صخرة عند المصب .. مقاطع من رسائل حب

لـ
صخرة على المصب

صخرة على المصب

مقطع من كتاب “صخرة عند المصب .. مقاطع من رسائل حب  ” للأديب عبدالله حبيب الصادر حديثا عن دار مسعى البحرينية  .. يتألف الكتاب من 98 مقطعاً ، نختار للنشر منها أطول هذه المقاطع وهو المقطع رقم ( 89 )

 

[…] وكم أفهم يا نور عيوني يا حبيبة روحي وفؤادي، يا امَّاه وابَّاه، يا كل هَلِي وعْمَامِي  وخُوالي وحِيَّاني وطُوايفي ويْدُودي، أن يكون مغزى هديتك قلماً فاخراً.

لكني يا حبيبتي قررت أن لا أكتب بقلمك الهدية خشية أن أخدشه، أو أؤذيه من غير قصد، أو أسيء استعماله فيما لا تحبين من كتاباتي الصغيرة (استثناءاً وحيداً فقط كي أتأكد من أنك لم تُهْدِني قلماً فاخراً من غير حبر في واحدة من “حركاتك” – هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها!.  كتبت به اسمك واسمي على ورقة بيضاء مثل أي عاشق مراهق في [هذا] العمر […]، وتحت الاسمين مباشرة رسمت أيضاً صورة “القلب المجروح”:  القلب والسَّهم الذي يخترقه – تصوَّري، تصوري يا من أعدت الشيخ إلى صباه)!.  عوضاً عن الكتابة به في قادِمِ الوقت دفنتُ، إذاً، قلمك في قلبي، وإني عبر ذلك القلب/القلم أحاول أن أكتب لك هذا.

شكراً يا […].  أحبك.  أحبك بما لم يكتبه قلم وما لم ينبض به قلب.  أحبك.

دعيني من فضلك يا حبيبتي أقول من جديد (وأنا، بصراحة، غاضب الآن في إثر انتهاء مكالمتنا الهاتفية قبل دقائق) هذا الكلام البسيط العميق الذي يمكن العثور عليه حتى في أردأ الروايات الرومانسية العربية (يوسف السباعي مِثالاً) وحتى بعض أسوأ الأفلام العربية (بعض الأفلام المصرية التجارية نموذجاً):  الزواج يقتل الحب.  نقطة وانتهى السطر، وانتهى الكلام الحكيم […].

 بعضهم يستطيع أن يكون زوجاً صالحاً أحسده قليلاً- قليلاً فقط.  لكني في الجانب الآخر من العملة لا أحسده على الإطلاق، بل أنحني أمامه احتراماً لأنه بصدد “تكوين أسرة سعيدة”.  ولكني يا حبيبتي لست بصدد “تكوين أسرة سعيدة”.

إني لا أصدِر بهذا الكلام “حُكماً كونيَّاً” على مؤسسة الزواج لا سمح الله، وإنما أصدُر عن حساسيتي وكينونتي الصغيرة المضطربة أصلاً اللتين عرفتُ من قبل، وأعرف الآن جيداً أكثر أنهما ترتبكان كثيراً أمام أي شكل من أشكال مأسسة العاطفة.

إن كان هذا عجزاً عما أسميتِه بكل إحكام، واقتصاد، وبلاغة “الحياة في الحياة” بدلاً من “الحياة في تاريخ الحياة” فإني أتفق معك وأعترف بقصوري.  ليس هناك ما هو أكثر قوة لأي إنسان من الاعتراف بقصوره في هذا أو ذاك من الشؤون، هذا على الرغم من توكيدي لك من جديد أنني في الحقيقة لا أعيش في الكتب (هذه التهمة الجائرة التي لا تزالين توجهينها لي بإصرار مزعج) بل إن بعض تلك الكتب يعيش فيَّ لأسباب خارجة عن إرادتي تماماً، وربما لأسباب خارجة عن إرادة تلك الكتب أيضاً.

منذ أن عرفتك […] تأكدتُ أن “قسمتي الاختياريَّة” هي أن أكون سقيماً بالعشق، والإلتياث، والوَجْد، والبُحران، ولا أستطيع أن أكون غير هذا.  قسمتي هي أن أكون قريباً منك، وقريباً من أشخاص ومبادئ اعتنقتها مبكراً.  لكن التجربة المُرَّة المريرة (والتي حدث معظمها خارج الكتب يا سيدتي الجميلة والله، والله العظيم) باحت لي بأنه إذا كان المرء مؤمناً بذلك المبدأ أو هذا الشخص (ولو تعرفين كم لديَّ إيمان بك) بهذه الدرجة من القرب والحميمية فإن أول ما عليه أن يفعل هو الابتعاد النهائي والكامل عن أي مؤسسة تُمَثِّلُ هذا الشخص أو ذلك المبدأ.

حبيبتي:  لقد تعبت كثيراً من الوفاء والإخلاص لأشياء وأشخاص على حساب وفائي وإخلاصي لنفسي التي لا أريد أن أخسر المزيد منها، حيث اكتشفت بعد غير قليل من التجارب أني وحيد تماماً في النهاية.  وهذا الكلام لا يخصك على الإطلاق بل يتعلق بأشياء وأشخاص آخرين.  ولا تعتقدي أني بهذا الكلام غير واعٍ لتناقضاتي النرجسية من حيث، مثلاً، أن من يقول كلاماً مثل هذا (ضد المؤسسة) عليه أن لا يكون مفرط الغيرة على حبيبته (التي هي خارج المؤسسة لغاية الآن).  إنني آسف جداً لهذا التناقض الصارخ يا حبيبتي.  لا أستطيع سوى أن أكون غيوراً بصورة مجنونة أندم عليها […].  في النهاية، أنا ذَكَرٌ شرقي، أُف!.  آه من كل تلك الجينات!.  أرأيت أن الكتب لا تستطيع أن تفعل الكثير هنا؟!.

لكن فيما يخصنا يا حبيبتي – يا للمفارقة – أول ما علي إثباته في حبك هو رفضي لمؤسسة الزواج.  لقد تعبت كثيرا مع المؤسسات حتى البديلة التي حُسِبْتُ عليها، وأريد أن أكون حُرَّاً وملتَزِماً في نفس الوقت بطريقتي الخاصة (وفي ما يخص الزواج لم تكن جينيالوجيا مؤسسته في التاريخ سوى تنظيم للدعارة.  وقد قامت بتلك المأسسة خلال فترة المعابد القديمة السلطات الدينية تحديداً وبالضبط […]).

فقط، فقط.

[…] ولأننا اتفقنا على أننا متجاوزان لمسألة “الكرامة الشخصية” و”جرح المشاعر” في حديثنا عن الموضوع (وأنا أنحني لك احتراماً بسبب ذلك، وهذا ما يجعلني أتحدث عن الأمر بصورة مفتوحة قد تقترب من الفظاظة بغير قصد) فإنني سأصارحك إنني أغضب كثيراً حين تكونين – يا أعز الأعزاء – من يغازل المؤسسة من خلالي.  أعرف أنك تفعلين ذلك بحسن نية، لكني لا أستطيع نسيان مقولة سارتر:  “الطريق إلى جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة”.

لا تستطيع “قسمتي الاختياريَّة” سوى أن تكون أنت.  أنت وحدك.  وحدك.  أنت وحدك.  هل تفهمين؟!.

رحلتي صعبة، وكذلك رحلتك.  إنني أبكي بدل الدموع أحجاراً من دم الروح لأني لا أستطيع أن أساعدك، ولا أستطيع أن أساعد نفسي.

لأني أحبك.

لم أهاتفك البارحة يا حبيبتي لثلاثة أسباب (على الأقل).  الأول هو أني بصراحة لا زلت “زعلان” عليك بسبب […]، وأشعر بتوتر وكآبة كبيرين نتيجة لذلك.

السبب الثاني هو أني ضمن هذا الظرف تركت هاتفي سهواً في سيارة صديق (وللأمانة، اعتقدت لاحقاً حين اكتشفت الأمر أن ذلك من “محاسن الصدف” حيث لم تكن لدي وسيلة للحديث الهاتفي إليك ولا أي شخص آخر في العالم – نعم، وللأمانة، هو من جديد “قرفي الشديد من كل شيء وعدم رغبتي في التواصل مع أي أحد” أحياناً.  ومن “محاسن الصدف” أيضاً أن صاحبي ذاك لم يكتشف أمر وجود هاتفي في سيارته إلا اليوم).

السبب الثالث هو أني سهرت بلا هاتف، إذاً، مع صديق بريطاني عجوز أراني نسخة من الكتاب الأخير للمؤرخ البريطاني الفذ أورلاندو فايغس (ورد اسمه من قبل في شيء من أحاديثنا باعتباره نقيضاً إيجابيَّاً من جيل “المؤرخين الجدد” للكلاسيكي الممتاز إِرِكْ هوبسباوم الذي بدأوا أخيراً – آه، أخيراً! – في ترجمة بعض أعماله إلى العربية):  “الهامسون:  الحياة الشخصيَّة في روسيا الستالِنيَّة” لتصفحه.

هذا الكتاب – كما يبوح العنوان – بحثٌ شغوفٌ صبورٌ مدعم بالوثائق والصور عن الرعب الهائل الذي اخترق أدق تفاصيل حياة البشر هناك خلال الفترة الستالِنيَّة.  وهو كتاب يتجاوز خطاب “البروباغاندا” ضد-الستالِنيَّة المألوفة جداً لمن اتفق معها أو اختلف ليحتضن الأمانة التاريخية والأكاديمية الدؤوب (الكتاب صادر عن دار “بنغوين” وهذا يقول لك فوراً شيئاً عن مستواه وموثوقيته).  أثناء تصفحي للكتاب وقفتُ على القصة الفعلية التالية التي يحتويها.

اعتُقل أحدهم (اسمه مذكور طبعاً في الكتاب ولكن ليس في ذاكرتي) بتهمة “خيانة الثورة” الرائجة جداً خلال تلك الفترة وذلك بناء على وشاية كاذبة من أحد أعضاء الجهاز الاستخباري الرهيب الـ “كي جي بي” وذلك لأسباب تتعلق بعداء محض شخصي لا علاقة لها لا بـ”الثورة” ولا بـ”خيانة الثورة”، وزُجَّ به في أحد المعتقلات مع آلاف غيره من المتهمين بنفس “الخيانة”، وتم إعدامه بعد الاعتقال بساعات، ودُفن فوراً في مقبرة جماعية – خلال ساعات قصيرة انتهى كل شيء هكذا.  لقد قال انطوان دو سانت إغزوبري انه “بموت إنسانٍ ما يموت عالم صغير”، وقبله بقرون طويلة ذهب شيخنا الجليل ابن عربي إلى أن “الإنسان كَوْنٌ صغير والكون إنسان كبير”.

إلى هنا تبدو الحكاية مألوفة جداً، وعادية جداً، لمن يعرف أقل القليل عن فظاعات الحقبة الستالِنيَّة التي كانت السبب الرئيس الذي أودى بثورة 1917 التاريخية ومشروعها الطموح والنبيل الذي ألهب خيال وأفكار وبنادق البشر على امتداد المعمورة لعقود طويلة من الزمن.  لكن الحكاية، في الحقيقة، لم تنته؛ بل إنها تبدأ هنا.  كيف؟.

كان كل ما تبقى للمغدور من أهل وعائلةٍ ابنة واحدة.  وكانت هذه البنت الوفيَّة تواظب على الوقوف في طابور طويل لمدة يومين وليلتين في الشتاء الروسي القاسي مع آلاف غيرها من مواطنيها، وذلك حتى تتمكن من إيصال وجبة باردة (لم يكن مسموحاً بالوجبات الساخنة) إلى أبيها الذي لم يُسمح لها بالطبع بـ”رؤيته”، بل قيل لها في مكيدة مضاعَفة إنها ستتمكن من رؤيته “بعد انتهاء التحقيقات”، أما حصوله على الوجبة التي تحضرها فمن حقه ويتم إيصالها له في كل مرة تجلبها البنت!.

لم تكن البنت تعلم أن أباها قد أعدم بعد ساعات قليلة من اعتقاله، وكان الجلادون يعرفون ذلك، وكانوا يتلذذون بساديَّة جهنميَّة مفرطة بالتهام الوجبة الباردة (لكن الفاخرة والمتنوعة قدر الإمكان) بعد انصراف الفتاة مباشرة.  وقد كانوا يفعلون الشيء نفسه فيما يخص الوجبات المَأتِيِّ بها لمعتَقلين آخرين تم إعدامهم الفوري بدورهم.

أرأيت إلى أي درجة يمكن أن تصل خِسَّة، ووضاعة، ونذالة، وحقارة  “الإنسان”؟.  أرأيت لماذا لا يمكن نسيان مقولة يونغ – في سياق خلافه المعروف مع فرويد – إنه ينبغي أن لا نستعجل في إطلاق أحكام “كبيرة” بخصوص “الإنسان” الذي خرج لتوِّه من الغابة ونحن لا نعلم على وجه اليقين ما الذي يمكن أن يفعل؟.  حسن جداً يا حبيبتي، يا أختي في “الإنسانية”، هذا بعض ما يفعله “الإنسان”.

لكن على رُسْلِكِ فالحكاية لم تنته بعد.  كيف؟.

كانت البنت، إذاً تجلب – حسب الإمكانات – الوجبة الباردة أكثر من مرة في الأسبوع إلى والدها الراقد – في الحقيقة – في القبر الجماعي المجهول وهي في غاية السعادة لأنها كانت تعتقد أنها تساعد والدها غذائياً وصحيَّاً قدر الإمكان حتى “انتهاء التحقيقات” التي ستراه بعدها.  لكنها بسبب الوقوف المتواصل في طابور طويل لمدة يومين وليلتين في واحد من أقسى الشتاءات على الأرض بدأت تصاب بمختلف الأمراض.  ولذلك فقد خفَّت وتيرة مجيئها إلى المعتقل متوسِّلة إلى الجلادين أن لا يخبروا والدها باعتلالها الصحي حتى لا يقلق عليها في وضعه الصعب أصلاً.  وقد طمأنها الجلادون (“الرفاق”) بابتسامات كبيرة أنهم لن يبلغوه بذلك أبداً، وأن الوجبات تصله ويستمتع بها في كل مرة تأتي بها!.

لكن الأوضاع الصحية للفتاة تفاقمت.  وباختصار شديد، ماتت وهي لا تعلم شيئاً عن مصير والدها ومصير الوجبات الباردة الجيدة التي تحضرها له بتفانٍ كبير.  ربما كان في جهلها بموت أبيها شيء من الرحمة و”الإنسانيَّة” في أية حال.

ما الذي تتوقعين أن يحدث لي بعد الوقوف على هذه الحكاية الموثَّقة بالتفاصيل الدقيقة في مساء كان كئيباً أصلاً من دون الحاجة إلى شبح ستالِن؟.  كيف يمكن بعد شيء مثل هذا أن نكتب قصصاً “فنتازيَّة” قصيرة أو روايات تلعب فيها “المُخَيِّلة” الدور الرئيس؟.

نعم يا حبيبتي، إلى هذه الدرجة كانت البارحة ليلة سيئة للغاية.

أرجوك، إذاً، أن تغفري لي عدم اتصالي.  أحبك مثل تلك الفتاة الروسية التي أحبت والدها إلى ذلك الحد.  أحبك إلى أبعد الحدود.  أحبك من غير حدود.  أحبك.  أحبك.

0 1640 16 فبراير, 2014 السادس والأربعون, حداء الروح فبراير 16, 2014