أموال الشرق الأوسط – أزمة موازنة تلوح في الأفق تدفع عمان باتجاه سوق الديون

لـ

كتب : مارتن دكبيل*

دبي ، 28 نوفمبر (رويترز) – صرح الوزير المسؤول عن الشؤون المالية العماني في شهر نوفمبر  أن أجور القطاع الحكومي قد ترتفع لتصل إلى 2.3 بليون دولار في العام القادم، ويعد هذا التصريح مؤشرا على أزمة موازنة تواجه المنطقة، إذ ارتفع معدل الإنفاق الحكومي ارتفاعا سريعا منذ عام 2011 عندما انطلقت المظاهرات الشعبية مطالبة بتوفير فرص عمل ووضع حد للفساد؛ للتحسين من معيشة الشعب وإعطائه حقه من مكتسبات البلاد. كما أنفقت الحكومة مبالغ طائلة في محاولة تنويع مصادر الدخل تحسبا لنفاد احتياطي النفط .

ولا تخلو بقية دول الخليج من ضغوط شعبية واقتصادية مشابهة، غير أنها تتكئ على مصادر نفطية أكبر من تلك المتوفرة في السلطنة إضافة إلى احتياطي مالي يجنبها الوقوع في أزمة مالية . أما سلطنة عمان،ومع تعداد سكاني يبلغ 3.9 مليون نسمة يشكل الوافدون أكثر من ثلث هذا العدد، فإنها أمام مواجهة وضع مالي أصعب خلال السنوات المقبلة، مما قد يدفعها إلى الاقتراض من الأسواق العالمية بحلول العام القادم، للمرة الأولى منذ عام 1997.

وإذا ما وضعنا في الحسبان قلة الديون العامة واحتمال تقديم الحلفاء الدبلوماسيين للدعم – كالمملكة العربية السعودية – فإن عمان لن تواجه كارثة مالية،إلا أن الضغط الواقع على الموازنة قد يؤدي إلى تصعيب جهود السلطان قابوس – ذو الثلاثة والسبعين عاما والذي لم يعلن بعد عن وريث للعرش – في المحافظة على الهدوء والاستقرار الشعبي.

وقد صرح الخبير الاقتصادي للمنطقة، فاروق سوسة ” نحن أمام تآكل كبير في الأموال العامة العمانية خلال السنوات المقبلة ،طالما بقيت الإيرادات النفطية وضغوط الإنفاق في ارتفاع  … إن معدل نمو النفقات في السنوات الأخيرة ينذر بالخطر، لاسيما النفقات الحالية التي ارتفعت ما يعادل 122% في عامين فقط ، من عام 2010 إلى 2012 “.

سعر النفط

أوضحت مسودة موازنة الحكومة الأسبوع الماضي، أنه يتوقع أن ترتفع نفقات البلاد بحلول السنة القادمة لتصل إلى 13.5 بليون ريال (35 بليون دولار) مقارنة ب 12.9 بليون ريال المخططة لعام 2013 ، دون احتساب  800 – 900 مليون ريال الإضافية من تكاليف الأجور التي يتوجب على الحكومة دفعها تنفيذا للأوامر السامية بتوحيد الدرجات والرواتب لموظفي القطاع المدني، ما يعني أن نفقات الموازنة يمكن أن ترتفع إلى 12% ، ما يعادل 14.4 بليون ريال في العام المقبل حسب مجموع التنائج ، أي ارتفاع الميزانية عن تلك الموضوعة لعام 2013 بحوالي 29%.

وقد تنبأ صندوق النقد الدولي في شهر أكتوبر أن عمان تنزلق إلى هوة عجز مالي يقدر ب 0.2% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2015 ، يتوسع تدريجيا ليصل إلى 7.1% أو ما يعادل 6.8 بليون دولار في عام 2018 ، وهذا كان قبل الكشف عن النفقات الإضافية في الأجور العامة.

كل ذلك يعتمد على أسعار النفط العالمية بشكل كبير ، حيث استطاعت الدولة الصمود في الفترة الماضية وبمستويات عالية جدا بسبب ارتفاع سعر النفط، إذ بلغ متوسط ​​سعرالنفط الخام 109 دولارا للبرميل هذا العام،غير أن حدوث أي هبوط إلى التسعينات  – من الممكن أن يحدث بسبب تجدد الإمدادات الإيرانية إلى الأسواق العالمية إن وصلت طهران إلى اتفاق نهائي مع القوى العالمية بشأن برنامجها النووي – سيؤدي إلى زيادة الوضع سوءً بالنسبة لعمان .

أحد الخيارات المطروحة للسلطنة في الأعوام القادمة هو بدء تقليص الأصول الخارجية لضخها في الإنفاق المحلي. إذ يقدر المحللون أن أبرز اثنين من صناديق الثروة السيادية تقدر قيمة الأصول فيهما بحوالي 16 بليون دولار ، ويبلغ احتياطي البنك البنك المركزي الأجنبي حوال 16.1 بليون دولار أو 6.2 شهرا من الواردات. وعليه ، فإنه من المرجح أن يبدأ برنامج الاقتراض الخارجي مع اقتراب دخول السنة القادمة، حيث صرح مسؤول عماني أنهم يفكرون بإصدار سندات مقومة بالدولار الأمريكي، وقد يصدرون أول سندات إسلامية سيادية في البلاد ، والتي يمكن أن تجتذب الصناديق الإسلامية الغنية بالسيولة من أماكن أخرى في الخليج.

كانت آخر استفادة لعمان من سوق السندات العالمية هي سند أوروبي (يورو) يقدر ب 225 مليون دولار في شهر مارس من عام 1997، عندما هبط سعر النفط إلى 20 دولار للبرميل، فقد باعت سندات لمدة خمس سنوات في هامش صغير يساوي 73 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية.

وبلغت نسبة البلاد من الدين العام الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 6 % في عام 2012، لذلك قد لا تواجه مشكلة في بيع السندات. ولكن هناك خشية من تشديد السياسة النقدية الأمريكية في العام المقبل، ما يمكن أن يضرقضايا أسواق الديون الناشئة في جميع أنحاء العالم.

السياسات

مع اقتراب السنة المقبلة ، قد يتعين على عمان أن تبدأ بالعمل على وضع خيارات سياسات اقتصادية صعبة ، والنظر إلى الخيارات التي كانت مستبعدة. إذ تتجه عمان بالفعل نحو بيع الأصول المملوكة للدولة، حيث كشفت الحكومة في سبتمبر عن خطة لبيع 19% من أعلى مشغل اتصالات متنقلة لعمانتل،  والتي يمكن أن تضيف 595 مليون دولار ، وتخطط في يناير للكشف عن الشركات الحكومية المخصصة للبيع.

يقول جون سفاكيانكس رئيس الاسثمار الاستراتيجي في مؤسسة النقد العربي السعودي ” من شأن سياسة الخصخصة العمل على تنويع الإيرادات المالية، و يمكن على المدى البعيد زيادة الدخل غير النفطي من خلال تحفيز نشاط القطاع الخاص”.

سياسة جديدة لا تزال قيد النظر، وهي رفع ضرائب جديدة على ما يقارب 1.5 مليون عامل أجنبي في السلطنة ، مما سيرفع من تكلفة توظيف الأجانب، وهذا بدوره يؤدي إلى انخفاض مستوى البطالة في السلطنة، غير أنه سيتعين على عمان التعامل بحرص مع هذه السياسية حتى لا تؤذي القدرة التنافسية  للاقتصاد العماني.

قدم مجلس الشورى – كيان استشاري حكومي – في منتصف شهر نوفمبر مقترحاً بأنه يتوجب على عمان فرض ضريبة 2% على ملايين الدولارات التي يرسلها العمال الأجانب إلى بلدانهم. قال معالي درويش البلوشي الوزير المسؤول عن الشؤون المالية أثناء مناقشة الميزانية مع مجلس الشورى ” أعد بأننا سندرس هذا الخيار، لكننا قلقون من أن قرارا كهذا سيؤثر على الاستثمار الأجنبي المباشر لعمان.

وفي نهاية الأمر فإنه قد يتعين على عمان إيقاف الإنفاق عن مناطق حساسة سياسياً، كرفع الدعم عن المحروقات والمواد الاستهلاكية ، كما صرح معالي درويش البلوشي  “إذا ما شهدنا انخفاضا في الإيرادات فإننا سنلجأ إلى تقليل النفقات والحصول على قروض واستخدام الاموال الاحتياطية”.

 * نُشر المقال في ال28 من نوفمبر 2013م بموقع وكالة رويترز: http://www.reuters.com/article/2013/11/28/oman-budget-crunch-idUSL5N0JB2BX20131128

0 1768 08 ديسمبر, 2013 الرابع والأربعون, سياسة ديسمبر 8, 2013
Avatar

عن الكاتب

أديبة ومترجمة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها طفول زهران