بعدما شاهدناه… هل قِيَمُنا في دائرة العبث؟

لـ

 

العيد الوطني لكل دولة يمثل رمزا يحمل العديد من المعاني الوطنية الجميلة، فهو في احتفاليته يمثل التحرر من سلطة مستبدة او سلطة لم تستطع ان ترتقي بطموحات شعبها، كما انه لدى شعوب أخرى يمثل التحرر من الاستعمار الجائر، أو من غزو وعدو محتل، او من وصاية مفروضة لعقود من الزمن، كما انه يمثل لدى شعوب الانتقال من تخلف كانت تعيشه تلك الشعوب وبلدانها، الى رقي وحضارة وتطور ومدنية وتعليم في أفضل مستوياته الممكنة.

وحينما يتضمن الاحتفال بالعيد الوطني كل هذه المعاني وغيرها، فإنه لا يمثل فرحة آنية وقتية، بل إن تلك الفرحة تدخل في عمق الوجدان الشعبي لدى تلك الشعوب، وتمتد تلك الفرحة إلى أجيال وأجيال، لتذكرها بماض سيء تحررت وتخلصت منه، لتخرج إلى آفاق رحبة من الاستقلال والتطور والتقدم والحرية.

وعمان ليست بدعا عن غيرها من تلك الشعوب والدول، فما كانت عليه عمان قبل السبعين ، كان أمرا يدعو إلى الرثاء والبكاء، وما وصلت إليه الآن في ظل قيادة رشيدة قادت البلد والشعب إلى منافسة دول سبقتها في شتى الميادين أمر يدعو إلى الفخر، وإلى البهجة والسرور، وطبعا إلى الاحتفال بيوم نهضتها المباركة.

كانت الاحتفالات الوطنية للبلاد تتوالى كل عام، يفرح فيها المواطنون بفعاليات عديدة، ربما أبرزها العرض العسكري، حيث يقف فيه الشعب متلهفا للاستماع لقائده يخطب فيهم، راسما لهم سياسة سنة كاملة، شارحا لهم وجهة نظره في مختلف القضايا والمواقف.

هذه الاحتفالات ما كان يعكرها شيء من الاسفاف او الميوعة، ربما تكون هناك اخطاء تحدث هنا وهناك، وربما كانت هناك اوجه قصور وأوجه مبالغة من الحكومة او المنظمين أو المشاركين او الشعب الذي يحتفل بسجيته وطيبته.

ولكنها كانت أخطاء بشرية طبيعية لا غضاضة ان حدثت، فهي في الاخير لا تؤثر على جو الاحتفالات التي تعم البلد، ولا تسلب منهم تلك الفرحة التي يحتفون من خلالها ببلدهم وقائدهم.

ما حدث خلال احتفالات البلاد هذا العام ، كان حقا انتكاسة غير مقبولة من شعب لم يتعود على هذه التصرفات التي آلمت شعبا وأسرا وعوائل في صميمها، من خلال ممارسات ما كان يجرؤ شباب عماني، فضلا عن غيرهم من الاتيان بها في اماكن عامة، ووسط شوارع مكتظة خرج فيها الشعب ليحتفل ويفرح بعيده الوطني.

هذه الظاهرة والتي لاحظها معظمنا ، لا بد من مناقشتها وبكل جدية ، ومن مختلف الجهات المعنية من جهة، ومن مختلف اطياف المجتمع ممن تعتبر نفسها مسؤولة عما يحدث في هذا المجتمع من تدهور يضر بتماسكه وقيمه.

انا لاحظت هذه الظاهرة لأول مرة في إحدى دول الخليج قبل ست سنوات، حيث كنت ألاحظها هناك سواء في اعيادهم الوطنية، او في اية انتصارات كروية لهم، وكنت استغرب تماما مما يحدث هناك من اقفال للشوارع، ومن تعطيل لمصالح الناس، ومن حضور مكثف للشرطة ولأجهزة الامن، لمنع التجاوزات الامنية التي تقع عادة في هذه المناسبات، وايضا كان الاستغراب من ذلك الواقع الاليم الذي ما تعودنا رؤيته في بلداننا، من تفسخ وميوعة وانسلاخ من القيم في وسط شوارع رئيسية، ومن جلب عادات دخيلة على مجتمعاتنا المحافظة، ومن استيراد قيم واخلاق نهى ديننا الحنيف عنها.

وما كان يزيد من هذا الاستغراب وجود سيارات عديدة تحمل لوحات خليجية، وكأن الأمر مقصود ومرتب، وكأن هذه السيارات وأصحابها مدفوع لهم لكي يأتوا ويشاركوا شعب تلك الدول فرحته، ويشاركوا أولئك النفر في هذا التفسخ والانسلاخ.

كان الاستغراب شديدا، وكانت تمتمات الحمد والشكر لله ترافق هذا الاستغراب، لما انعم الله علينا ان ابعد بلدنا عن مثل هذه المظاهر والممارسات العجيبة الغريبة.

ولكن ما شاهدناه البارحة ازاح كل استغراب.

فنحن ماضون على نفس الخطى، ولربما فارق التوقيت بيننا وبينهم، وربما فارق الترف والمادة، هو ما أخّرنا عن ركب التطور هذا.

ونفس ما كنت اراه من سيارات خليجية هناك، شاهدناه البارحة لدينا. وكأن في الأمر تخطيطا -وارجو ان يكون ظني هذا في غير محله- يراد منه جر بلداننا لمثل هذه الميوعة التي إن تأصلت في شبابنا فسيكون البلد عرضة لمشاكل تنخر في عظامه، وتجعله ينهار من أساسه.

لن أطيل في استعراض المشكلة، لأنها جرح في قلب كل عماني غيور رأى وشاهد بأمّ عينه ما مارسه بعض الشباب والشابات بمرأى ومسمع من أجهزة الأمن، تصرفات لا اخلاقية، وتصرفات متهورة كان نتائج احدها انقلاب سيارة بكاملها على شاب كان متعلقا بها وهي تدور به في عرض لجذب الانظار.

ما اود التطرق إليه في هذه العجالة هو مجموعة نقاط أراها ساهمت في الوصول لما رأيناه خلال الايام الماضية:

  • الإعلام له دور أساسي في زرع القيم الجميلة، وتعويد الناس على التصرفات السليمة، ونشر الوعي في الجماهير حول كيفية التعاطي مع الاحتفالات والشوارع والممتلكات، وحول احترام الآخرين وعدم جرح مشاعرهم وعقولهم.

وللأسف فإن إعلامنا ليس مقصرا فحسب في هذا المضمار، بل هو ساهم في هذا التردي المخيف، من خلال تشجيع بعض هذه الظواهر الغريبة، وتسليط الضوء عليها باعتبارها امورا طبيعية لا بأس بها.

ان دور الاعلام يجب أن يرقى لمستوى قيم وعادات المجتمع، ولمستوى اخلاقه وعقيدته التي يستمدها هذا المجتمع من دينه العظيم.

فعادات المجتمع وتقاليده لا تنحصر وتتقوقع في مجرد ابراز المهن والحرف اليدوية، وانواع الفنون واللباس والاكلات والرقصات، بل تتجاوز هذا كثيرا إلى التأكيد على ثقافته وفكره وتاريخه القِيَمي والسلوكي، ودور الدين الذي يعتنقه في تكوين هذا السلوك ، وزرع هذه المبادئ والقيم.

هذا الدور الذي قصّر فيه الاعلام كثيرا قصدا ام من دون قصد، لتأتي النتائج كما رأيناها.

  • الأجهزة الأمنية والرقابية هي عادة حصانة المجتمع، وهي التي تسهر على خلق الاطمئنان لدى المواطنين في أن أسرهم وعوائلهم سينامون مطمئنين من أي خدش في حيائهم او تحوير لما يؤمنون به مما استقوه وتعلّموه من دينهم الحنيف.

فليس الامن هو حماية الاجساد والممتلكات، وليست الرقابة فقط في الغش والاحتكار والاسعار، بل إن ضمان أمن العقول، والرقابة على المتاجرة بالقيم والمبادئ التي يؤمن بها المجتمع، والمحافظة على حياء المجتمع، والتي أكد عليها دستوره، ويدعو اليها قائده في كل مناسبة، هي أهم بكثير من اية رقابة.

ولا ادعو هنا لمصادرة الحريات، او لمنع كل ما لا يعجب رجل الامن او الرقيب حسب مزاجه، بل ما اشدد عليه هو حماية قيم المجتمع، وحفظ دينه، وعدم التعدي على حيائه وأخلاقه، وصون كرامته التي يعتز بها.

وهذه الحماية التي أدعو لها لا بد أن تكون مستقاه من قوانين واضحة ، تطبقها الجهات المعنية كما هي، لا تخضع لاجتهادات شخصية، ولا لأهواء رجل هنا وهناك.

  • المؤسسات التربوية بما فيها الأسرة، فالتغاضي عن أمور يعتبرها المعنيون “صغيرة” يولد في الفرد “تعودا” على هذه “الصغائر”، بل ويجعل فعل هذه “الصغائر” عادة محببة ، وربما “مطلوبة” في كثير من الأحايين.

والمثل العربي الشهير “معظم النار من مستصغر الشرر” مثل دقيق جدا، ويضع يده على الجرح في عمقه، فالسكوت عن تصرفات معينة يجعلها بمرور الوقت تكبر مثل كرة الثلج ، ويكون الوقت قد فات لإيقافها، ولا أريد الإسهاب في ذكر مصاديق لما أقوله، ولكني هنا أورد أمثلة لا على سبيل الحصر، ودون الدخول في مناقشتها:

  • ما يمارس في المدارس بين الطلبة من سباب وشتائم وأقوال قبيحة فاحشة، وهو نفس ما يمارس داخل “شلل” الأصدقاء من نكات فاحشة باتت هي الخبز اليومي الجامع للأصدقاء، وهي أمور تفتقدها مناهجنا الدراسية، ويفتقد فيها أبناؤنا للتوجيه السليم من المعلمين وأولياء الأمور، والتغاضي هو ما يراه للأسف أبناؤنا.
  • ما يراه الطفل والمراهق من قنوات ، ومن مواقع إنترنت ، وغيرها مما لا يقبله الحياء ولا الدين ولا العفة، ودون اكتراث من الآباء من طغيانها على ذهنية أبنائهم ، وسيطرتها على عواطفهم وشهواتهم.
  • ما يمارسه العديد من شبابنا –وتحديدا في العطلات- على الشواطئ ، وفي الحدائق العامة، وفي الشوارع ، من تجاوز للخلق القويم، ومن تعطيل لحركة السير، ومن خدش للحياء أمام مرأى الأسر والعوائل، ومن تشويه للمرافق العامة من خلال إلقاء القمامة وغيرها في الشوارع والطرقات، كلها كرات ثلج تكبر وتكبر لتصل إلى ما شاهدناه.

هذه وغيرها حينما يسكت عليها المجتمع، ويعاملها الآباء بلا مبالاة ، وبأنهم شباب ويحق لهم أن يستمتعوا، وحين تتغاضى عنها المؤسسات التربوية ، وتفتقد للرقابة الرسمية ، حينها بلا شك ستكون النتيجة التراكمية لها وخيمة، ولن يجدي حينها الصراخ والبكاء والندب، ولن تجدي دق نواقيس الخطر، لأنه سيبرز جيل لا يرى غضاضة فيما يقوم به، وستتغير قيم المجتمع وأولوياته ، وسيصبح ما نراه الآن مستقبحا ممجوجا هي البضاعة الرائجة والمطلوبة.

في مقال سابق كنت قد تحدثت عن عما تمارسه سيارات “التاركتور” من تشويه لجماليات مسقط من خلال هدم جبالها، وفي مقال آخر تحدثت عما تمارسه وزارة الإسكان من تحريف لتاريخ مسقط من خلال تغيير مسميات حاراتها وقراها القديمة، وحذّرت حينها من أن الخشية كل الخشية أن يأتي دور الإنسان ، ويتم العبث به ، وها نحن نرى ظواهر هذا العبث، فهل من منجد ومنقذ؟ أم أن المسألة ستمر مر السحاب والعواصف التي مرت بنا قبل أيام.

0 1361 02 ديسمبر, 2013 الرابع والأربعون, سياسة ديسمبر 2, 2013