللازم لوضع الحلول العاجلة والمناسبة – فإن من الصعب غلقها، وأظن أني قد أخطرتُ الزوج وقد بلّغت، اللهم فاشهد.

0 2419 14 أغسطس, 2013 العدد الاربعون, سياسة أغسطس 14, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي