إلى الذين يترحمون على ( مانديلا )

لـ

نيلسون مانديلا المناضل ضد العنصرية مات .. فهتف الناس بجهوده ومبادئه وخطواته الإنسانية ، وكان الاعتراف من المسلمين لمثله بما قدم ، والشكر له على ما بذل ، بيد أن الإعجاب بالرجل أحدث انقساما عجبا في الحديث عن المصير الأخروي ، فكشفت أقنعة ، وتساقطت دعاوى فارغة وشعارات جوفاء ، وظهرت الهوة السحيقة بين النظريات والتطبيق، وتبين – وما هو بجديد – من أجدر بالاتهام بهجر القرآن وتغليب العواطف، واندفع البعض مترحما عليه ناسيا أو متناسيا قواعد العقيدة الإسلامية في التعامل مع أهل الشرك فيما يتعلق بالمودة والاستغفار والمصير الأخروي، فأحببت أن أضع بعض السطور في هذا الشأن ، مستعينا بالله ، في توطئة و أربعة محاور فالله أستعين .

توطئة

لقد علمنا ديننا العظيم أن نحترم جهود الآخرين ، وأن نقدّر كل خطوة بناءة تسهم في عمارة الحياة، وترتقي بالإنسانية بوجه من الوجوه في شتى المجالات ، احتراما تؤطره العقيدة الإسلامية النقيّة الصافية التي أوضحها القرآن الكريم، بإطار العدل ومقتضيات الإنصاف دون جنوح فكري أو انسياق عاطفي أو ركون لهوى النفس ، ليكون فكر المسلم الذي نهل من ذلكم المعين الصافي في وعي تام وبصيرة ثاقبة يزن بها الأمور ، ويكيل بها المقادير، ويطلق أحكامه بكل رزانة واتزان تحت مظلة ” اعدلوا هو أقرب للتقوى ” ، فلا إفراط ولا تفريط ..

ومن هنا نجد الثناء العطر من قبل أهل الصلاح والإصلاح من المؤمنين ، والعلماء العاملين – مقتدين بنبي الرحمة الذي ثبت عنه أنه أثنى على الخصال الحميدة وإن كان أصحابها ليسوا مسلمين – على جهود من خدموا الإنسانية من أي دين كانوا ، والدعوة للاقتداء بهم في مجال جهدهم ، والتأسي بخطواتهم فيما قدموه من خير ونفع ، ليكون المؤمن سباقا للخير ، ومنارة للهدى والبر، وشعلة من الهمة في كل ما فيه الرقي والتقدم ، سواء كانت تلك الخصلة والجهود قام بها فرد أو تواطأ عليها شعب أو طائفة من الناس، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ، وأجدر بالاستفادة منها، مع الاعتراف بالفضل لأهله، وبالجهد للقائمين به ، بيد أن هذا الاعتراف وذاك الاقتداء يجعل في إطاره الذي حددته معالم الشريعة الناصعة ، ودرب القرآن البيّنة الواضحة، فلا خلط ولا تمازج ، ولا التواء ولا تقلب ، ولا بيع للمبادئ أو تفريط في القناعات والثوابت ، بل نهج معتدل وسط يضع الأمور في نصابها ، فللعمل الدنيوي مجاله وثمراته، وللأخروي معالمه وآثاره، وهذه ثوابت راسخة في عقيدة المسلم مهما بلغ به الإعجاب أو نادته العاطفة ، أو كثرت من حوله دعوات التسامح والتقارب ..

إن المسلم ليس بحاجة إلى استيراد أفكار العولمة المعلبة ومبادئ الحرية ( المذهبة ) ، ودعوات التقارب الجوفاء ، وشعارات التلاحم العمياء ـليحسن بها نكهة عقيدته أو يرصع بها جدران قصر مبادئه، فقد كفاه كتاب الله الخالد ثوابت عقيدته الغراء ومبادئ دينه القويم ..

المحور الأول : ضرورة الفصل بين موازين الدنيا و أحكام الآخرة

لا أحد ينكر الجهود ( الدنيوية ) التي قام بها مانديلا في خدمة بني جلدته والإنسانية بشكل عام ، ولا أحد ينكر أثر تلك الجهود على الواقع الإنساني والمحيط ( الدنيوي )، ومن هنا فلا عجب أن تجد من يعدد مناقب الرجل ويذكر أفضاله على الإنسانية، أو من يقارن بينه وبين الذين يخوضون في لجج الأنانية والمصالح الشخصية فيخونون شعوبهم ويبيعون ذممهم ، ولا غرابة أن ( يصفق ) لخطوات الرجل وما بذل في هذه الحياة الدنيا من كافة الأديان والطوائف على اختلاف أشكالها وألوانها ..

ولكن العجب أن تجد من المسلمين بل ممن يعدهم البعض ( مفكرين ) و ( مجددين) من تأخذه العواطف وتذهب به كل مذهب ويزج به التقليد الأعمى في متاهات عجبا، فتجده في غمرة الإعجاب والعواطف يتناسى مسلمات ويتعامى عن مقررات وثوابت وبديهيات ، فيخلط الأوراق خلطا عجيبا ، وتتداخل لديه الملفات ، وهو ( الناقد البصير ) و( المفكر الحصيف ) فيجعل المسلم والكافر في منزلة واحدة والدنيا والآخرة وموازينهما في سلة واحدة ، ويترنح فكره من أثر السكر العاطفي والهوس الفكري التقليدي فلم يعد يميز بين ما قرره القرآن الكريم كحقائق ثابتة جلية ، وبين ما جعل فيه النظر لأهل العلم والنظر، ولم يعد يكتفي بعض هؤلاء بالإسراع العجيب الغريب في مخالفة العلماء والمحاولات المستميتة اليائسة البائسة لنقض فتاواهم وجهودهم الإصلاحية ، والتنافس المحموم على مخالفتهم ، بل تعدوا كل ذلك إلى الخوض في مسلمات العقيدة ومقررات القرآن الكريم وحقائقه الثابتة ، ليخلطوا بين الجهد ( الدنيوي ) والمصير ( الأخروي ) ، فيتألهون على الله، وقد أخبرهم – سبحانه – ممن يقبل ولمن جعل الفردوس مصيرا ومآلا ، فيترحمون على ( مانديلا ) ..

ولو تبصر هؤلاء ( المفكرون ) قليلا لوجدوا أن القرآن الكريم الذي يدعون الرجوع إليه و طالما تباكوا عليه واتهموا العلماء والفقهاء بهجره والاشتغال عنه ب ( الروايات ) قد قرر بكل وضوح وشفافية مبدأ الولاية والبراءة، ولم يدع مجالا للخلط بين الأعمال والجهود الدنيوية وبين موازين الآخرة ومعيار القبول عند الله والفوز برضوانه ..

المحور الثاني : حقائق قرآنية تعامى عنها من على القرآن يتباكون

من أهم الحقائق الثاوية في كتاب الله تعالى والتي تعامى عنها هؤلاء الذين طالما تباكوا على كتاب الله ودعوا إلى العودة إليه :

أولا : الكافر مهما عمل في الدنيا فإن أجره إنما هو في الدنيا ( مالا أو جاها أو منزلة أو سمعة أو بركة أو ما شاء الله أن يكافئه به دنيويا ) ، أما في الآخرة فليس له نصيب منها، بل إن عمله محبط بشركه

يقول الله تعالى : ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ “

ويقول – سبحانه – : ” أُوۡلَٰٓئِكَ الَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعۡمَلُونَ “

ويقول جل شأنه : ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا “

أما الآخرة فالفوز فيها يتطلب إرادة لها وأن يسعى لها المريد سعيها،
وَمَنۡ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورًا

ولا شك أن مدخل ذلك الإسلام ، فقد قرر القرآن أن الله لا يقبل الله سواه وأن من كان على غير هذه الملة فلا تقبل منه أعماله وهو خاسر آخرته “وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ الإِسۡلاَمِ دِينًا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الۡخَاسِرِينَ “

فأعمال الكافر لا قيمة لها ولا وزن في الآخرة لأن وعاءها منخرق وأساسها متهدم ، وهو العقيدة الصحيحة ، بل يجعلها الله هباء منثورا

” وَقَدِمۡنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنۡ عَمَلٍ فَجَعَلۡنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا “

هذه الأعمال إنما هي سراب يظنه ماء مختلطو الفكر الذين فغروا أفواه فكرهم العطشة لكل قادم من مبادئ الغير غافلين عن المبادئ التي قررها كتاب الله ، هؤلاء العطشى فكريا يتوهمون أن لهذه الأعمال قيمة في الآخرة كما يتوهم العطشان السراب ماء ، ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعۡمَالُهُمۡ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحۡسَبُهُ الظَّمۡآنُ مَآءً حَتَّىٓ إِذَا جَآءهُ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الۡحِسَابِ “

وإحباط العمل بالشرك بالله تعالى وأن المشرك لا حظ له في الآخرة لا يماري فيه إلا جاهل بكتاب الله تعالى وحقائقه المقررة فيه

فها هو القرآن يخاطب النبي – على جلالة قدره – بأنه تشمله هذه القاعدة العامة ، وأن القرآن يؤكدها كما هي في الرسالات السابقة ،مما يدل على أنها جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم ، لا تتغير بالأزمنة ولا تختلف فيها الشرائع الحقة : ” وَلَقَدۡ أُوحِىَ إِلَيۡكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنۡ قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الۡخَاسِرِينَ “

ويقول الله تعالى : ” ذَٰلِكَ هُدَى اللّهِ يَهۡدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِ وَلَوۡ أَشۡرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ يَعۡمَلُونَ”

” وَالَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَالُهُمۡ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلاَّ مَا كَانُوا۟ يَعۡمَلُونَ “

” مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُوا۟ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمۡ بِالۡكُفۡرِ أُوۡلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَالُهُمۡ وَفِى النَّارِ هُمۡ خَالِدُونَ”

” أُولَـٰٓئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَالُهُمۡ فَـَلا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ الۡقِيَامَةِ وَزۡنًا “

” أُوۡلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُوا فَأَحۡبَطَ اللَّهُ أَعۡمَالَهُمۡ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَىٰ اللَّهِ يَسِيرًا “

” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيۡئًا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَالَهُمۡ”

” وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوۡلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَالُهُمۡ فِى الدُّنۡيَا وَالآخِرَةِ وَأُوۡلَٰـئِكَ أَصۡحَابُ النَّارِ هُمۡ فِيهَا خَالِدُونَ “

” إِنَّهُ مَن يُشۡرِكۡ بِاللّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الۡجَنَّةَ وَمَأۡوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ “

بل إن القرآن الكريم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لو فطن ( المفكرون العظام ) ، فجعل إحباط العمل حتى في المعصية أو بما هو دون الشرك بالله تعالى

ي”َآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا َلا تَرۡفَعُوا أَصۡوَاتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ النَّبِىِّ وَلَا تَجۡهَرُوا لَهُ بِالۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَالُكُمۡ وَأَنتُمۡ َلا تَشۡعُرُونَ “

” ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسۡخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضۡوَانَهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَالَهُمۡ “

بعد تبيان سبب الإحباط في قوله تعالى

” ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم “

ويقول جل شأنه ” وَمَن يَكۡفُرۡ بِالإِيمَانِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الۡخَاسِرِينَ “

بعد تبيان المحلل من الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، وليس في مخالفة ذلك شرك .

ويقول قائلا عليما : ” إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الۡمُتَّقِينَ “

فكيف يستسيغ المسلم أن يطلب الرحمة والمغفرة لمن أخبره القرآن الكريم أن عملهم محبط وهباء منثور ؟؟!!!

ثانيا : القرآن الكريم لم يدع مجالا لأهل الأهواء والتقليد الأعمى في هذه القضية أن ينجروا خلف عواطفهم ، فلم يكتف ببيان أن لا حظ لهؤلاء في الآخرة، بل نهى عن طلب ذلك
يقول الله تعالى : ” مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا۟ أَن يَسۡتَغۡفِرُوا۟ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوا۟ أُوۡلِى قُرۡبَى مِن بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَابُ الۡجَحِيمِ ” ، فقطعت الآية دابر العواطف في مسائل العقيدة ، فحذرت من أن تأخذهم العاطفة لذوي القربى فتنسيهم أنه لا حظ للمشركين في الآخرة، وعواطف التبعية والانبهار والإعجاب القديمة المتجددة أولى من أن توقف عند حدها عند باب العقيدة الإسلامية وثوابتها .

ويقول سبحانه وتعالى : ” اسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لاَ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغۡفِرَ اللّهُ لَهُمۡ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُوا۟ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهۡدِى الۡقَوۡمَ الۡفَاسِقِينَ ” ، الآية توكد ب ( لن ) على أن لا مغفرة لمن كفر بالله ورسوله ، الأمر الذي يدل على أن ( أو ) ليست للتخيير وإنما لبيان أن لا جدوى من الاستغفار ، وهو نهي ضمني عنه .

ثالثا : رحمة الله واسعة تسع كل أحد، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، ولكنه بحكمته وعدله أخبرنا لمن يكتب رحمته ، فقال سبحانه : ” وَرَحۡمَتِى وَسِعَتۡ كُلَّ شَىۡءٍ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤۡمِنُونَ ” ، فكيف يستسيغ مسلم أن يسألها لمن قرر القرآن أنها لم تكتب له ؟!!

ويقول جل شأنه ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوۡلَٰٓئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحۡمَتِى وَأُوۡلَٰـئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” ولا شك أن كثيرا من الكفار لديهم المطمع في الرحمة ، ولكن اليأس هنا قطع لدابر هذا المطمع ، ونهي عن تمنيه أو طلبه.

رابعا : بين القرآن الكريم أن ولاية المؤمن ووده إنما هو للمؤمنين العاملين بهدي الإسلام، وأن غيرهم من الكفار والفسقة لا حظ لهم من ولاية المؤمن ومحبته، وأن أهل الشرك والأوثان ليس لهم إلا البراءة ..

” لا تَجِدُ قَوۡمًا يُؤۡمِنُونَ بِاللَّهِ وَالۡيَوۡمِ الۡآخِرِ يُوَادُّونَ مَنۡ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوۡ كَانُوا آبَآءهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءهُمۡ أَوۡ إِخۡوَانَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡ “

فنجد هنا مرة أخرى – من خلال ذكر الأقارب خاصة – تحذيرا ضمنيا من تحكيم العواطف في ثوابت العقيدة ورواسخها .

” إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا۟ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤۡتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمۡ رَاكِعُونَ ” ، الآية حصرت ولاية المؤمنين لمن تكون .

” يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا۟ لاَ تَتَّخِذُوا۟ الۡيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوۡلِيَآءَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُ مِنۡهُمۡ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهۡدِى الۡقَوۡمَ الظَّالِمِينَ ” ، الآية حذرت خصيصا من ولاية اليهود والنصارى كونهم أهل كتاب يعترفون بوجود الله ، حتى لا يبقى شك لدى المؤمن أن الكفر ملة واحدة وأن ولايته ليست لأهل الكفر، ومن تتبع ما يتبع هذه الآية يجد أن المسارعة إلى تولي هؤلاء إنما هو ديدن المنافقين ” فتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ “

ثم يأتي التحذير من الردة ، وفي هذا – كما يؤكد السادة المحققون – إشارة إلى أن بيع مثل هذه الثوابت والمهادنة فيها أحد المزالق التي قد تردي بالإنسان إلى بيع ما تبقى من أوراق عقيدته ليرتد عن دينه ، لتأتي بعد ذلك آية حصر ولاية المؤمنين ” إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا۟ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤۡتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمۡ رَاكِعُونَ “

والآيات الثاويات في كتاب الله التي تنهى عن اتخاذ الكفار أولياء كثيرة منها :

” يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا۟ لاَ تَتَّخِذُوا۟ الۡكَافِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ الۡمُؤۡمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُوا۟ لِلّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَانًا مُّبِينًا “

” يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا۟ لاَ تَتَّخِذُوا۟ الَّذِينَ اتَّخَذُوا۟ دِينَكُمۡ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا۟ الۡكِتَابَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَالۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَ وَاتَّقُوا۟ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ “

” يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا۟ لاَ تَتَّخِذُوا۟ آبَاءكُمۡ وَإِخۡوَانَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إَنِ اسۡتَحَبُّوا۟ الۡكُفۡرَ عَلَىٰ الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوۡلَـٰٓئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”

خامسا : اليهود والنصارى كفار، وليسوا من الإسلام في شيء ، وهذه الحقيقة قررها القرآن الكريم ، وتوعدهم بالعذاب الأليم والحرمان من الجنة وأكد عليها مرارا ، حتى لا يظن ظان أن كون أصل شريعتهم سماوية يشفع لهم أن أعرضوا عن رسالة المصطفى الخالدة
” لَقَدۡ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا۟ إِنَّ اللّهَ هُوَ الۡمَسِيحُ ابۡنُ مَرۡيَمَ وَقَالَ الۡمَسِيحُ يَابَنِىٰ إِسۡرَآئِيلَ اعۡبُدُوا۟ اللّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمۡ إِنَّهُ مَن يُشۡرِكۡ بِاللّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الۡجَنَّةَ وَمَأۡوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ “

” لَّقَدۡ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا۟ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ “

وإنما كتب الله الفوز لمن اتبع رسوله قبل رسالة نبيه محمدا – صلى الله عليه وسلم – ، كما قال الله تعالى : ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا۟ وَالَّذِينَ هَادُوا۟ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنۡ آمَنَ بِٱللَّهِ وَالۡيَوۡمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلاَ خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلاَ هُمۡ يَحۡزَنُونَ ، أما بعد المصطفى فلا بد لمن أراد النجاة من الإيمان به واتباع هديه – صلوات ربي وسلامه عليه ، فقد قطع قوله تعالى ” وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ الإِسۡلاَمِ دِينًا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الۡخَاسِرِينَ ” دابر كل شك في هذا ، وأمر أهل الكتاب باتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وجعل الرحمة محصورة فيمن يتبعه ، وبين أنه رسول للناس كافة وأمر الكل باتباعه ، وجعل الهداية في ذلك ، فقال : ” وَرَحۡمَتِى وَسِعَتۡ كُلَّ شَىۡءٍ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤۡمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِى التَّوۡرَاةِ وَالإِنۡجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِالۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَاهُمۡ عَنِ الۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ الۡخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَالأَغۡلاَلَ الَّتِى كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡ فَالَّذِينَ آمَنُوا۟ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا۟ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوۡلَٰٓئِكَ هُمُ الۡمُفۡلِحُونَ. قُلۡ يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلۡكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرۡضِ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحِۡى وَيُمِيتُ فَآمِنُوا۟ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤۡمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ” فمن لم يتبع النبي – من اهل الكتاب أو غيرهم لا تشمله هذه الرحمة ، ناهيك عمن لم يؤمن بمحمد – صلى الله عليه وسلم – رأسا.

ثم يأتي الأمر للنبي – صلوات ربي وسلامه عليه – أن يخاطب الناس أنه رسول إليهم جميعا ، ويأمر مرة أخرى باتباعه وختام ذلك ” لعلكم تهتدون “

كما أن الله تعالى رد على أهل الكتاب في اعتبارهم أن كتبهم وشرائعهم لم تزل مصدر الهداية ، فقال – جل شأنه – : ” وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوۡ نَصَارَىٰ تَهۡتَدُوا۟ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الۡمُشۡرِكِينَ ” ، إذن لم تعد مصدر هداية لهم – فضلا عن غيرهم – بعد بعثة محمد – صلى الله عليه وسلم – ، ولو كانت تعد من الإسلام بعد البعثة المحمدية لما نفت الهداية عنها ، ثم يأتي الأمر بجميع الأنبياء ، لتأتي الحقيقة الخالدة بعد ذلك : ” فَإِنۡ آمَنُوا۟ بِمِثۡلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهۡتَدَوا۟ ” ، هذا هو درب الهداية الأوحد ، الإيمان بجميع الأنبياء كما آمن المسلمون ، وعلى رأسهم محمد – صلى الله عليه وسلم – ، فمن لم يؤمن به فلا حظ له من الإسلام .

وما أكثر الآيات التي تأمر أهل الكتاب وغيرهم بضرورة الإيمان بالنبي واتباعه والإيمان بما أنزل إليه ( القرآن ) كشرط للهداية ، ثم لك أن تعجب ممن يأتي مماريا في أن ثمة مجال لاعتبار اليهود والنصارى ليسوا بكفار وقد كفروا بالرسول الخاتم وما أنزل إليه !!!
ولقد قال الله تعالى بعد ذكر اتيانه بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ” ثُمَّ جَعَلۡنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الۡأَمۡرِ فَاتَّبِعۡهَا ” ، وفي هذا دليل أن الشرائع السابقة نسخت بالشريعة الخالدة فلا مجال للفوز دون الإيمان به، ولا مجال لاتباع الشرائع السابقة التي كانت قبله.
وهذه المسألة أظهر من أن نحشد لها الأدلة التي لا يتسع المقام لسردها ، وقد أجمع عليها علماء الأمة من كافة الطوائف .

المحور الثالث : تناقضات وشعارات جوفاء

ثمة عدد من التناقضات عند الذين سارعوا بالترضي والترحم على ( مانديلا ) ، واعتبروا روحه ( طاهرة ) وسألوا الله لها أعالي الجنان، من أهمها :

أولا : لطالما تباكى هؤلاء على كتاب الله تعالى ، واتهموا أهل العلم والفقهاء بهجره والاشتغال عنه ، فهاهم لم يكتفوا بالتخريص فيه بغير علم، بل أصبحوا يصادمون الثوابت التي قررها وأجمعت عليها الأمة قاطبة ، فما خبر هذا التباكي ؟ وأين ذهب هذا الشعار ؟!!

ثانيا : لطالما نادى هؤلاء بتحكيم ( العقل ) ونهوا عن الانجرار وراء العواطف ، متهمين غيرهم بأن العاطفة تسيرهم وتقودهم ، فما موقع هذا الموقف العجيب بين العقل والعاطفة ؟ ومن الذي ثبت ومن لعبت بفكره العواطف ؟ وما قولهم فيمن أعماه الإعجاب بالجهود الدنيوية فنسي الموازين الأخروية التي بينها القرآن بكل وضوح ؟

ثالثا : سيقول لك هؤلاء أن الترحم على الرجل إنما هو من باب العدل والاعتراف بالفضل ، فأين كان هذا المبدأ الذي لم تفقهه الأمة قاطبة واين كان يخفي وجهه حين امتلأت التغريدات والمنشورات بالنقد اللاذع لأهل العلم والفقهاء ، وتصويرهم أنهم هم السبب في تخلف الأمة وإعاقة تقدمها، واحتكارهم المعرفة وأنهم جعلوا أنفسهم أوصياء على الدين ويوزعون الصكوك وجعلوا قداستهم فوق قداسة الوحي المنزل ؟؟ أما وجد لهم مكان في حديقة العدل والإنصاف الغناء ، أما جاد غيث حسن الظن المنهمر عليهم بشيء ينبت في دوحتهم جانبا من النظرة والخضرة ولو شيء من سدر قليل ؟!!

رابعا : لطالما صمت الآذان بغلبة التقديس و( المبالغة ) في احترام العلماء ، وجعلهم كالأحبار الذين قدمت أقوالهم على أقوال الشرع ، ألا تلحظون أن بضاعة اليوم رائجة في سوق التقديس ، وقد رفس المبدأ القرآني واستبدل بالعواطف وجرّ العقل بزمام الإعجاب وعصبت عيناه بعصابة الانبهار؟

خامسا : لطالما اتهم هؤلاء أهل العلم بتحديد مصائر الناس، والتأله على الله في توزيع الناس في الجنة والسعير، رغم أنهم – رحم الله ميتهم وبارك في باقيهم – لا يحكمون على أحد بعينه بجنة أو نار إلا بدليل قطعي ، فيما يعرف عندهم ب ( ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ) ، إنما يقررون ما قرره القرآن بأن من مات على كذا فمصيره كذا كما بينه الدستور الخالد ، أما فلان وعلان ممن لم ينص عليهم القطعي باسم أو وصف فالعلم عند الله بخاتمته ومصيره وهلاكه أو توبته ونجاته، بينما نجد هؤلاء ( المترحمين) يتعامون عن الموازين الثابتة في كتاب الله ، ونهي القرآن عن الاستغفار للمشركين ، لينازعوا الله في حكمه فيسألوه ما أخبرهم مرارا باستحالته، وقد بين لهم أنه لا يبدل القول لديه ، فياللعجب !!

المحور الرابع : نتائج وحقائق

أولا : شكرا ل ( نيلسون مانديلا ) على ما قدم من جهد دنيوي ، نفع به الإنسانية ، ولا نجرؤ على الحكم عليه بنار أو جنة فأمره إلى الله ، وهو أعلم بخاتمته وما حواه قلبه ، إنما تعبدنا بالحكم الظاهري ، ونهينا عن الاستغفار لأهل الشرك وعلينا الامتثال ، حتى لا نكون ممن يرفع شعار العودة للقرآن ويتعامى عن ثوابت القرآن .

ثانيا : مع الشكر والتقدير لجهود الرجل فلعل بعض من يسارعون في الترحم عليه ويصوروه وكأنه رسول النضال وعدو التمييز الأوحد ربما لم يسمعوا بمانديلا إلا يوم وفاته ، ونسوا أو تناسوا أن ثمة مناضلين مسلمين كانت لهم جهود كبيرة في هذا المضمار وتحملوا مشاق وصعاب في المجال أمثال الشيخ عبدالله هارون وغيره ، ولقد كان المسلمون أكثر معاناة من غيرهم وسجلت لهم بصمات واضحة في الجهاد ضد العنصرية رغم قلة عددهم ، وربما لا يعرف هؤلاء أن جهد مانديلا لم يقم معلقا في الهواء وإنما سبقه نضال بنوا الأساس ، وأعانه في عهده مسلمون آخرون تكامل جهدهم مع جهده ، فحري بهم أن يذكروا معه ، وعلى رغم مخالطته للمسلمين وتعاونهم معه في نضاله إلا أنه رفض الإسلام عندما دعاه الشيخ الراحل أحمد ديدات، وفضل البقاء على شركه .

ومن هنا فقد بقي بعد موت الرجل استفادة البشرية من جهوده ، ومواصلة الجهد فيما ينبذه الإسلام وتأباه الفطرة السليمة من التمييز العنصري .

ثالثا : رسالة أوجهها خصيصا للذين يدندنون دوما أن العلماء يحاولون التحكم في مصائر الناس، وتقسيمهم في الجنة والسعير ويوزعون صكوك الغفران لمن شاءوا ، أننا – ولله الحمد – وجدنا علماءنا الأجلاء يحذرون ويحذّرون أيما تحذير من الحكم على أحد بعينه بالنار دون دليل قطعي باسمه أو وصفه، كفرعون وابي لهب وغيرهم ، أما أعيان الناس فطالما أكدوا للناس – بما تعلموه من كتاب الله تعالى – أن علينا أن نحكم عليهم بحكم الظاهر ، باعتبار الوقوف هو الأصل ، ومن ظهر صلاحه واستقامته فهو في الولاية كما أمرنا الله تعالى، ومن ظهر كفره أو شركه فهو في البراءة ، ولا يجوز لنا أن نودهم وقد حادوا الله ورسوله ، فقد نهانا القرآن عن ذلك ، ولا يجوز لنا أن نترحم عليهم ولا نستغفر لهم ، وقد نهانا كتاب الله عن الاستغفار حتى للأقرباء منهم ، وليس في ذلك تأله على الله ، بل التأله على الله والاجتراء عليه ، في طلب الرحمة لمن قرر القرآن الكريم أنهم آيسون منه ، هذا ما تعبدنا الله به ، أما المصير الأخروي فهو بيد الله تعالى لا علم لنا به ، ولا نحكم بهلاك أحد بعينه ولو مات على غير ملة الإسلام ظاهرا أو مات وزجاجة الخمر في يده ..

فلا داعي لما يقوم به البعض من العزف المستمر على هذا الوتر ، فمبادئ عقيدتنا واضحة جلية، سواء كانت في أحكام الولاية والبراءة الدنيوية التي أمرنا بها ، وتعبدنا الله بانتهاجها، أو في المصير الأخروي للأعيان الذي استأثر الله بعلمه ، فلا خلط ..

0 1956 19 ديسمبر, 2013 الرابع والأربعون, ثقافة وفكر ديسمبر 19, 2013