ثواب صوم رمضان

لـ

الثواب والعقاب في الآخرة من اختصاص الله تعالى وحده، وتفاصيله من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه (إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ) يونس:20، وهذا الغيب يلزم فيه بيان حاسم يعقل من آيات الله، فأفهامنا للثواب والعقاب مشروطة بالاستمدادها منها، لهذا أُمر الرسول عليه السلام أن يقول: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) الأنعام:50، من هنا ستتم معالجة المسألة من القرآن حصراً وذلك من خلال قراءة آيات الله تعالى المتعلقة بالثواب عموماً وبالثواب في شهر رمضان خصوصاً.
يطرح الخطاب الأخباري روايات في الثواب والعقاب الأخروي، وقد تناولتُ هذه القضية في مقال سابق في مدونة معاصرون الإلكترونية تحت عنوان (إشكالية الرواية في فلسفة الثواب والعقاب)، بتأصيل عام، ومثلت هناك بأمثلة عديدة ومنها مثال واحد يتعلق بفضائل الصوم، وهي الرواية المتعلقة بصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء، ولم أطرح هناك أمثلة تتعلق بشهر رمضان المعظّم، لذا رأيت وضع مقال خاص له لوجود تزيد روائي في فلسفة الثواب في رمضان؛ وستناقش مدى صحة نسبة هذه الروايات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال العرض على آيات الكتاب.

رمضان في الكتاب
القرآن كلام الله ووحيه إلى نبيه محمد عليه السلام، وهو المصدر الأصلي للأحكام الشرعية، والمؤسس لقضايا الغيب والشهادة والإنسان، وبما أن الثواب والعقاب قضية غيبية، فلا يعلم عنها أحد شيئاً، لا مَلَك مقرب ولا نبي مرسل؛ إلا بما يوحيه الله في كتابه، يقول الله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الأنعام:160، وهذا عام في كل من جاء بالحسنة.
وورد في كتاب الله ثواب:
1- من يقرض الله قرضا حسناً: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة:245، وهذه المضاعفة لا يعلم أحد مقدارها.
2- الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة: 261.
وثواب الصائمين والصائمات المغفرة والأجر العظيم من الله (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب:35
ولم ينبئنا القرآن المجيد بتفاصيل أخرى عن المغفرة والأجر العظيم، والتزيد على القرآن نقص، والغيب لا يعلمه إلا الله، فهو تعالى من يحاسب عباده ويثيبهم.

هيمنة الكتاب
الروايات التي تنسب إلى الرسول عليه السلام في ثواب صيام في شهر رمضان المبارك تعرض على آيات الكتاب، وفي قضايا الغيب لا مجال للحكم بالظن والتزيد بما ليس في القرآن (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) الأنعام:50، روى الربيع في مسنده عن الرسول عليه السلام: (فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني).
والروايات التي يرويها الناس عن النبي عليه السلام في ثواب صيام شهر رمضان ثلاثة أقسام:
1- قسم يوافق الكتاب العزيز، فهذا مقبول اتفاقاً.
2- وقسم يفارق الكتاب العزيز، وهذا لا يقبل.
3- وقسم تفرد بتفاصيل لم ترد في القرآن بالنص أو المعنى، وهذا القسم مختلف فيه، من العلماء من يرفضه، ومنهم من يتوقف في أمره، ومنهم من يقبله لكنه لا يجزم بمضمونه ولا يعتبره مُلزماً في باب الإيمان.
والذي أراه عدم التعويل عليه في إثبات الغيبيات رأساً، فالقرآن الكريم حوى قضايا الثواب والعقاب وأحوال الآخرة والجنة والنار بما لا مزيد عليه (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) الأنعام:38.
ومن أمثلة هذه الروايات:
أ- روايات موافقة لآيات القرآن
1- رواية الربيع (327): (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
الرواية متوافقة مع آية الأحزاب فيما أعده الله من الثواب للصائمين والصائمات (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب:35.
2- رواية البخاري (1893): (الصيام لي وأنا أجزئ به، والحسنة بعشر أمثالها).
الرواية متوافقة مع آيات إخلاص العمل لله وحده لا شريك له، وكذلك مع قول الله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) الأنعام:160.
3- رواية مسلم، في كتاب الصيام، (162): (الصيام جُنّة).
الرواية متوافقة مع الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 183.
ب- روايات فيها تفاصيل لم ترد في القرآن:
في هذا الباب روايات عديدة فيما يتعلق بالثواب والعقاب، والتزيد على القرآن باب واسع للإضافة في الدين ما ليس منه، يذكر ابن الجوزي أن قوماً وضعوا الأحاديث في الترغيب والترهيب، ليحثوا الناس بزعمهم على الخير ويزجروهم عن الشر، وهذا تعاط على الشريعة ومضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى تتمة فقد أتممناها ]الموضوعات: ج2، 22[.
وينقل عن أحد الوضاعين: (والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، لقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم) ]ابن الجوزي، الموضوعات، ج2، ص20[.
ومن أمثلة هذا النوع من الروايات:
1- البخاري (1896): (إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد).
أمر الجنة من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، والقرآن تناول الجنة وأوصافها بما لا مزيد عليه، ولا وجود لتفاصيل هذا الخبر في القرآن.
2- البيهقي، شعب الإيمان، (3608): (ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
كل عمل صالح فيه الأجر والثواب، وحث القرآن على إطعام الأيتام والمساكين وكل محتاج، ولم يذكر تفاصيل الثواب في هذه الرواية.
الرواية تتزيد بتفاصيل من عالم الغيب لم ينص عليها القرآن، فلم ينبئنا القرآن عن حوض في الآخرة خاص بالرسول، ولا عن الذين سيشربون منه.
في الرواية كذلك أن أول شهر رمضان رحمة، أما في القرآن (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) الأعراف:156، فرحمة الله وسعت كل شيء، والناس تتعرض لها في كل وقت ورمضان شهر الصيام والعبادة، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة:185.
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الدخان:3-6.
فإنزال الكتاب في ليلة مباركة من رمضان بالهدى والبينات والفرقان هي رحمة من عنده سبحانه، لذلك فرحمته سبحانه وسعت كل شيء، وفي رمضان تذكير بهذه الرحمة ليتعرض الناس لنفحاتها.

الخلاصة
إذن؛ الثواب والعقاب في الآخرة من اختصاص الله وحده، لأن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله:
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) آل عمران:179
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام:50.
ما نستفيده من القرآن بشأن ثواب صيام رمضان وفقاً لآية الأحزاب:35 أن فيه مغفرة وأجراً عظيماً، فعلينا اغتنام فرصة الشهر لنيل هذا الثواب الجزيل والمغفرة، ولندع الغيب لعلام الغيوب.
ورمضان شهر عظيم فضل بصيامه وقيامه وإنزال القرآن فيه، ووعد الله الصائمين والصائمات مغفرة منه وأجراً عظيماً.

0 2431 03 يوليو, 2014 الحادي والخمسون, ثقافة وفكر يوليو 3, 2014