امرأة تضحك في غير أوانها

لـ

تعرض الفلق هنا مُقتطفاً من رواية “امرأة تضحك في غير أوانها” لنبهان الحنشي والصادرة عن دار الإنتشار (2013م) في 141 صفحة. 

سحبت رحمة دلّة القهوة، قدّمت فنجانا لعليّ الذي اكتفى بالاستماع :

 سووا العزا عشان الموضوع يمشي عادي وما يسوولهم مشكلة مع الحكومة، مع أنه الشرطة أوّل تدخلت، بس الشيخ حمدان خلص كل الموضوع، وقالوا أنها انزلقت في الحمام وضرب راسها وماتت”.

 حالما قالت “ضرب راسها” مرّه مشهد رأس أبيه المشجوج مضرّج بالدماء، استرجع معه ارتباك ملامح “الخال مبروك”. باغت أخته “رحمة”رحوووم يسلم عليك سلوم ود خالتك” سقط غطاء شعرها وحاولت مرارا إعادة تدويره على رأسها تظاهرت بالانشغال بكنس حوش البيت “بالمخمة” وهي تجيبه مولية ظهرها له “الله يسلمه، سلّم عليه”

جعلان هادئة جدا، صغيرة لدرجة أنه لا تتوه فيها حتى ذبابة، وما أن يحدث أمر ما في أقصاها من جهة، ينتقل سريعا لأقصاها من الجهة الأخرى، لا يكاد يمرّ حدث جلل ما، دون أن يصبح حكاية يتم تداولها سرا أو علانية، ويزداد حوله اللغط، تماما كحادثة مقتل أبيه التي لا زالت الغصّة تنهش من روحه كلما مرّ من أمام أبناء حارته وقرأ في عيونهم إما مواساة خفيّة لا تكاد تبين، أو شماتة. وصّاه الخال مبروك أن يتجنب الحديث في الأمر طالما أمكنه ذلك “الله كبير يا ولدي وما يضيّع حق حد أبدا” لطالما ودّ حينها من فجاعة الحزن أن يقول له: “وأين كان الله قبل أن يضيع الحق؟”.

أمسك الخال مبروك بكفّ عليّ وهما في طريقهما للمسجد وقت المغرب، ورغم أن من عادة أهل جعلان التحدث بصوت عال حينما يكون الحديث عاديّا، إلا أنّ الخال مبروك لهدوء صوته؛ يضطر عليّ أن ينزل رأسه كثيرا حتى لا يفوّت عليه جملة أو كلمة من الحديث، كان حديثه مجرد توصّيات: “فلان زاد عند ولده مولود لا تنسى تبارك له، وفلان كان متنوّم فالمستشفى اتشكر له على السلامة… إلخ”، كان التراب قد زحف على جانبيّ الشارع المعبّد، حتى لكأنه يسعى للانقضاض عليه، والظلمة رويدا تحتوي الأمكنة. تمنّى لحظتها، لو كان يجتاز الشارع بصحبة ميّ.

*

رفعت أمّه أطراف دشداشته من الأسفل، أدخلت “مجمرا” يتصاعد منه دخان بخور ما: “عمتك نافجة تسلّم عليك، غدانا معهم باكر، ولدها ناصر مسّوي “حول حول” لبنته، كملت سنّة” نبرة صوت أمّه الآمرة تعوّدها منذ مقتل أبيه، قال لها مندهشا: “عمّتي نافجة؟؟؟ أحيدني أسميها خالتي نافجة، هيش اللي تغيّر اليوم؟؟”

“اللي تغيرّ صاحبة الدلال الأخت بشرى، أمّك بتخطبها لك”

لكزه صوت رحمة الذي تداخل بين حديثه وأمّه، كانت “ميّ” حاضرة أمامه يرتسم له وجهها في دخان العود، وتصعد إليه ابتسامتها من دخان العود. اكتفت أمّه بنظرة “اعتراض” أسكتت رحمة، قالت له وهي تسحب “المجمر” وتقلب الجمر فيه بملعقة صغيرة، ثم تضع “اللبان” بعدها: “دامك اشتغلت، زين نشوف لك وحده تتزوجها، ما ينقص الريّال غير حرمة تراعيه وتقابل له بيته، أنا مسافرة عنكم لربكم، واختك بتسافر لبيت زوجها”، كان صوت احتراق اللبان في المجمر ينذر بقوّة الرائحة وكثافة الدخان، قبّل رأس أمه: “أنا بطلع عند حمد ود خالي مبروك، يمكن أتأخر شويّ، لا تقفلي الباب”

*

رغم أن حمد ابن خاله مبروك قد اجتاز معه ربع طرق “جعلان”، إلا أنّ “ميّ” وحدها كانت تتحدث إليه، وتمشي معه، لم ينتبه إلا لحمد وهو يلكز كتفه: “وين سرحان علاّوي، سلامات؟”.

كم من السنوات تربطه بــ حمد، منذ أن افترقا بعد سنوات الدراسة من الابتدائية إلى الثانوية، لم يفتقده، لم يحسّ باشتياق للحظاتهما معا وهما يهربان وقت الظهيرة من منزليهما ليجوبا المزارع بحثا عن اللّمبى (ثمرة المانجو قبل نضجها)، ربما الأمر يعود لذكرياته معه بعدما تجاوزا عمر الخامسة عشر، كانا كلما التقيا بأحد رجال الحارة، يبادر هذا الأخير إلى سؤال حمد: “علومك، أخبارك، سلّم على أبوك!!.” ما كان لأحد أن يرى عليّ، ولا ليعترف بوجوده، فهم الأمر لاحقا أنّ المسألة تتعلق أنه “بِيسر” وحمد “عرْبِي”. في أحد المرّات وحين تكرر الموقف نفسه، بادر مباشرة بالرد على رجل سأل بالطريقة نفسها: “ماشي علوم، ماشي أخبار، من صوبكم، ما شيء علوم ماشي أخبار؟؟؟” لم يُعلّق محمود على الموقف، واكتفى الرجل ذاك أن نظر إلى عليّ باحتقار وذهب دون أن يأبه بالرد عليه.!!

انتبه لصوت حمد وهو يضحك: “سلامات محمد، ضحكنا معك ياخي”.. وضع حمد كفّه على كتف عليّ وتحدث بصوت تخالطه القهقهة: “تتذكر حصّة الألعاب، ياخي أنته كنت ما فالح لا حارس ولا دفاع ولا جناح ولا راس حربة” أكمل حمد ضحكته بصوت عال هذه المرّة وضحك عليّ معه.

“تتذكر وليد عطيّ، محظوظ الكلب، صار لاعب فالمنتخب، واحترف في الدوري الكويتي، محظوظ، تذكر واحد ثاني كان أبوه شرطي، أسمر وطويل، اسمه باسم، يا أخي ما صرنا نعرف عنه شيء، خطأ الواحد يصاحب حد أبوه يشتغل فالشرطة، صرنا ما نعرف عنه شيء من يوم انتقل من المدرسة” صوت حمد يصله ووجوه أصدقاء الدراسة تقفز في الذاكرة مع كلّ اسم، وكأنه زمن مضى ما عاد يعنيه في الأمر إلا أنه كان فيه ذات يوم.

*

أقفل باب البيت خلفه وجد “رحمة” جالسة ممددة رجليها وتتكئ بظهرها على أحد جدران الحوش وهي تقلّب صفحات مجلة ما:

“الوالدة نامت؟” سألها، هزّت رأسها، وضعت المجلة من يدها، سارت نحوه: “باكر بتتغدى مع عمّتك نافجوه”؟.

نظر إليها دون أيّة تعابير على وجهة: “غايته رقادك رحّووم، سيري نامي”

سحبت يده، أجلسته: “تتذكر لما خبرتك عن بنت الحلاّو؟ خبرتني ربيعتي جارتهم، تقول أوّين اختها الكبيرة رجعت من الهند، تدرس هناك، ولما عرفت بالسالفة ما طاعت تسكت عن اللي صار، وهددت أبوها وأخوها انها بتخبر، بس أوّين أبوها ضربها وقال لها لو فتحت فمها بكلمة، ماراح يخليها تكمل دراستها، وبيجلسها فالبيت”

جعلان وهي تستقبل الصيف يتحوّل هدوءها اختناق، بدأت درجات الحرارة هذا العام منذ فبراير في الارتفاع، بسبب انقطاع هطول المطر. ورغم أنّ حكاية كــمقتل “بنت الحلاّو” لا يمكن له بسهولة أن يتظاهر بعدم اهتمامه بها، إلا أنّ ميّ ومنذ حديث أمّه الأخير وهي لا تبارح خياله، أحسّ بضيق يكتم أنفاسه.

“هلا بالغالي، هلا بالجار، حيّاه راعي مِسكد “مسقط”” احتضنه “ناصر” وخاشمه، ارتبك عليّ أمام بشاشة نااصر وكلمات ترحابه له، أجلسه ناصر بجانبه: “أخبارك علاّوي، هين هالغيبة كلّها، عشان اشتغلت فمسقط خلاص تنسانا؟”

مرّ الوقت بطيئا مملا، بين جيرانه وأصدقاء طفولته، تمنّى حينها لو أنّه أتى بكتاب لــ “درويش” يقرأ منه وسط هذا اللغط، لكنه اكتفى بالاستماع، أحيانا ينتظم الحديث، فتنصت آذان الجميع لصوت واحد، خاصة إذا كان الحديث صادر من “الشيخ” الذي كلّما سمع عليّ كلماته تذكّر وجه أبيه، وأحيانا تختلط الأصوات ببعضها، حينما يستأثر كل اثنين أو ثلاثة بحديثهم، فجأة علا صوت أحدهم من طرف المجلس: “يا شيخ، شكله الحرّ السنة نزل علينا من وقت، والمطر من سنة ما نزل، كيف تنحل مشكلة الماي؟؟”

تحوّلت أنظار الحضور في اللحظة نفسها إلى الشيخ، الذي فيما يبدو لم يكن مستعدا للخوض في حديث كهذا، لذلك اكتفى أن أجاب: “الله المعين، ما ينسى ربك عباده. أحسّ عليّ بثقل كلمة “الله” وهو يستعيد معها وجه أبيه وصوت الشيخ، تحدّث ناصر بنبرة مرتفعة ليجبر الآخرين للاستماع إليه: “اليوم كنت أقرأ عن أن تأخر المطر يسبب انحباس حراري، من الممكن يتحوّل لأعصار.”

لم يستوعب الكثير شيئا من كلام ناصر، اكتفى بعضهم بهزّ رأسه، وعلّق البعض الآخر مستنكرا حدوث إعصار: “إعصار هيش يا ناصر الله يهديك، يوم غايته، كلها وادي بيقطع الشارع ساعة ولا ساعتين، والكهربا تنقطع ساعة” ضحك العديد من الحضور، وآخرين لم ينتبهوا للتعليق. وكان عليّ منشغل بإعصار آخر تمكّن من إثارة الفوضى داخله!.

*

رطوبة مسقط الخفيفة جعلت من عليّ يُبكر في وقت ذهابه للعمل، حتى يستطيع المشي بأقل جهد، وما أن وصل للوزارة، كان شيء واحد يشغل باله ويستعجل حدوثه، قدوم “ميّ”، وصل محمود، تبادل معه التحية، مرّ الوقت ولم تأتي ميّ، ذهب يسأل محمود: تريد أسوي لك شاي أنت والأستاذة ميّ؟. نزع محمود سماعة من أذنه: “تسوي خير عليّ، الله يخليك شاي بملعقة سكر وحده، بس ميّ ما يحتاج تسوي لها، هالأسبوع ما راح تجي، معها ورشة عمل في كروان بلازا.” ترك محمود، وقد تراكم الضيق والقلق به، “ورشة عمل، وقته يعني؟” كان يحدّث نفسه بضيق وهو في طريقه للمطبخ، وحين اصطدم بالمدير الذي لم ينتبه له عليّ وهو يدخل، تذكّر علي أنّه لم ينظف مكتب المدير، ولا أنه وزّع الجرائد!.

قال صالح وهو يحتسي شاي الكرك: “يا أخي انته لك كم يوم متقلب مزاجك، سلامات الحبيب، لو محتاج شيء قول، تراني أخوك” ربّت عليّ على كتف صالح وسأله عن عمله، أمّا سالم، فكان يعلّق أحيانا على الحديث، ويصمت أحيانا، استمرّت السهرة عادية كغيرها، لم يستطع فيها عليّ طرد الحزن عن ملامحه، ولا التظاهر بانشغاله عن طيف ميّ.

*

“عمّتك نافجة تسلم عليك”.

أعاده صوت أمّه من شروده، بردت القهوة في فنجانه، انتبه لقهقهة أخته، وضع الفنجان:” ماه، اسمها خالتي نافجة، لا عمّتي ولا يحزنون”.

مدّت رحمة كفّها لتأخذ الفنجان الخالي من يد أمّها لتسكب لها آخر، وضعت أمها “سلّومة” الفنجان في وعاء الماء، أشارت لـ عليّ: “صبّي القهوة لأخوك، فنجانه برد وماشرب شي”، تناولت “أمّه سلّومه” سكينا صغيرا، ثم بدأت في تقطيع برتقالة: “خالك مبروك يسأل عنك من يومين، من تخلص قهوتك امشي له وشوف هيش يبا”. أدرك عليّ أن “الأمر” الذي امتزج مع الغضب في صوت أمّه، هو ردة فعل على إجابته لها، وضع فنجانه، قبّل رأسها وخرج.

*

“هلا ولدي، حمد لله على السلامة، أباك ترابعني حتى النخل”. ممتلئ صوت الخال مبروك بمرح ما هذا الصباح، أمسك بكفّ عليّ ومشيا سويا، لم يخلو الحديث من الفكاهة، كان “مبروك” يتفنن في رواية الطرفة، من موقف لآخر، لم يكد يسلم من لسانه أيّ أحد من رجال الحارة ونسائها: “تعرفه حمّاد ود العرما، مدّعي الطواعية إمام المسجد في الحارة اللي بعدنا، لقيناه قابض صبيّ، من عيال البلوش، السّفلة يريد يفتعل “يعتدي” بالصبيّ، لولا أنّه حد من عيال الشيّال كان راجع متأخر من مدرسته ودخل المسجد يصلّي، كان ود البلوش راح فيها مسكين”

كان عليّ يكتفي أن يبتسم حينا، أو يُعلّق بكلمات مجاملة حينا آخر، تذكّر “بنت الحلاّو”، فسأل: “خالي مبروك، هيش صاير مع أولاد الحلاّو، يقولوا أنهم..” قاطعه الخال مبروك: “ولدي علاّوي، خليك من عيال الحلاّو الحين، البنت قليلة أدب وكانت مصاحبة واحد، رمى البذرة ف بطنها وحملت، هيش تباهم يسوولها، ياخذوها للمستشفى ويربون لها ولدها بعد؟؟؟”.

مرّت من أمامهما سيارة لاند كروزر موديل قديم، من النوع الذي يفضلّه البدو، كان صوت أغنية ما يصدح عاليا لميحد حمد، ابتسم وتذكر حين كان يقرأ على سالم كلمات من شعر درويش، فأجابه سالم: “خلّي عنك هالسوالف، مالنا غير ميحد وأبوبكر”

“شوف علي، بنجيب خالك سالم الهيّاس، وبهييس “يحرث” النخل كله، بنزرع مسيبلو، خالك سالم قال بدل ما تعطيه فلوس، بياخذ من عندك ثلاث نخلات” أشار الخال مبروك لجهة معيّنة، كان يقصد نوعا معينا من النخيل، اعترض علي: “مافي مشكلة خالي، بس القِدمي والنغالتين ما نستغني عنهن، بنعطيه نغالة وحده والبرني والنشوة، انته عارف أمّي سلومة ما تستغنى عن القدمي والنغال” رائحة ملوحة الأرض الجافة وصوت العصافير ووشوشة جريد النخل، تجنّب السير ناحية الساقية التي وجد أباه عليها مشجوج الرأس، تحدّث عن القيض وموسمه، اشتكى الخال مبروك كالعادة من ازدياد الحرّ مثلما يفعل كل عام.

0 1332 15 ديسمبر, 2013 الرابع والأربعون, حداء الروح ديسمبر 15, 2013
Avatar

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها نبهان الحنشي