قصة “هيباتيا”: تحليل ومقاربات

لـ

هيباتيا

“هيباتيا والحب الذي كان” من أشد الكتب التي أثارت في نفسي ، وفتحت لي أبعاد عديدة، وذلك ليس من شخص “هيباتيا” فحسب، بل حتى في المحيط الذي عاشت فيه ، فقصتها غنية بخلفيات  من الممكن الاستفادة منها تاريخيا واجتماعيا وسياسيا وأخذ العظة منها. فالكتاب يصف نفسية المجتمع وأسس تحريكه، والصراع الحاصل بينه وأطيافه وأقلياته والسلطة، وذلك بالإشارة إلى حواراتها المختلفة من تقبّل أو تشدّد. ويوضح كذلك نظرة المجتمع للمرأة ، وتوجسّه من هذا الكائن عندما يكون في موضع مؤثر كقائد أو صاحب مدرسة فكرية.

يروي الكاتب داود رفائيل حياة الفيلسوفة هيباتيا في القرن الثالث الميلادي بالإسكندرية، والتي ازدهرت بالعلوم والفلسفة والفنون والاختلاف، إلى أن تغيّرت بعد ذلك للأسوء.

 أتى سرده بصيغة روائية يتحدث فيها عن مأساتها والمجزرة التي استشهدت  فيها ، ولاسيما بعد أن سيطرت الكنيسة وأدارت الجماهير الغوغاء وألهبت عواطفهم الدينية والنفسية ضد الوثنيين واليهود والمفكرين والفلاسفة الذين اختلفوا عنهم – وكسبت تأييدهم لإحراق المكتبات الفلسفية الهيلينية والوثنية،  ونشروا الدمار وإقصاء الآخر.

استخدم الكاتب أسلوب الحوار في كتابه ؛ ليشير لفكر هيباتيا مستفيدا من التاريخ ، ومضيفا عليه من بنات أفكاره التي اتسقت روحا مع شخصيتها وفكرها، فقد انتحلها بطريقة تثير الدهشة وتظهر ذكاءه ، حتى أنك لا تستطيع أن تفرق بين قولها وفكره ، فقد التقط الكاتب روايته من محاضراتها ، وبدأ المشهد من قاعة تدريسها وهي تقارب بين فكر أفلاطون مع أسطورة إيزيس وأوزوريس التي أتقنت هيباتيا في تأويلها.

تعلّق الطلاب بها وتفاعلوا مع أفكارها من مختلف التوجهات ، فكان بعضهم وثنيا كـ إيزيس وزوسر، ومسيحيين كـ حُتب ومريم وصوفيا، ويهوديين كـ حنّة وباروخ، من هذه التركيبة يمكن أن نستنتج طبيعة إلقاءها ومعاملتها لتلاميذها، والتي حفزّتهم على الحوار والتفكّر وقبول الآخر ومواجهة الأفكار ببعضها البعض ، ففي الراوية نرى الحوار الذي يحصل بين باروخ ومريم المتمردة، وحتب الذي غيّر توجهه من الوثنية إلى المسيحية.

إضافة إلى ذلك، توصل لنا الرواية الوضع الذي يعيشه المجتمع من تعدد وانفتاح إلى أن بدأت الكنيسة تمدد نفوذها وتشددها، فقد كان الأهالي بمختلف أطيافهم – يرسلون أبناءهم للتعلم عند هيباتيا وبعضهم يتم إرسالهم للكنيسة  دون تحسس ، ومن خلال قراءتنا لمستوى حوارات الطلاب بين بعضهم البعض نستشف التحضر والتقدم الذي وصلته الإسكندرية من حيث القضايا الاجتماعية والفكرية والوجودية التي يتم مناقشتها، ناهيك عن رؤيتهم الراقية للمرأة بحقها في العلم والحياة واختيار توجهها، وكذلك الحب.

 

ولكن ما أن بدأت الكنيسة بمد نفوذها للسلطة وبلاط الحاكم، وكذلك عن طريق المالوالتبشير بالخلاص السهل الذي ضمنه المسيح – استطاعت إدارة العواطف العامة وعقدها،  وتشكلت مجموعة من الجماهير النفسية التي تم تخويفها من الفلسفة والفكر والأقليات وتمكنوا من زرع الشقاق والفتنة بينهم، حتى أن السلطة فشلت عن وقف هذا التأثير خوفا من العصيان المدني، فأصبحت ترضخ للكثرة الغوغاء التي أصبحت تستخدم نص القانون لمصالحها، والتي تم شراؤها من قبل الكنيسة، ويظهر ذلك جليا في حوار هيباتيا مع الأمير: “هيباتيا: من الواضح أن كيرلس– كبير القساوسة –  يأخذ الأمور في يديه ، ويبدو أنه عازم على التحرك ضد اليهود، ينبغي أن تفعل شيئا يا أورستس. نظر أورستس نظرة خاوية إلى لا شيء للحظة، ثم قال باكتئاب: ماذا يمكنني أن أفعل؟  هيباتيا: إن لديك السلطة، وأنت المسؤول عن سلامة ورفاهية كل سكان المدينة ما داموا يطيعون القانون. قال أورستس باستسلام: لدي سلطة الدولة، لدي ذراع الدولة، لكن كيرلس يتحكّم في قوة الغوغاء، لا أستطيع أن أخاطر بإثارة عصيان مدني”.

ومن الناحية الاجتماعية كانت هناك آثار سلبية لهذا التحوّل، ويظهر ذلك في تفكيك علاقات المجتمع الإسكندري الذي كان متماسكا، وذلك عن طريق الإقصاء الذي مارسه المسيحيين المتشددين، والمسيحيين الجدد الذين أصبحوا يمارسون دور الوعظ الأبوي بحسن نية أو الازدواج والتصيّد للآخرين، وبان ذلك في شخص حُتب الذي أحب إيزيس وتركها بسبب فكرها، وكذلك انحدار مستوى نقاشاته التي أصبحت أقرب للإيمان الغبي – كما وصفه العلامة محمد الغزالي، الذي لم يعد يحتكم بالعقل والحجة بقدر ما يحتكم للتسليم الإنهزامي، ناهيك عن محاولاته  اليائسة في إثناء مريم وصوفيا عن تسامحهن اتجاه أفكار هيباتيا ووصفهن بالمروق والزندقة على الرغم من مسيحيتهما ،  ومن هنا يمكن أن نستنتج حال الجبهات الداخلية وما أصابها من تمزق وهشاشة وفقدان الناس ثقتهم ببعضها،  والتي هي أساس انعدام الأمن في أي بلد.

وعندما نأتي أخيرا لوصف أحداث مقتل هيباتيا فهو مؤشر لشخصية هيباتيا المتواضعة التي كانت تمارس تدريسها واستفزازها للطلاب عقليا للتساؤل، فقد كانت ضاربة كل شيء بعرض الحائط إخلاصا للفكر. وفي المقابل ، كانت الكنيسة تشوّه صورتها أمام الناس لتأثيرها، فوصفتها بالفجور واتّهموها في عرضها مستخدمين المنابر والمجالس، وأشاعوا أن المرأة لابد أن تجلس في بيتها فهو مكانها الطبيعي؛ لتدليل زوجها وتربية أبناءها. استفزّتهم قوة هيباتيا وكارزميتها واحترام الأمير لها والعلماء الكبار، وتعلّق الشباب بفكرها وإعجابهم بشخصيتها حتى أصبحت حديثهم، هذا ما أثار حفيظتهم،  وتمكنها من جذب المجتمع أكثر من أي رجل.

كان استشهادها في اليوم الذي هجم الغوغاء بقيادة سلطة الكنيسة على اليهود، وقد قاد الأمير جيشا لمنعهم لكنه فشل وقٌتل، فانتهزوا الفرصة في اللحاق بعربة هيباتيا – بعد خروجها من المدرسة– التي كان يقصدها حنة وباروخ الذين لم تشاهدهما في الدرس ، فالتموا حول العربة وأخرجوها بالقوة ومزّقوا ثيابها وجروها بحبل إلى أن وصلوا إلى الكنيسة فقطعوها بشقاف الفخار الحاد قطعة قطعة ، وألقوها لتحترق في النار باسم الدين!

0 1487 17 أبريل, 2014 الثامن والأربعون, ثقافة وفكر أبريل 17, 2014