الرهانات الخاسرة في حل الأزمات

لـ

مقدمة

بداية ، لا أريد لمقالي هذا أن ينحصر في إطار الحدث الذي صار حديث الساعة ، إضراب المعلمين لدينا بالسلطنة ( و إن يكن هو المهماز و المحور الأساسي لهذا المقال )  لأن هذا الإضراب و غيره من الإضرابات السابقة ، و لعلها اللاحقة أيضاً، هي مجرد نتائج ، و تحصيل حاصل لعدد من الأسباب الضاربة جذورها عميقا في تربة الواقع و الظروف المعاشة في شتى مجالات الحياة و مواقع العمل ؛ و لكني أود النظر في هذه الأسباب الكامنة خلف شيوع ظاهرة الإضرابات و الاعتصامات بوجه عام ، و في قطاع التربية بين المعلمين بوجه خاص . و سأبتعد أيضاً هذه المرة عن ” نظرية المؤامرة ، و تطبيقاتها المعاصرة ” ( على ما فيها من حقائق لا تقبل الشك أو التأويل  ) التي قد يراها البعض شماعة نعلق عليها عجز حكوماتنا و إخفاقها عن تحقيق النهضة الشاملة المرجوة في بلداننا ، و فشلها المستمر في معالجة الأزمات و المشكلات الحادثة بأوطاننا ، سأضرب صفحاً هذه المرة عن لعبة الكراسي التي تمارس في الأروقة ، و عن معركة المناصب و المكاسب الشخصية الدائرة رحاها في الكواليس و الزوايا المعتمة ؛ و سأحسن الظن في حكوماتنا المحلية ، و أقيمها مقام الشرفاء من حيث صدق النية والإخلاص و الغيرة الوطنية ، و أفترض بأنها تجتهد و تبذل كل  ما في وسعها ، لإحداث التغيير و التطوير الحقيقي و النقلة النوعية في شتى مجالات العملية التنموية في بلداننا العربية . و هذا توجه أو منطلق في الرؤية سيفرض عليّ الحديث بشفافية ( ربما تكون جارحة و غير مرغوبة عند البعض !!) ، و لكنها ضرورية ضرورة المشرط في العمليات الجراحية الذي ليس من هدف لاستخدامه سوى استئصال المرض الخبيث . كما سيفرض،  في الوقت ذاته ،على الجهات المعنية بالأمن و بالرقابة الإعلامية أن تحسن الظن فيما سيأتي بهذا المقال ، فليس له من تأويل غير ظاهره ، و لا قراءة أخرى لما بين السطور.

مفهوم الأمن الحقيقي

و أول ما ستقودنا إليه تلك المقدمة ، هو تقرير و إقرار حقيقة ثابتة و مؤكدة ، ألا و هي أن على الدولة و أجهزتها الأمنية _إن أرادت حقاً الاستقرار الحقيقي للبلد الذي هي فيه _ أن تأخذ بمبدأ ” منع حدوث الحرائق ” القائم على البحث عن مسبباتها الواقعية و علاجها من جذورها ، لا حصر الجهد في إطفائها فحسب ؛ لأنه ببساطة شديدة جدا ، ستظل تلك الحرائق في اندلاعها واشتعالها بين الفينة و الأخرى هنا أو هناك ، طالما بقيت أسباب حدوثها قائمة موجودة . فالوقاية دائما خير من العلاج . ثم أن الخطر الأكبر يبقى ، لو استمر حدوث تلك الحرائق ، هو أن تلتقي ذات يوم ، و تشكل حريقاً هائلاً لا قِبَلَ لأية وسيلة على إطفائه ، فيأتي على الأخضر و اليابس في أي وطن تحدث فيه . و غني عن القول ، طبعاً ، بأن المعالجات المطلوبة لمسببات الحرائق لا تتلخص أو تتمثل في القمع و الإقصاء و التغييب لكل من يرفع عقيرته بمطالب التحسين أو الإصلاح ، بل بالعمل على احتوائه و امتصاص نقمته بالتي هي أحسن ، بالمرونة و الحوار السلس ، و بالاستماع و التقييم المحايد و المسؤول لنوعية المطالب ، و العمل على الأخذ بالحقيقي و الواقعي المنطقي منها، و هو مبدأ أكد عليه صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ذاته حين دعا الحكومات إلى ” وجوب إصغائها لمطالب  شعوبها و المسارعة لتلبيتها “…  لا بالتعنت أو التجاهل و الصلف ، و لا بإشهار أو استخدام العصا الغليظة في وجهه ؛ لأن المعالجات العنيفة أو القاسية لأي شأن مجتمعي لا تؤدي إلاّ إلى  ردود أفعال غاضبة ، قاسية هي الأخرى و عنيفة ؛ فلكل فعل ردة فعل توازيه في القوة و تعاكسه في الاتجاه ؛ ردود أفعال تدخل البلاد في نهاية المطاف ، في ذلك النفق المظلم  المتبدي في التشنج و التشنج المضاد ،  أو في تلك الحلقة المفرغة  من دوامة العنف و العنف المضاد ، الذي لا يخدم مصلحة أي شعب أو بلد؛  لأن الأمن في مفهومه البسيط بأي وطن من الأوطان أو أية دولة من الدول ، هو ذلك الشعور بالرضا و الأمان الذي يستشعره الإنسان في وطنه ، نحو حياته و حياة أسرته و أبنائه حاضراً ومستقبلاً ؛ و تجعله يعيش في هدوء و طمأنينة مع الكرامة المحفوظة له ، بعيداً عن منغصات الفقر و الذل و هضم الحقوق . فلا يفكر أحد لحظتها سوى بالحفاظ على النعمة التي هو فيها ، و الدفاع عن المكتسبات التي يُحظى بها ، في هذا الوطن أو في ظل تلك الدولة.  و هذا يعني فيما يعنيه أن الأمن السياسي ، الذي تضعه الكثير من حكومات الدول ، على رأس قائمة مهامها و اهتماماتها و أولوياتها الأمنية التي تقض مضاجعها ، ينبغي له ، في حقيقة الأمر، أن يوضع في ذيل القائمة ، لا في أولها . لأن غياب الأمن السياسي إنْ هو إلاّ نتيجة لغياب الأمن في منظومات العيش و الحياة لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية . فهناك الأمن الاجتماعي ، و الأمن الاقتصادي ، و الأمن المعيشي ، و الأمن الوظيفي ، و الأمن الصحي ، و الأمن الإسكاني ، و الأمن التعليمي ، و الأمن الثقافي و الفكري ، و الأمن الحياتي و الحقوقي ، المتواكب مع الطموحات المشروعة و روح العصر ؛  فمتى ما تحقق للمواطن الأمن و الأمان في تلك المجالات ، تحقق تلقائياً الأمن السياسي بأي بلد من البلدان ، و متى ما غاب الأمن و الأمان في أي من تلك المجالات ، أو تخلف عن مواكبة الركب الحضاري ،  كان مدعاة لغياب الأمن السياسي ، و ظهور بؤر و إرهاصات التوتر و التفجر و الاحتجاج الاجتماعي بشتى صوره ، في هذا الموقع أو ذاك . ثم أن على الدولة أن تدرك آفاق الوعي النوعي لدى الأجيال المعاصرة بحقوقها و واجباتها الوطنية ، الذي شكلته قنوات الاتصال و التواصل الإعلامي و الاجتماعي الحديثة ، و تشكل في الأفهام و العقول مع الفضاء السبراني المفتوح في العصر الحديث ، فما عاد بإمكان أية دولة أو حكومة ممارسة التدليس أو الطمس للحقائق ، أو تمرير خداعها والألاعيب التي اعتادت استخدامها بالأمس في تضليل الشعب و تطويعه أو تدجينه . كما أن عليها في الوقت ذاته كبح غرور عناصرها المتنفذة ، و التخلص أو الحد من غلواء استهتارها بالمجتمع أو بعناصره الفاعلة ، و اعتقادها بأنها هي الوحيدة التي تمتلك مفاتيح الحقيقة ، و الأكثر فهماً للواقع و متطلباته و متغيراته ؛ بل هناك اليوم من بين أفراد المجتمع العادي البسيط ، من يعي و يفهم في المحاذير و في الإمكانات و الأصول ، ربما بشكل أكثر عمقا و وضوحاً من أولئك الجالسين على كراسي السلطة ؛ الأمر الذي يفرض على هذه الدول تغيير آلية تعاملها مع إرهاصات شعوبها و المطالب التي ترفعها القطاعات الشعبية المختلفة ، و أن تسعى جاهدة لتجنب حشر أية فئات مطالبة بالتحسين و الإصلاح ، حشرها في الزاوية أو محاصرتها بين النار و الجدار، لأنها عندها تكون تلك الفئات في وضع قاهر حرج “تكون فيه أو لا تكون ”  فتتحول لغة المطالبات عندها ، تلقائياً بحكم ما تلقاه من رفض و من تحدٍ و عناد ، من طابعها اللفظي و السلمي إلى اللغة الأخرى ، الشبيهة بالكي الذي هو آخر العلاج  ؛ لغة الإضراب و الاعتصام الذي يشل الوظائف و الأعمال و يؤدي إلى خسائر و نتائج كارثية تمس مختلف جوانب الحياة في البلاد ، و تكون الحكومة لحظتها أو الجهات المعنية فيها ، هي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن حدوث تلك الإضرابات أو الاعتصامات ، فهي ، بتجاهلها لمطالبهم و عدم اكتراثها بالحوار أو التفاوض معهم ، تقول لهم كما جاء في الأثر ” إما أن تكوني بهذا الحل راضية ، و إلا فدونك الحبل و اشتنقي” وتضعهم بذلك أمام تلك اللحظة الفارقة التي قال فيها الشاعر:

“إذا لم تجد غير الأسِنّة مركباً … فما شيمة المضطر إلاّ ركوبها”

و الأخطر من ذلك إن عمدت الدولة إلى تبني لغة التسويف أو المماطلة و الخداع في حواراتها و وعودها ، مع مطالب أي قطاع مهني أو وظيفي ، عندها تفقد الدولة أو جهاتها المعنية وجاهتها و مصداقيتها لدى الشعب و قواه الفاعلة ، و تتحطم جسور الثقة بين الأطراف المتنازعة ، فتنجرف البلاد إلى صراعات لا تحمد عقباها ، و لا تسر الصديق ، و تدخل في متاهات نتائج الإحباط و دوامة الفوضى العارمة التي نراها اليوم حادثة في كثير من بلداننا العربية . فهل من مصلحة الدولة الرشيدة أو أية حكومة وطنية حقيقية أن تؤزم الأوضاع فيها و توصل أبناء شعبها المطالبين بالتطوير و الإصلاح إلى هذا النفق المظلم أو الدرب المسدود ؟! مخطئة هي الدولة أو الحكومة التي تعتقد أن بوسعها أن تحطم إرادة شعبها أو تخمد مطالبه و طموحاته المشروعة في التطور و الترقي و التقدم . فكما قال الشابي :

إذا الشعب يوما أراد الحياة …. فلابد أن يستجيب القدر

و لابـد لليــل أن ينجـلـــي ….. و لابد للقيد أن ينكســر

فالشجاعة الأدبية ، و روح المسؤولية , المتجسدة في الشفافية التي تتبناها الدولة أو الحكومة القائمة على المصارحة الهادفة لمصالحة أي فئة عاتبة أو غاضبة من فئات الشعب هي السبيل الأمثل لاحتوائها و إنهاء أزمتها و إطفاء الحريق ، بدلاً من صب الزيت عليه بالرهانات الخاسرة .

 

المعلم بين مطرقة نظم التعليم و سندان التربية  

و عود على بدء ، نقول بأنه لا يختلف اثنان عاقلان حول أهمية و خطورة دور المعلم في بناء الأجيال و نهضة الأوطان . فحكيم اليابان قال لإمبراطورها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ” إذا أردتم نهضة اليابان ؛ فعليكم بالمعلم المعلم المعلم ؛ إعطوه راتب الوزراء و صلاحية القضاء ” … فكانت اليابان التي نعرفها اليوم . و قريبا جداً قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للأطباء و المهندسين المطالبين بمساواتهم مع رواتب المعلمين ” قالت لهم تلك المقولة المزلزلة المزدحمة بالدلالات
” كيف أساويكم بمن علموكم ” !!!

و أنا هنا أقول بذلك , وأدعو إلى ما قاله حكيم اليابان ، و لكن علينا في الوقت ذاته ، إن لم يكن قبل ذلك ، أن نضع معايير علمية دقيقة واضحة و أمينة ، للقدرات العقلية ، و الإمكانات الثقافية ، و القيم السلوكية و الأخلاقية ، و لمقومات الشخصية الكاريزمية ، لمن سيكون “معلماً “يحمل “رسالة التعليم وأمانته ” بكل كفاءة و اقتدار؛ فما كل شخص أهلاً أو جديراً بحمل هذه الرسالة و تأديتها بإخلاص و إبداع و ضمير . و أكبر خيانة لأمانة التعليم ، و أخطر معول هدم لصرح رسالته العظيمة هو أن تحول كينونته من ” رسالة لبناء الأجيال و نهضة الأوطان” إلى ” وظيفة للارتزاق و كسب المعيشة ، لكل من هب و دب من العاطلين أو الباحثين عن العمل … مهنتان في الحياة لا يصلحان لأي شخص ، و لا تصطلحان بأي كان من بني الإنسان ؛ هما ألطب و التعليم ؛ فهذه مهن إنسانية ذات طابع رسولي في المقام الأول ، و ما لم يكن العامل فيها ، لديه الإيمان برسالتها ، و العزم على تحمل صعابها و مكابدة مشاقها ، بل و التضحية في سبيلها بكل ما لديه وقت و جهد ، فهو ليس من أهلها ، و لا ينبغي له أن يكون في صفوف العاملين فيها . فإذا أردنا إصلاح التعليم في بلادنا ، فعلى الدولة غربلة العاملين في صفوف التعليم أولاً ، إدارةً و معلمين ، قبل غربلة و تطوير المناهج التعليمية . لأن منهجاً متطورا ، بلا إدارة قديرة ومعلم كفء و مقتدر ، كسيف بلا زند ، أو قلم بلا أصابع . فالإدارة الجديرة الواثقة و المخلصة هي من ترى أن لكل مشكلة حلا ، و ليس في كل حل مشكلة ، و المعلم الكفء ، بوسعه أن يأتي بعلمٍ و يخلق منهجاً،  و ليس بوسع المناهج أن تخلق معلما ، أو تعلم طالباً بذاتها ، مهما كانت رائعة الجودة و التطور. و أول خطوة في طريق الإصلاح التعليمي أو أي إصلاح لأية عملية أو إشكالية في الحياة ، هي الاعتراف بوجودها ، و الرغبة الصادقة لحلها ، و العمل بإخلاص على علاجها بتشخيص مسبباتها أولاً ، ثم صب الجهد و التركيز على الآليات العملية للتغلب عليها و إزالتها للخروج من دائرة تأثيرها المعرقل أو المدمر. و بلادنا فعلاً تعاني من أزمة حادة في العملية التعليمية و التربوية ، تتبدى أعراضها الملموسة في ضعف التحصيل العلمي لدى مخرجات المراحل الدراسية المختلفة ، المتجسدة في الضعف القرائي و الوهن الثقافي ، و في السقوط القيمي و الأخلاقي لدى الكثير من أجيال اليوم ، إلى الحد الذي بات فيه الطالب لا يستنكف من ضرب معلمه و إهانته . و التصرف في المدرسة تصرف أولاد الشوارع بتكسيره لأثاثها ، و تخريبه لمرافقها و تحويل ساحاتها إلى مزبلة لنفاياته ، فضلا عن ممارسة السلوكيات الشاذة ، التي يندى لها الجبين داخل المدرسة  و خارجها ، و تعاطي العديد منهم للمخدرات و التدخين . و :

” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت …. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا “

و :

” و إذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتما و عويلا “

       و رب قائل يقول : هذه الممارسات و السلوكيات الخاطئة موجودة عبر العصور في كل المجتمعات البشرية ، و ليس عندنا أو في هذا الزمان فحسب ؛ و هذا صحيح تماماً ، و لكن الأصح منه هو أن ذلك الأمر كان بالأمس بين القلة القليلة من الشواذ و شذاذ الآفاق ، أما اليوم فقد انقلبت الموازين و تغير الحال عند هذا الجيل ، بأن صارت قلة الأمس الرذيلة ،غالبية اليوم أو تكاد ، و قلة اليوم ، كثرة الأمس الأصيلة ؛ و هنا تكمن الكارثة و المفارقة الجسيمة و الأليمة . و الذي صيرنا إلى هذا المآل المحزن هو ، بكل أمانة و صراحة، نظم التعليم التي تبنتها وزارة التربية و التعليم ، تحت شعار العصرنة و التحديث للمناهج و النظم التعليمية ، و ما نجم عنها من غَل يد المعلم عن تأديب تلميذه الفالت و إرجاعه إلى جادة الصواب ، و ما نتج عنها في المقابل من إلقاء الحبل على الغارب لدى الطالب ، فصار يعيث فسادا و كسادا دون أدنى وازع أو رادع ؛ و عزز كل ذلك الانفلات السلوكي ضآلة، إن لم نقل غياب ، جرعات الإرشاد و التوعية السلوكية و الأخلاقية من المناهج التعليمية ( عكس الحال في المدارس اليابانية ، مثلاً،  التي بها حصة يومية لتدريس الأخلاق و السلوكيات و القيم التربوية الحميدة ) ؛ لقد أخذت الوزارة عندنا بالقشور في سعيها للتطوير ، و تركت جوهر العملية التعليمية و التربوية المبنية على الاحترام و التقدير للأصول و للقيم المجتمعية و الأخلاقية الرفيعة . الأمر الذي حدا بالمعلمين ، بوصفهم الفئة التي يدها في النار ، إلى رفع مطالب تهمهم و تهم العملية التعليمية و التربوية برمتها ، إلى وزارتهم منذ فبراير 2011 ، و لكنهم لم يجنوا منها في الغالب غير مواعيد عرقوب ، و غير السراب و الحصرم ؛ إلى أن نفد الصبر ، و جاءت ردة الفعل العنيفة التي نشهدها هذه الأيام في الإضراب الواسع الذي قاموا به في شتى أرجاء الوطن، ابتداء من الأول من أكتوبر 2013 ، و كان الضحية فيها ، في نهاية الأمر ، هو الطالب و مستقبله . على أن الغريب و المحزن في الأمر ، هو أن الوزارة لم تعرهم و لا مطالبهم ، أدنى رعاية أو اهتمام ، و وقفت منهم موقف من لا يعنيه الأمر من قريب أو بعيد ؛ مما عقد الأمور و جعلها تصل إلى طريق مسدود بينها و المعلمين الذين صار حالهم كحال أبي فراس الحمداني ، حين قال:

“و قال أصيحابي الفرار أو الردى .. فقلت هما أمران أحلاهما مر ”
و الذي زاد الطين بلة تلويح الوزارة للمضربين بالعصا الغليظة ، و تهديدها إياهم بالويل و الثبور و عظائم الأمور ؛ بدلاً من فتح باب الحوار معهم و محاولة إيجاد مخرج أو حل لا ضرر فيه و لا ضرار ، فسدّت بذلك الدرب في وجوههم ، و قطعت عليهم سبيل العودة و التصالح ؛ فصارت المسألة لديهم مسألة كرامة أو مهانة . و هي بذلك ضخمت المشكلة و عقدتها بدلا من حلها بالتي هي أحسن . و ستكون لها تداعيات خطيرة جدا تمس غالبية أفراد المجتمع ، إن أصرت الوزارة على معالجتها الأمنية لهذه القضية . لأنه ببساطة شديدة جدا ، لا يكاد يخلو منزل في هذا الوطن من طالب أو معلم  . سيتأثر سلباً أو إيجابا بطبيعة الحل المطروح  .لذا نأمل مخلصين أن يبادر أهل الحجى و أهل الحل و العقد للتدخل ، و وضع حد لكرة الثلج المتدحرجة هذه ، بالبحث عن حل يرضي الطرفين ، و يضع كلا منهما أمام مسؤولياته التاريخية إزاء وطنه و شعبه .

 

 

0 1754 27 أكتوبر, 2013 العدد الثاني والاربعون, سياسة أكتوبر 27, 2013