ضرب المرأة

لـ

العصر الذي نعيشه أحرز تقدماً فكرياً وثقافياً وعلمياً ملحوظاً لدى الكبير والصغير، لذا فثقافة ضرب المرأة في حالة الخلافات الزوجية أصبحت لا تنسجم مع هذا التقدم، وما دعاني إلى مناقشة هذه المسألة هو أن ما زال بعض الأشخاص يؤمنون بهذه الثقافة، ومن الإيمان والثقافة تتولد الأفعال.
وأكثر ما كرس هذه الثقافة هي التفاسير النائية عن رد النصوص القرآنية إلى بعضها بعضاً في سياق منظومة التكامل المعرفي والفطري.
والشخص المتدبر للقرآن ولحراك الألسن في اللغة حسب سياقيها يجد أن كلمة ضرب تعطي أكثر من معنى، لذا الخليل بن أحمد الفراهيدي أن (الضرب يقع على جميع الأعمال)( ).
من هنا القرآن العزيز لا يقدم مفهوماً واحداً للضرب وذلك وفق سياق نصوص الآيات الكريمة، فقد جاء الضرب بمعنى المنع، كقول الله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) ]الكهف:11[.
وجاء بمعنى الإهمال والإعراض والصرف والترك كقول الله تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) ]الزخرف:5[، لذا قال ابن منظور عند هذه الآية: (أي نُهملكم، فلا نعرفكم ما يجب عليكم)( ).
وجاء بمعنى الترك والمفارقة والحجب، كقول الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) ]النساء:101[، وما من قارئ يقرأ هذه الآية إلا ويدرك أن الضرب بمعنى السفر، والسفر يقتضي مفارقة الأهل والأوطان.
ويأتي أيضاً بمعنى الستر، كقول الله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) ] النور:31[.
وجاء الضرب أيضاً بالمعنى الحسي كقول الله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) ]الأنفال:12[.
وفي ألسنة الناس يلحظ استعمال كلمة الضرب لأكثر من معنى، ومنها على سبيل المثال:
– اضرب على هذا الرقم الهاتفي، بمعنى اتصل.
– اضرب الطعام، بمعنى كل.
– الإضراب عن الطعام، بمعنى الامتناع.
وفي قول الله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) ]النساء:34[، يحتمل الضرب هنا احتمالين:
الأول الضرب الحسي: وهو ما ذهبت إليه الكثير من الآراء الأثرية تفسيراً وفقهاً، بيد أن هذا الاحتمال يتصادم مع البُعد الإنساني في التعامل مع الإنسان نفسه، فليس من الإنسانية أن تتحول الحلول السلمية وخاصة مع الأقارب إلى العنف الجسدي، والعنف لا يولد إلا عنفاً.
وهذا الرأي أيضاً يتعارض مع الرؤية القرآنية الكلية والمبنية على الرحمة والمودة، فالخطاب القرآني يبدأ في أول نزول سوره ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو ما يقتضي أن يكون الخطاب الرباني في هذا الكتاب مرتكز على الرحمة للعالمين، فضرب الزوجة لا يعتبر رحمة، وأتت آية قرآنية تنص على مبدأ الرحمة والمودة بين الزوجين فالله تعالى يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ]الروم:21[.
ويحق للمعترض أن يعترض بأن يكون ضرباً غير مبرح، حسب سرد الروايات له، فقد روى مسلم ]2137[: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
لكن الرواية لا ترتقي أن تصل إلى قوة ومتانة القرآن من حيث الثبوت، لذا يصعب أن يؤخذ بها فيقال بأنها مبيّنة لمعنى الضرب في الآية أو مقيّدة ومخصصة للآية، فلا يمكن أن يكون ظني الثبوت أقوى من قطعي الثبوت لكي يبيّنه أو يقيّده أو يخصصه ثم تبنى عليه أحكاماً تسري على كل الأمة.
ومع ذلك هذه الرواية وغيرها في ضرب النساء معارضة لمبدأ القرآن الذي يتعامل مع الإنسان بالرحمة والمودة وخاصة الحياة الزوجية.
والرسول عليه السلام جاء يطبق ما جاء في كتاب الله تعالى، لا أن يخالفه، فما روي عنه مخالفاً لقواعد وكليات الآيات القرآنية فلا يصح عنه.
وليس القصد من الضرب كما يعبر عنه ضرباً غير مبرح، أو بسواك أو بقلم أو بغيره، بل القصد منه عدم الإهانة ، فالضرب المبرح لا شك أشد ألماً لكونه يحمل أذى جسدي وأذى نفسي، غير أن الضرب غير المبرح يحمل أذى نفسي، ولو كان بعود أصغر من الصغير، والأذى النفسي يولد مشاعر الخوف والكره مما يؤدي إلى زيادة الانشقاق بدل حل الخلافات الزوجية.
الثاني الضرب المعنوي: وهو رأي لبعض الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وحملوه بمعنى ضرب اللسان والكلام الغليظ، وممن أشار ذلك من المتقدمين أبي الحسن البسيوي( )، ومن المتأخرين سعيد بن خلفان الخليلي( ).
وبعض الفقهاء يضع قاعدة عامة للضرب، للجسدي لكي لا تتعرض المرأة للضرب من الرجل، فموسى بن علي يقول: (أربعة لا يضربون: المرأة والولد والخادم والدابة)( ).
وفيما يبدو أن هذا الرأي مستنبط من الآيات القرآنية في التعامل الإنساني مع بعضه بعضاً، بالإضافة إلى الممارسات الفعلية للرسول عليه السلام، فقد روي عن عائشة أم المؤمنين قولها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً قط ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد في سبيل الله)( ).
ويرى الباحث عبد الحميد أبو سليمان مفهوم الضرب في آية سورة النساء لحل الخلافات الزوجية بمعنى البعد والترك والمفارقة( ).
يلحظ على الضرب المعنوي لدى الآراء الأنفة قديماً وحديثاً تضييق المفهوم في المعنى، وهو ما يسبب مشكلة صعوبة حل الخلافات الزوجية، فلو قيل بمعنى ضرب اللسان والكلام الغليظ فقد لا يجدي هذا الحل، وكذلك فيما ذكره أبو سليمان من البعد والترك والمفارقة.
وفيما يبدو أن مفهوم الضرب لابد أن يكتنز معنى إيجاد الحلول للخلافات الزوجية، لأن الخلافات الزوجية تختلف حسب الأسباب المختلفة، كما أنها تختلف من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، وما يعتبر في أسرة ما خلافاً قد يكون حلاً في أسرة أخرى، وهكذا طبيعة الحياة الاجتماعية.
طرح أصحاب كتاب “السنة: الوحي والحكمة” رؤية لتوسيع مفهوم الضرب في آية سورة النساء، فهم يحملون يحملونه بمعنى القضاء على أسباب النشوز بحل المشكلات المؤدية إليه( ).
وحين النظر في هذا الرأي يلحظ عليه إعطاء مفهوم الضرب في الآية اكتناز المعاني بحيث تنسجم مع آيات الكتاب العزيز والواقع الاجتماعي الأسري، مما يؤدي في النهاية إلى الترابط الأسري بكل مودة ورحمة، وفي حالة الافتراق يكون افتراقاً برضا الطرفين، فلا يحمل أحدهما ضغينة ولا كرهاً ضد الآخر.
فهذا الرأي الأخير أكثر انسجاماً مع معطيات القرآن الكريم والسنة النبوية والواقع الفطري للإنسانية، لهذا يقول الله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) ] البقرة:229[.

0 2493 14 أكتوبر, 2014 الثاني والخمسون, ثقافة وفكر أكتوبر 14, 2014