الصفوان ( 3-4 )

لـ

دكتور ..

في هجعة إحدى الليالي جن لساني فأخذ يهتف عاليا  ..

لا تتنازل عن قضيتك ، لقد فعلها بإرادته .

قبل أن تسألني التفاصيل .. سأتلو لك منه ذكرا .

 

سيدي القاضي :

أنا إمام وخطيب الجامع ، أتيت هنا لأقول كلمة حق أريد بها حق تجاه هذا الشاب المتهم ، الماثل أمامكم .

ليس بدعا من القول إذا قلت إنه كأحد أبنائي قبل أن يكون أحد تلامذتي .

منذ صباه كان من الذين يشار إليهم ببنان الاستقامة ، قلبه معلق بالمسجد ، مواظب بعد العصر على حضور حلقة التلاوة ، ويزاحم بالركب في درس الفقه بعد المغرب ، كان نورا يمشي على الأرض .

ظل في طريق الصلاح إلى أن شب عن الطوق مواصلا دراسته العليا ثم متقلدا وظيفة مرموقة .

لم يعقه الزواج ورعاية شؤون أسرته من سلوك درب الدعوة ، فقد أصبح من الناشطين في جماعة المسجد وأحد أعمدة المركز الصيفي للبلدة ، أُجمل القول أنه وصل درجة ممن تعرف في وجوههم نظرة الإيمان ، وتجري في دمه محاسن الأخلاق .

سيدي القاضي :

إن الإنسان كائن عجيب ، فبقدر ما عرفنا خرائط جسده بقدر ما جهلنا سراديب روحه ، وإن حولنا من القوى الخفية والأسرار الدفينة ما نحتاج إلى كشفها ومعرفة أدق تفاصيلها .

عندما كان هذا المتهم في محل الذهب كان في حالة سوية ونفسية متزنة وبكامل حميد خصاله ، إلا أنه فجأة شوهدت يده تطال أقرب عقد ذهبي ثم تسلك به إلى باطن جيبه ، كل هذا يتم في وضح النهار وأمام الناس دون أن يدفعه الخوف الفطري إلى التستر أو التحايل .

أليس هذا الحدث مدعاة للتساؤل ؟ ما سر هذا التحول السريع في سلوكه من صالح الأعمال إلى طالحها ؟ كيف يقترف هذا الفعل الشائن بكل هدوء وبلا سابقة ؟

هل يعقل أن ّهذا الشاب الذي عهدي به يعف نفسه عن ثمرة ساقطة من شجرة جاره ورعا أن يأخذ ما ليس له  ، كذلك هو المسؤول المالي لمكتبة المسجد فأجده يقسو على نفسه عند حساب ما اشتراه من كُتب أو عند الجرد السنوي للميزانية  .

 

سيدي القاضي :

لقد تدبرت الأمر عدة ليالي لأفك غموض هذه الحادثة ، إنني والحمد لله خلصت إلى نتيجة – أملا أن تأخذها بعين الاهتمام – مفادها أنه لم يفعل ذلك بكامل قواه العقلية  أو من تصرف ذاته الفاعلة ، إنما الأمر غير ذلك بتاتا ، لقد فعل ذلك رغم أنف إرادته وتحت تأثير قوى خارجية سيطرت عليه ، إنها قوى روحية شريرة التبست به فراحت تحكم تصرفاته وتدير أفعاله ، هذا الأثير الخبيث استطاع أن يسلب عقله ويستحوذ على رغباته فأجبره على ارتكاب فعل قبيح بقصد تشويه سمعته وخدش صلاحه .

هناك مغرضون وأصحاب نيات سيئة أُشربوا في قلوبهم الحسد وتخمرت الضغينة في صدورهم فطمعوا في زوال نعمة روح الهداية من الشاب ، فأرادوا به كيدا بأن رموه في جرم عظيم .

 

سيدي القاضي :

هذه هي شهادتي للسيرة الذاتية للمتهم ، وكلمتي في تأويل خطيئته  ، راجيا من المدعي تاجر الذهب أن يفهم المقال ويتفهم الحال ثم يغفر الزلة ويتنازل عن القضية ، فمن عفى وأصلح فأجره على الله .

 

بعد كلام الشيخ ساد في قاعة المحكمة لغط كبير .

 

دكتور …

القاضي أجل جلسة النطق بالحكم إلى أجلٍ مسمى .

أعترف لك أني في المساء ذهبت إلى التاجر وبدأت أشحنه ضد المتدينين ، موغرا صدره عليهم ، كذلك أحرضه على عدم التنازل عن القضية ومواصلة طلب الجزاء .

قلت له ..

صلاحهم و دوام طاعتهم  ليس دائما بمنجاة لهم من مزالق الخطأ ، فهذا إبليس الجني ارتقى بعبادته إلى صف الملائكة المقربين لكنه عند الامتحان وقع في خطيئة العصيان ، وكم ممن آتاه الله العلم ، حين أتبعه الشيطان بالغواية أخلد إلى الأرض واتبع هواه . إذن هذا الشاب ليس بمعصوم عن الزلل .

أما أسطورة القوى الشريرة ووضعها كشماعة يعلقون عليه خطأ صاحبهم فهذا محض باطل وضرب من ضروب الخداع ، إنها أحبولة قديمة لا تلتبس على أصحاب العقول السليمة ، فقد فعلها قبلهم قاضٍ اختلس أموالا طائلة ، وعند التحقيق قال إن جنيا أجبره على فعل ذلك ! .

أخشى أن يستمرئ الناس هذه الفكرة ، فكل من تحرش بفتاة أو حاول الاعتداء بالقتل ، قدم للقاضي هذه الأسطوانة المشروخة .

أدعوك للتمسك بالقضية . اثبت .. لا يلين قلبك ولا تتركهم يستخفون بعقلك .

وأخيرا دع القانون يؤدبه بالعقوبة .

 

دكتور ..

أليس هذا الفعل يستحق الكتمان ؟

ها هو لساني الليلي يفضحني مجددا .

 

0 1309 24 أكتوبر, 2013 العدد الثاني والاربعون, حداء الروح أكتوبر 24, 2013