تيم لاندن: لورنس العرب المعاصر

لـ

بينما أخذتنا إحدى الصحف البريطانية قبل أيام في رحلة مصورة للورانس العرب [1] إحتفاءً بمولده قبل ١٢٥ عاماً فإنه ليس من المتوقع أن يتم الإحتفاء ب”لورنس العرب المعاصر” أو “لورنس عُمان” فضلاً عن أخذنا في رحلة مصورة له من قِبل أي جريدة بريطانية بالرغم من أن عيد مولده يُصادف تاريخ اليوم العشرين من أغسطس وبالرغم من كونه أحد كبار المُساهمين في صياغة التاريخ العماني الحديث‎ والحفاظ على النفوذ الإنجليزي بالبلاد لسنين. وحتى لو فرضنا أن جريدةً، بريطانيةً كانت أو غير بريطانية، شاءت ذلك فلن يكون من السهولة لها إضافة أي شيء جديد على “فُتات المعلومات” الذي تسرّب عنه خلال حياته أو حتى بعد وفاته.

 

فتيم لاندن الذي يُصادف اليوم الذكرى الأولى والسبعين لميلاده جمع ما بين كونه ضابط إستخبارات أدى واجبه بإخلاص للعرش البريطاني، و مواطن “عُماني” شارك في نهضة عمان وبنائها، و “لورنساً” نجح في كسب ودّ العمانيين للحد الأقصى، و “سُلطاناً أبيض” بنى حقيقةً – لا مجازاً- مملكة خاصة به في بريطانيا نجحت أسوارها في الحفاظ لحين مماته على أدق خصوصيته حتى لم تُنشر له سوى صورة يتيمة بالأبيض والأسود.

وحتى بعد مضيّ ست سنوات على وفاته فإن دور الرجل في التاريخ السياسي الحديث لعمان لم يتم تناوله كما ينبغي بالرغم من أن له دوراً مباشراً في إنقلاب 1970م الذي كان بداية نهضة عُمان الحديثة بقيادة صاحب الجلالة وفي الأطوار التأسيسية الأولى للدولة. ويكادُ الكلام عنه باللغة العربية قد اقتصر على موضوع المرحوم مازن الطائي المُعنوّن بـــ”تيم لاندن: مواطن عُماني (1942-2007)” [2] والذي كُتب بعد وفاة لاندن بفترة قصيرة ولم يُحدّث بعدها فيما يخص الرجل.

 

ولكن حتى هذا التقرير لا يدعي أنه أتى بجديد بقدر ما إنه بالمقام الأول تجميع لما يمكن إيجاده من معلومات حول الرجل بغية إعداد ملف عنه يُخلّد – إلى حدٍ ما- حياته ودوره سواءً فيما يخص عمان أو غيرها، ومن نافل القول هنا أن الآراء الواردة به لا تُعبر بالضرورة إلا عن أصحابها وأن الوقائع هنا ليست بالضرورة قطعية تماماً ولكنها أدق ما يمكن الوصول إليه عنه.

 

-١-

 

ولد جيمس تيموثي وتينجتون لاندن James Timothy Whittington Landon بجزيرة فانكوفر في كولومبيا البريطانية بكندا بتاريخ الـ20 من أغسطس لعام 1942م من أم كندية عملت كخبيرة تجميل في هوليود بينما كان والده يخدم في الجيش الكندي كضابط بريطاني يقود حامية الجزيرة. ومن ثم انتقل لاندن لبريطانيا من أجل إكمال تعليمه الثانوي وهو في الحادية عشرة، والتحق بكلية إيستبورن Eastbourne كأشقائه الثلاثة الأكبر منه ولم يكن طالباً مجتهداً آنذاك، وبعد قراره بتتبع خطى والده كعسكريّ التحق بكلية ساند هيرست العسكرية وتخرج منها في أغسطس 1962م في ذات الفترة التي كان يدرس فيها السلطان قابوس قبل توليه العرش. وبالرغم من وجود مصادر تشير إلى أن لاندن أصبح صديقاً مُقرباً للسلطان أيامها إلا أن أُخرى تشير إلى أنهما كانا زميلين عاديين ولكن علاقتهما ازدادت لاحقاً في ظفار أو تمت “إعادة خلقها” بحسب تعبير الضابط الإنجليزي كولين ماكسويل. وبناءً على التقارير العسكرية فقد كان لاندن بالكثير جندياً متوسطاً، وتخرج بالمرتبة 182 من بين 208 خريجاً. ومن ثم تدرب لمدة ثلاثة سنوات كملازم ثاني في فرقة سلاح الفرسان Hussars العاشرة بفوج الفرسان، حيثُ فشل مجدداً في إثبات تميزه.

 

-٢-

وفي مُنتصف الستينيات وبعد إنتهاء تدريبه حصل لاندن على فرصة للعمل في قوات السلطان المسلحة بعمان كضابط بعقد (وليس مُعاراً من قبل فوجه) للمشاركة في الحرب ضد متمردي الجنوب، ويبدو أنه في ١٩٦٧م عاد لبريطانيا لدراسة علوم الإستخبارات العسكرية ومن ثم عمل كقائد لكتيبة إستطلاع في فوج مسقط، ولكن النقص في ضباط الإستخبارات بالجنوب تسبب لنقله إلى هنالك كمساعد لضابط إستخبارات، ومن ثم ترقى في نهاية الستينيات ليصبح ضابط إستخبارات ويسهم إسهاماً ملحوظاً في تحسن أداء الإستخبارات العمانية، قبل أن يكون له دور أهم في إنقلاب ٢٣ يوليو ١٩٧٠م الذي أتى بالسلطان قابوس -حفظه الله- لسدة الحكم وأثّر على تغيير مسار حرب الجنوب ومعها مسار نهضة عمان.

ولعل من أبرز المصادر التي تتحدث عن دور لاندن الإستخباراتي في ظفار هو كتاب ” حيث يرهب الجنود التقدم” Where Soldiers Fear To Tread للسير رانولف فاينس Ranulph Fiennes  [3] الذي قاتل في ظفارخلال نهاية الستينيات وكان كتابه الذي نشره عام ١٩٧٤م مصدر الصورة الأشهر لتيم لاندن -واليتيمة على الأرجح- وهو جالس في سيارة لاندروفر تابعة للإستخبارات العمانية وهو يرتدي عمامة عمانية، وهو ما تناقض على الأمد البعيد مع رغبة فاينس في حماية هوية لاندن الذي “توم جرينينج” Tom Greening كإسم مستعار للاندن في كتابه وذلك لأن الأخير كان لا يزال على رأس عمله بعمان.

وبحسب فاينس فقد تولى لاندن عمله الإستخباراتي بظفار في يوليو ١٩٦٩م بنجاح باهر نظراً لإجادته اللغة الجبالية ونجاحه في الإختلاط بالناس بهدوء وتواضع وكسبه لمحبتهم. وبحسب فاينس فقد

كان “ضابط إستخبارات جيداً للغاية مُقارنةً بالضباط الجنوب أفريقيين الذين سبقوه. فقد كدت أقتل بسبب ضعف إستخباراتهم، وكان الأمر أشبه بالجلوس في كهف بمكانٍ ما والتساؤل إن كانت الإستخبارات تقوم بعملها بشكل صحيح. ولكن تيم نجح في التكيّف والتأقلم مع المواطنين وتعلم لغتهم ومن ثم الحصول على معلومات موثوقة منهم”.

وبالإضافة لدوره الإستخباراتي في تقليص نفوذ المتمردين والقضاء عليه فإن لاندن كان يُمارس دوراً آخر أكثر أهميةً وسرية، فقد سعى ضابط الإستخبارات في القوات المسلحة مالكولم دينيسون بنجاح في إقناع السلطان سعيد بالسماح للاندن بمقابلة السلطان قابوس باعتبارهما كانا صديقين أثناء دراستهما في ساند هيرست وتقول بعض الروايات أن لاندن كان يرسل ألبومات بيتهوفن وموزارت وغيرها لقابوس وهو ما عنى الكثير للأخير. وقد كان على لاندن حينها -بإيعاز من الحكومة البريطانية- إقناع قابوس بالإنقلاب على والده الذي تم بنجاح في ٢٣ يوليو.  ويدعي فاينس أن لاندن أرسل له رسالة له قبل شهرين من الإنقلاب يبلغه بأن سياسة سعيد هي فقط التي تُشعل الحرب، وأنه فيما لو تولى قابوس السُلطة فإن الأمور ستستقر.

وهو ما دفع السلطان سعيد للقول قُبيل وفاته بعد سنتين أن ما يندم عليه هو “عدم إطلاق النار على لاندن”.

 

وبُعيد الإنقلاب تم إعفاء لاندن من منصبه وضمّه لطاقم القصر كقيّم على الإسطبلات الملكية Sultan’s equerry. وبالرغم من هذا المسمى الوظيفي فإن دور لاندن الحقيقي كان العمل كمستشار رئيسي للسلطان، وحسب ما يورده فاينس فإنه عمل كــ”اختصاصي عام” ينصح السلطان بخصوص الشؤون العسكرية والإقتصادية والحكومية بالإضافة لأمور أخرى.

وبمراجعة مراسلات وزارة الخارجية الأمريكية في السبعينيات أو ما يُعرف بــ”برقيات كيسنجر” [4] فإننا نجد أن لاندن تدخل في مشاريع متنوعة بعُمان منها العسكري كصفقات الأسلحة ودراسة إستخدام مصيرة من قبل الأمريكان ومنها التجاري كتلك المُتعلقة بموضوع الشركات المُتقدمة لإدارة ميناء السلطان قابوس أو إنشاء طريق عبري التي كانت شركة تنمية نفط عمان تنوي إقامته.

وقد ساهم الرجل في تشكيل وبناء القوة العسكرية العمانية لتكون الأقوى تسلحا على مستوى الشرق الأوسط. وفي عام 1980م لوحده فإن السلطنة أنفقت 400 مليون جنيه إسترليني في مجال الدفاع في وقت لم يتعدّى فيه مجموع السكان المليونين. وحسبما يقول جون بيسانت فإن صفقات الأسلحة كانت تتم عبر ديفيد بايلي David Bayley وهو ضابط بريطاني سابق كذلك ولاحقاً أصبح شريك لاندن في مشاريعه وصفقاته. وكذلك فإن لاندن ساهم في السبعينيات بكسر حظر تصدير النفط الذي فرضته الأمم المتحدة على روديسيا وجنوب أفريقيا وهو ما ساهم في تضاعف ثروته.

ويبدو أنه كان للاندن دوراً كبيراً حتى في تشكيل الحكومة العمانية فهو مثلاً من أتى بأنطوني آشورث Anthony Ashworth رئيسه السابق في كتيبة الفرسان ليعمل بمسمى مستشار وزير الإعلام في 1974م فيما كان حقيقةً هو “بوابة عمان الإعلامية”.

 

وفي عام 1977م تزوج لاندن من الأميرة كاترينا Katerina المنتمية لعائلة إسترهازي Esterhazy المجرية العريقة، كانت هناك شكوك حول صلتها بعائلة هابسبورغ Perhapsburg النمساوية، مما دفع البعض لتلقيبه بسخرية بـ”السيد بيرهابسبورغ”.

وفي 1979م عاد لاندن ليستقر ببريطانيا كمستشار للسفارة العمانية بلندن ويتفرغ لترتيب إقامته في فاكومب Faccombe   وخصوصاً بعدما أصبح دوره كمستشار للسلطان في عُمان رمزياً وارتفاع وتيرة الحسد والغيظ تجاهه من الوزراء العمانيين نتيجة قربه من السلطان. ولكن هذا لم يعني بأي حال من الأحوال أن نفوذه على الحكومة العمانية قد تقلص؛ فقد استمر في تقديم خدماته واستغلال سُلطته من وراء البحار. وقد حمل معه إلى هنالك لقب “السلطان الأبيض” نظراً للثروة التي كان قد كونها ولا زال يُكوّنها.

 

-3-

وفيما تبدو المصادر شحيحة عن تفاصيل عمليات لاندن في السبعينيات فإن دوره في الثمانينات أصبح أكثر وضوحاً مع إنتقاله لبريطانيا، ففي عام 1980م قام بإقناع السلطان قابوس بدفع تكاليف رحلة زميله في حرب ظفار بالسابق رانولف فاينس إلى القارة القطبية الجنوبية. وفي 1982م نجح السُلطان في إقناع الملكة إليزابيث (عبر رئيسة الوزراء مارجريت ثاتشر) على منح تيم لقب فارس وأصبح قائد فرسان فرقة فكتوريا الملكية. وهو التشريف الذي يعدّ كهدية شخصية من الملكة إشادة وعرفانا للجميل وما قُدّم من خدمات خاصة للعرش وذلك بعد دوره الملموس في ترتيب زيارة قابوس إلى لندن بالإضافة إلى ما سبق من خدمات. ولأن بعض أعضاء الحكومة البريطانية كانوا قلقين بخصوص أنشطة ومشاريع لاندن التجارية بالإضافة إلى ما أبداه دوق أدنبره من “نفوره” من أنشطة لاندن السرية؛ فقد مُنح التكريم له كمواطن أجنبي (بصفته يحملُ جوازاً دبلوماسياً عمانياً) ولم يُسمح له باستخدام لقب “سير” Sir، فيما كان قد حصل على رتبة “عميد” في قوات السلطان المسلحة من قبل.

 

وقد عمل لاندن مع مارك ابن مارجريت ثاتشر ومن المُرجح أنه ساهم في إعطاء عقد بناء جامعة السلطان قابوس لشركة المقاولات والتعمير البريطانية سيمنتيشن Cementation التابعة لترافلجار هاوس Trafalgar House والتي كان مُمثلاً لها. ومن المعروف أن تلك الصفقة أثارت ضجة في نهاية الثمانينات في الصحف البريطانية والبرلمان نظراً لاتهام مارجريت – التي كانت رئيسة الوزراء حينها- في إقناع السلطان لإعطاء عقد البناء الشركة التي يعملُ معها ابنها. [5]

 

وفي تلك الفترة أنشأ لاندن شركة فاليركس Valurex التي ستُصاحب الكثير من صفقاته المشبوهة لاحقاً كما يُعتقد أن لاندن احتفظ بمكتب في واشنطن يديره عميل سابق لوكالة الإستخبارات الأمريكية.

 

ومن خلال تتبع الصُحف الأمريكية التي صدرت في الثمانينات نجد أن بعضها تحدث في يوليو 1986م عن أن شركة آشلاند Ashland التي تعمل بشكلٍ أساسي في تنقية ونقل وتسويق منتوجات النفط الخام ومديرها السابق أورين. إ. آتكينز Orin E. Atkins أنهيا خلافاً دام لفترة طويلة مع هيئة سوق المال الأمريكية التي اتهمتهم برشوة مسؤول حكومي أجنبي. وقد انتهى الخلاف بعد أن قبِلت الشركة بإنذار برلماني يُقيّدها من الوقوع في أية انتهاكات والتورط في عمليات فساد دولية مخالفة لقانون الهيئة. فيما لم تعلق الشركة حينها لا نفياً ولا تأكيداً على تلك الإتهامات.

وتدور التهمة حول رشوة آتكنز لتيم لاندن أثناء ما كان الأخير يعمل في حكومة عمان “من أجل حثه على استخدام نفوذه على حكومة عمان لمساعدة آشلاند للحصول على والإحتفاظ بأعمال معينة تخص النفط الخام”. وقد أدى الإتفاق الذي عُقد في إبريل 1980م إلى دفع آشلاند ما مجموعه 29 مليون دولار في الفترة ما بين 22 إبريل 1980م حتى 22 أكتوبر 1982م بحجة التنقيب عن معادن في مناجم كروم ونيكل في زمبابوي والإستفادة منها تجارياً، وتأكد الهيئة أن ذلك الإتفاق ما هو إلا غطاء لشراء النفط الخام من عمان وهو ما جرى حين فازت بعقد نفط في 1981م.

 

وتقول الشكوى أن آشلاند عقدت إتفاقاً مع لاندن وعائلته في إبريل 1980م قامت بموجبه بدفع 29 مليون دولار في الفترة ما بين 22 إبريل 1980م حتى 22 أكتوبر 1982م بحجة الحصول على 75% من مناجم يمتلكها وتقوم بالتنقيب عن معادن في مناجم الكروم والنيكل في زمبابوي والإستفادة منها تجارياً، وتُأكد الهيئة أن ذلك الإتفاق ما هو إلا غطاء لشراء النفط الخام من عمان وهو ما جرى حين فازت بعقد نفط في 1981م. وكان الدافع وراء الصفقة الذي بدأ التحضير لها منذ 1979م هو حظر استيراد النفط الإيراني الذي يُشكل ربع مصدر آشلاند من النفط مما دفعها للبحث عن مصدر جديد.

وقد قالت الهيئة أن الفرع الأجنبي لآشلاند قام بخمسة تحويلات مالية إلى حساب بنكي سويسري حدده لهم مدير أعمال لاندن التجارية.

 

أما في مايو 1985م فإنها تكلمت عن أزمة أخرى عندما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية إعطاء مناقصة لصيانة ثلاثة منشئات عسكرية عمانية صرفت عليها الولايات المتحدة الأمريكية ما يزيد عن الـ200 مليون دولار من أجل تطويرها على أمل أن تُستخدم من قِبل القيادة الوسطى الأمريكية.

وقد تقدمت 14 شركة أمريكية وشركة بريطانية واحدة هي أيروورك Airwork Ltd من أجل الفوز بالمناقصة، وأرسلوا ممثليها للقيام بزيارة ميدانية في أكتوبر 1983م وقدموا عروضهم المبدئية، فيما وصلت ثلاث شركات أمريكية فقط لــ”القائمة القصيرة” المُرشحة للفوز بالمناقصة بعد دراسة الحكومة الأمريكية للعروض، وقد أنفقت كل شركة ما بين 200 ألف دولار إلى المليون في عرضها.

ولكن الأمر لم يسر كما ينبغي، فبحسب الصحف فإن لاندن أوضح للبنتاجون عن عدم رضا حكومة عمان فيما يتعلق بحصول أيروورك على العقد. وقد زار لاندن وإيرك بانيت Eric Bennett قائد سلاح الجو العماني البنتاجون من أجل الحصول على عقود لشركات بريطانية بما فيها أيروورك لتصبح الحكومة الأمريكية عندها بين خيارين صعبين؛ فمن جهة هي لا ترغب في كشف معداتها لشركة بريطانية ربحية وهو الأمر الذي يتطلب إذناً سرياً، ومن جهة أخرى لم ترغب في معاداة السلطان وخصوصاً أن عُمان كانت حينها هي الدولة الوحيدة بالخليج العربي التي وافقت على أن تستخدم القوات الأمريكية أراضيها وقت الأزمات.

 

وكشف تحقيق الصُحف أن الأمر قد ظل مُهملاً لأشهر حتى أرسل السفير الأمريكي بعمان حون كاونتريمان John Countryman برقية في السابع عشر من مارس 1984م لواشنطن يقول فيها أن وزير الخارجية العماني سلمه مذكرة دبلوماسية يطلب فيها أن تحصل أيروورك على العقد.

 

وبعدها بعشرة أيام اقترح مسؤول بريطاني رفيع بالجيش العماني أن يتم إعطاء العقد كمشروع مشترك بين أيرووك وشركة فينيل Vinnell الأمريكية.

وفي الثاني من إبريل أبلغ وزير الخارجية جورج شلتز George Shultz السفير الأمريكي بعمان أنه يعتبر طلب الوزير رغبة من السلطان، ولكن مسألة إعطاء العقد سيتم تدارسها أكثر من قبل الجهات الأمريكية.

 

وفي فترة الثمانينات – بحسب مصادر أخرى- فإن لاندن تورط كذلك في تهريب مدافع بوفورز Bofors إلى عُمان وذلك بعد رفض الحكومة السويدية بيعها للسلطنة.

 

-4-

وفي التسعينيات واصل لاندن إنخراطه في الصفقات المشبوهة كتلك التي عقدتها عملاق الإتصالات أريكسون Ericsson عندما باعت معدات إتصال لعمان في نهاية التسعينيات. وقد تم كشف صلته بها في يناير 2007م من خلال تحقيق مشترك بين التلفزيون والراديو السويديين.

 

وكان لاندن كذلك خلف صفقة أخرى مشكوك بها في 1999م عندما قامت شركة المقاتلات النفاثة السويدية ساب Saab وبي أي إي سيستمز BAE Systems بعرض ملايين الدولارات من أجل رشوة سياسيين تشيك مقابل شراء السويد مقاتلات جريبين النفاثة Gripen. وقد كان المستفيد من المال المدفوع هو النمساوي ألفونز ميسندروف-بويلي Alfons Mensdorff-Pouilly الذي كان عميلاً لمدة طويلة لبي أي إي وأحد أقرباء زوجة لاندن كاتلينا. وقد استلم ألفونز عمولة سرية تقدر ب81 مليون كراون سويدي على إثر إتمام الصفقة في 2003م عندما استأجرت الحكومة التشيكية مقاتلات جريبين.

وقد رُكزت العديد من التحقيقات البرلمانية والبوليسية على صفقتيّ أريكسون وبي أي إي. وفي 2008 فتحت التحقيقات في التشيك، هنغاريا، السويد، بريطانيا، أمريكا، سويسرا، والنمسا. ويُعتقد أن لاندن قام بنقل الأموال بين الطرفين باستخدام شركته فاليركس. [6]

 

وفي إحدى المقالات النادرة التي كُتبت عام 2002م عن لاندن وهو لا يزال على قيد الحياة بعنوان “صعود السلطان الأبيض” لكيث دوفكانتس Keith Dovkants ورد أن ثروة حجم ممتلكات الملكة الخاصة التي تقدّر بـ275 مليون جنيه إسترليني وقد كان حينها يمتلك ليس فقط مزرعة فاكومب، بل كل شمال قرية هامبشاير Hampshire البريطانية بكل أكواخها، وحاناتها، وحجارتها، وكنيستها، ومزارعها وما يحيط بها من أراضي.

وقد كان لاندن متحفّظا كثيرا ومحافظا على سريته بشكل كبير، فبالإضافة إلى كونه المالك الوحيد لفاكومب حيث لا يزعجه أحد ولا ينبتُ العاملين معه هناك ببنت شفة فإنه كذلك كان يتنقل في سيارة أجرة سوداء يمتلكها بنفسه عندما يكون في لندن وذلك زيادةً في السرية.

وبعدما تحدث المقال بالتفصيل عن كيفية قيام لاندن بشراء أراضي شاسعة في بريطانيا فقد قدر مجموع أراضيه يصل إلى 50 ألف فدان بينما تُدار ثروته وأعماله من قِبل شركة سويسرية سرية. ويخمن المقال أن سبب رغبة لاندن في إمتلاك مساحات شاسعة كهذه ربما يعود في جزءٍ منه إلى شغفه برياضة الرماية التي يقيم حفلات لها بين الفينة والأخرى

وأشار المقال إلى أن قائمة “الصنداي تايمز” للأغنياء (2001م) قدرت ثروة الرجل بـ330 مليون جنيه ( كان ترتيبه ال105 في قائمة أغنياء بريطانيا بحسب المجلة) كما أوردت أن مصادرها تُشير إلى تخطّي ثروته تقديرات الصحيفة على الأرجح، فيما أن مصدر هذه الثروة بحسب المجلة هو “إيرادات وعوائد النفط”. وبحسب بيسانت فإن هذا ليس سوى جزء واحد من القصة، فإن “البعض في المستويات العليا بعمان يُعتقد أن لاندن يأخذ عمولات ضخمة من صفقات الأسلحة”. كما أن المقال أشار – كمثل مصادر أخرى- أن لاندن كان يستلم شيكاً بمليون جنيه إسترليني كهدية عيد ميلاد من عمان سنوياً.

 

وبحسب مصادر متعددة فيبدو أن ذوق لاندن كان بسيطاً بالرغم من كل ثروته، فقد امتلك عدد من اليخوت الفخمة بيع أحدها إلى مؤسس شركة “مواقف السيارات الوطنية” National Car Parks دونالد جوسلنج Donald Gosling مقابل 18 مليون جنيه إسترليني. وكذلك فإنه يبدو منجذباً نحو إستبدال الطاقة الطبيعية بدلاً من الوقود الحجري. فمنذ بضع سنوات أقام طواحين هوائية في فاكومب لتزوّد مزرعته ذات الـ650 فداناً بمعظم الكهرباء التي تستهلكها، وليدخر ما يُقارب الـ30 ألف جنيه إسترليني. وقد أكد أحد المصادر أن التوجه نحو استخدام طواحين الهواء كان ورائه دافع بيئي بالمقام الأول. وفيما ترددت شائعات حول اعتناقه البوذية في سنواته الأخيرة فقد نفاها أحد أصدقائه المقربين مؤكداً أنه مسيحي محافظ ولكن كل ما في الأمر أنه يقوم ببعض طقوس التأمل أحياناً.

 

وقد كان لاندن مُعجباً بفرق الأوبرا، ولذلك فقد خصص جناحاً لها. وبعد يوم من الصيد كان كثيراً ما يدفع لموسيقيين كلاسيكيين شباب من أجل أداء حفلة موسيقية في ممتلكاته. وقد كان معجباً بموسيقى أندرو ليود ويبر Andrew Lloyd Webber وأحياناً ما يجمع بين الصيد والتزلج في كندا ولعب التنس والفروسية. ويُقال أنه كان يغني في الجوقة الموسيقية أيام ما كان طالباً بالمدرسة وعزف في الأكوسترا كذلك.

 

-5-

وتُوفيّ لاندن في السادس من يوليو لعام 2007م بعد معاناة مع سرطان الرئة وهو في سن الـ64. وقد كانت جنازته مناسبة خاصة تقليدية، فقد تمت دعوة مجموعة محدّدة من معارفه لحضوره بالإضافة إلى عدد قليل من عمان الذين اعتبروه بمثابة لورنس العرب المعاصر. وقد حمل ستة عمال في مقاطعته كفن نعش لاندن ليواروه في مثواه الأخير. وقد خلّف الرجل 500 مليون جنيه، وقرية فاكومب، وحكاية أسطورية حول كيفية تكوينه ثروة تُعادل ضعفيّ ثروة الملكة الخاصّة بحسب ما وصفت بعض الصحف الحدث.

وقد خلّف لاندن ابنه آرثر الذي يعتقد أنه درس في كلية آمبلفورث Ampleforth وجامعة بريستول Bristol إنتاج الأفلام، وقد بدأ الإهتمام بتجارة العائلة في السنوات الأخيرة. وهو حسب قائمة “السنداي تايمز” للأثرياء عن العام 2009م أغنى شاب في بريطانيا بعدما ورث ثروة تُقدر بـ200 مليون جنيه وهو “صديق مقرب من الأميرين ويليام وهاري” وقد كان من ضمن مدعوي عرس الأمير ويليام العام الماضي. كما أن بيسانت أشار إلى كونه لا يزال مُقرباً من سُلطان عمان.

 

-6-

ليس هناك خاتمة لهذا التقرير أفضل من تلك التي ختم بها مازن الطائي – رحمه الله – بها مقالته قبل ست سنوات عن تيم لاندن:

“حفظ الله الوطن … سلطنة عمان … من كل شر و جعله بلدا آمنا معززا مكرما ، و حفظ صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد قائدا بانيا مظفرا و أحاطه بالبطانة الصالحة التي تراعي المواطن الفقير المقهور ، و أبعد عنه تلك البطانة التي ليس هما لها إلا اللم و الكسب من غير أن تقدم شيئا للوطن و الشعب.”

 

الهوامش:

1- توماس إدوارد لورنس (16 أغسطس 1888 – 19 مايو 1935) ضابط بريطاني اشتهر بدوره في مساعدة القوات العربية خلال الثورة العربية عام 1916 ضد الإمبراطورية العثمانية عن طريق انخراطه في حياة العرب الثوار وعرف وقتها بلورنس العرب. (ويكيبيديا)

٢- يمكن الوصول للموضوع من هنا: http://alharah2.net/alharah/showthread.php?t=52818

٣- مما ينبغي ذكره هنا أن معظم الكتاب قد تمت ترجمته للغة العربية على يد المرحوم مازن الطائي في ذات الموضوع المذكور بالهامش السابق ولكن الأجل وافى المُترجم قبل إنهاء الترجمة. وكذلك ينبغي إلى أنه يجب عدم أخذ ما يقوله فاينس على عواهنه فللرجل كتاب آخر عن ظفار بعنوان  بعنوان “رجال الريش” Feather men تم تحويله إلى فيلم “نخبة القتلة” Killer Elite وهو رواية خيالية أكثر منها كتاباً يحكي واقعة حقيقية. للمزيد انظر مقال محمد العليان عن الفلم: http://alfalq.com/?p=3896

٤- تحت مُسمى “المكتبة العامة المختصّة بالدبلوماسية الأمريكية” نشر موقع “ويكيليكس” ما يقارب من مليونيّ وثيقة تتناول مراسلات العديد من السفارات الأمريكية في مختلف أنحاء العالم ومراسلات وزارة الخارجية الأمريكية. ويصف الموقع هذه المراسلات بأنها أكبر مجموعة وثائق للاتصالات الأمريكية الدبلوماسية يمكن البحث فيها، وتحتوي على وثائق سرية مُسربة وأخرى تم الإفراج عنها من قبل الحكومة الأمريكية بناءً على قانون حرية تداول المعلومات. وتعود معظم هذه البرقيات للفترة ما بين ١٩٧٣-١٩٧٦م

٥- – للمزيد من التفاصيل حول صفقة الجامعة فيمكن مراجعة الملف الذي نشرته الجارديان البريطانية في الأول من فبراير ل2006 بعنوان ” Thatcher faced disaster over son’s business dealings” وهو يحتوي على تفاصيل ما حدث خلال الأزمة وأسماء من يُشتبه بتورطهم بالصفقة من الجانب العماني ومن ضمنهم تيم لاندن وآخرين.

٦- تجدر الإشارة إلى أن بي أي إي سيستمز تورطت في العديد من الصفقات المشبوهة خلال العقود الماضية ولعل أبرزها هي “صفقة اليمامة” مع المملكة العربية السعودية. كما أن عمان وقعت صفقة شراء طائرات مقاتلة طويلة المدى من طراز تايفون مع الشركة تزامنا مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون نهاية عام 2012م، وذلك وسط تغطية محلية خجولة أو شبه منعدمة عن الصفقة عدا ما أوردته وتناقلته المصادر والأوساط الإلكترونية. وقد قامت الشركة رسميا بنشر رسالة شكر خاص على موقعها للخطوة العُمانية.

 

أهم المصادر:

1- “تيم لاندن: مواطن عمان (1942-2007)”، مازن الطائي. الحارة العمانية: http://alharah2.net/alharah/showthread.php?t=52818

2- Rise of the White Sultan by Keith Dovkants (2002)

3-

Brigadier Timothy Landen: The Extraordinary Life of the White Sultan by Rop Sharp – Independent

4- Kentucky New Era  – Jul 2, 1986 (Newspaper)

5- Reading Eagle – Jul 9, 1986 (Newspaper)

6-   Thatcher faced disaster over son’s business dealings by David Leigh and Rob Evans- The Guardian: 1 February 2006

7- Public Library of US Diplomacy, Wikileaks.org

8- telegraph Newspaper, 12 July 2007

0 10404 20 أغسطس, 2013 العدد الاربعون, سياسة أغسطس 20, 2013