“امرأة تضحك في غير أوانها”: نص منسكب من حروف ثورة

لـ

tumblr_mby8htfOSI1qad2wmo1_400

قد لا أكون القارئة الأولى لروايته “امرأة تضحك في غير أوانها” إنما من الأوائل العشر الذين سنحت لهم الفرصة بقراءة هذا “النص المنسكب” ب 141 صفحة .

فرغت من قراءة السطور ولم أفرغ من قراءة ما بين سطور هذه الرواية  التي تشبه بمزيجها السياسي العاطفي الثوري فورة “الأسيد” من قارورة شراب غازية ارتجت لزمن .

أقدم مراجعة بسيطة وسريعة للكتاب من وجهة نظر قارئة لبنانية وليس كناقدة أدبية طبعا, بعيدة عن ثقافة الخليج إلا بما تناول سمعي من هنا وهناك عنها .

يستهل الكاتب العماني “نبهان الحنشي” روايته بمقدمة أشبه بالشعر النثري منه إلى النثر الأدبي , وهو  مما يميز هذا العمل ويميز أسلوب الكاتب وقد تكون مدرسته المستقبلية روائية.

يحكي لنا الكاتب قصة “عليّ” الشاب العماني القروي ,الذي ينتقل للعمل في العاصمة “مسقط” ويقع في حب “مي” بنت “الحسب والنسب” وتفرقهما التقاليد والشرائع القبليّة, فعليّ  “بيسر” , حيث اشتهرت سلطنة عمان قديما بتجارة العبيد , فيكون البيسر هو المولود الهجين لأبوين احدهما “حر” والآخر “غير حر” أي من طبقة الخدم .

” ومن يدري لربما هذا ال “عليّ” سينبذك مع الأيام حينما يجدك مجرد امرأة تخلت عن جذورها للتعلق بغصن نحيل” .

ينشغل “علي” بنسيان حبيبته باللجوء إلى الدين والصلوات والذكر ليجد نفسه متورطا مع جماعة إسلامية متطرفة , وينتهي به المطاف في سجن “سمائل” بتهمة “إرهابي” .

تبدأ الرواية لطيفة , كنسيم الصحراء عند المغيب , مستكينة , ترحل بالقارئ إلى “جعلان” قرية “علي” بين “القدمي” و”نغالة” و” البرني” و”النشوة” (من أنواع شجر النخيل) إلى مائدة “الريوق” ( الفطور الصباحي) مع ماما “سلومة” و”رحمة” و الخال “مبروك” وخالة “نافجة” …. من الأجواء البدوية إلى مسقط , إلى الضجيج والحياة العملية والمدنية التي , أمام أضوائها الليلية وفي مقاهي النراجيل وأمام شاشات مباريات كرة القدم , لم تخنها ذاكرتها القبلية الحادة , في تصنيف خلق الله بين حر” وغير حر ” .

قد يعتقد القارئ أن هذا الجزء من الرواية هو الأجمل لأنه الأغرب عنه كقارئ غير عماني , ويولد لديه هذا الوصف لهفة في المضي أسرع بصفحات الكتاب علًه يجد المزيد من اللوحات الحضارية والثقافية العمانية إلا أنه يصطدم بنقطة نهاية لهذا المشهد وتحول إلى منعطف الثورة في وصف العادات الاجتماعية والقبلية , تبدأ الأحداث بالتسارع , بين عشق “عليّ” و”ميّ” إلى الفقدان, مسلطا ضوءا خافتا وليس خجولا على وضع المرأة العمانية اجتماعيا  , ثم يسوقنا إلى كواليس الفساد السياسي واستغلال الدين , منها إلى ساحات الثورة و الاعتصامات و غليان الشباب العماني , منها إلى السجن , حيث قدم الكاتب أروع إخراج لشريط ذكريات “عليّ” خلال رحلته من السجن إلى المحكمة ….. قدم الكاتب وصفا دقيقا سريعا متلهفا غاضبا ببضع صفحات تخاف أن تفرغ وتريد أن تثور وعالقة بين ناري البوح أو الاستكانة , إنما كان للرواية نصيبا كافيا من جرأة الكاتب  لمن اطلع على الوضع السياسي والاجتماعي في سلطنة عمان .

اجتهد الكاتب في حبكة الرواية , حيث تمكن من الإمساك بخيوطها جيدا في منتصفها , استطاع دس عنصر التشويق من بدايتها إلى نهايتها , خاصة حين يعود بالقارئ إلى ظروف مقتل والد “عليّ” التي بقيت غامضة حتى نهاية الرواية .برأيي الشخصي يكمن جمال الرواية في ازدواجية السرد باللغة العربية الفصحى وتطعيمها بالحوارات باللهجة العمانية البدوية التي أكسبتها هوية , ليس فقط هوية كاتبها وأبطالها , إنما هوية

يبرع الكاتب لغويا , ويبهرنا ببلاغة تعبيراته , واستعاراته و كناياته اللغوية و خاصة في الوصف العاطفي , واستطاع , بصدماته الحميدة , أن يغرق القارئ في الشرود العاطفي والوجداني ثم بإعادته إلى ساحة الواقع الذي نسج منه الكاتب هذه الأحداث التي ربما لم يكن للخيال فيها نصيبا إلا لشخصياتها.

أصنف العمل بشكل عام , لكاتب بربيع مسيرته , كتابا جيدا من الناحية السردية , من ناحية مقومات الرواية , ومن ناحية اللغة . وإن تقربنا أكثر من أرضية الرواية التي بنيت عليها , لاستطاع الكاتب توسيعها بعدد لا يقل عن 100 صفحة إضافية لو تطرق إلى توسيع مشاهد ساحات الاعتصام , والحياة داخل السجن و ما خلف الكواليس , فالرواية سياسية بامتياز أضاف لها الكاتب بعض ما يرطبه ويبقيه على قيد الحياة في أيدي الشباب : أو ليست “الحبيبة” وطن؟؟!

بالنسبة لقارئ غير عماني وغير خليجي , لم تكن بعض التفسيرات والشروح والتفصيلات لتسيء إلى الرواية والسرد , خاصة فيما يتعلق ببعض الكلمات البدوية وفيما يتعلق بموضوع الطبقات الاجتماعية في السلطنة وجذور تصنيفها , فيضطر القارئ إلى  البحث أو إلى استخدام مخيلته و ما اختزن عقله من معرفة وقراءات سابقة ليصيب الهدف في المعنى والفهم .كما كان بعض التعمق في التركيبة الاجتماعية والقبلية و نسيجها من عادات وتقاليد ومحرمات مرغوبا بقوة , إلا أنني اعتقد  أن هذا التفصيل لم يسقط سهوا عن بال الكاتب ,بل عمدا , كون الرواية رواية ذات فحوى ثوري بامتياز صنعت بعناية للقارئ العماني .

نهاية الرواية “مفتوحة” مثيرة لخيال وتساؤلات القارئ , فهي نهاية لا تناسب محبي النهايات السعيدة أو الحزينة , إنما لأولئك القراء الذين يستمتعون في استثارة فضولهم الذي لن تغذيه رواية الكاتب المقبلة .

عمل موفق , يشبه صاحبه

بانتظار عمل مقبل أكبر جرأة مع التمني ل “امرأة تضحك في غير أوانها” بالنجاح والانتشار في جميع الدول العربية عله يكون ربيعا عمانيا بسلاح السلام :”الكلمة” .

0 1384 15 يناير, 2014 الخامس والأربعون, ثقافة وفكر يناير 15, 2014
Avatar

عن الكاتب

كاتبة من لبنان

عرض كل المواضيع التي كتبها سحر سمهون