الفتاوى الموجهة

لـ

عندما كنت في أيام الطلب بمعهد العلوم الشرعية-ومصطلح الطلب كان يستخدم بكثرة قديما لدى طلبة العلم الشرعي وهو يعني التفرغ التام للعلم دون تعكير ذلك الصفو بمشاغل الحياة من عمل وزواج إلخ- كنت أواظب على الذهاب لزيارة الشيخ حمود الصوافي، وربما جلست اليومين والثلاثة ، وكنت أستغرب بل وامتعض من تصرف الشيخ في الفتوى ، حيث كان كثيرا ما يعرض عن جواب السائل من الطلبة ، فأحيانا يبادر السائل بقوله :هل وقعت المسألة؟، فإن قال السائل :إنها وقعت ،لربما أجابه ولربما حاول التأكد من وقوعها وإن قال له :لم تقع بعدُ، أجابه الشيخ:دعها حتى تقع،وكنت أقول ما بال الشيخ لا يرد على السائل وقد جاء يستفتيه ولماذا يلح على السؤال عن وقوع المسألة من عدمها؟،ثم دارت الأيام فلم أزدد إلا اقتناعا بأن فيما يفعله الشيخ جانبا كبيرا من الصواب ، فعدم الرد على السائل يجعله يكف عن كثرة الأسئلة فيما لا يعنيه ، بل لا تزيده كثرتها إلا شقاء ، كما أن فيها تشجيعا للسائل على البحث عن كنه المسألة والرجوع إلى مضانها في الكتب حتى يجد بغيته ولا يتكل على غيره معتمدا الكسل وخمول الذهن ديدنا في حياته، بدل أن يجدها جاهزة مقشرة دون جهد أو عناء ، كما أن كثرة هذه الأسئلة وانهمارها ووجود من يتلقفها من المفتين ويجيب عنها أدى إلى تعقيد في الدين، وسؤال عما سكت عنه الشارع ، ولذلك ترى تدرج الفتوى على مر التاريخ حيث كان المفتي قديما يجيب عما لم يرد فيه نص بالقول:لا ينبغي فعل كذا أو أكره ذلك ،ثم دخلت الروايات بأطنانها و القياس بأنواعه والمصالح المرسلة والاستحسان في أصول الفقه فاتسع التحريم وفتح بابه على مصراعيه، ثم إن في سؤال الشيخ:هل وقعت المسألة ومحاولة تأكده من وقوعها والرد بالقول :دعها حتى تقع وإن كان فيه تضييق على الطالب ،وكبح لجماح المعرفة لديه والتي لا تشترط للعلم بالشيء وقوعه، إلا أنها في جانب آخر مفيدة جدا وخاصة في هذا الزمان الذي أصبح الواحد يسأل عن المسألة لا يريد بها علما وإنما يريد أن يظهر أنه على صواب وغيره على خطأ بل صارت الأسئلة تصاغ بهيئة يراد منها تشويه صورة الآخر والتعريض به والتشفي منه ،ومن ذلك أني أعرف أحد هؤلاء ممن أراد الإمامة بالناس وهم له كارهون، فتقدم دون إذن منهم فما كان منهم سوى سحبه من مقام الإمام فإذا به يوجه سؤالا مكتوبا مخاتلا لأحد المفتين ليقول له: ما رأيك فيمن فعل كذا بإمام عارف بالشريعة ملم بها ؟.فيجيبه المفتي :بأن فعلهم خطأ وأن من فعل كذا وكذا فهو كذا وكذا ،فلما ظفر بمراده قام إلى الفتوى وعلقها في المسجد قاصدا التشفي ،وهذا غيض من فيض بل وصل الحال ببعضهم أن ينتزع جوابا من المفتي بالتكفير لطائفة معينة ويستخدم في ذلك سؤالا مخاتلا بالقول بأنهم يفعلون كذا وكذا من الأفعال المكفرة ثم ما إن ينال بغيته حتى يشيع بين الناس أن الشيخ الفلاني كفر فلانا وفلانا ، وفي حالات العداء الذي يحدث لأسباب فكرية تغيب للأسف أخلاق الفروسية ليبرز مكانها الطعن من الخلف وهنا يكون حقل الأكاذيب مفتوحا على مصراعيه وكما يقول المثل الروسي(في مستنقع الأكاذيب لا تسبح سوى الأسماك الميتة)وبغض النظر عن صحة هذه الفتاوى من عدمها إلا أن على السائل والمفتي أن يتقيا الله عز وجل في السؤال والجواب وعلى المفتي أن يكون فطنا لمثل هذه الأسئلة التي تستخدم استخداما سيئا من قبل البعض خاصة في ظل النقص الذي نعانيه في جانب النقد والتمحيص والأخذ بالفتوى كمسلمة لا نقاش فيها ولا جدال في صحتها ولذلك ننادي بأن يكون من يفتي الناس فطنا لبيبا عارفا متحذرا من قصد المستفتي وعارفا بمآلات فتواه وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإني أذكر مرة أني كنت مع الشيخ سعيد القنوبي وكان غاضبا من أحد المتصلين ممن استفتاه في مسألة واقعة فأبى الشيخ أن يفتيه لبعض الاعتبارات ولما لم يجد المستفتي إلا الحيلة لانتزاع الفتوى قال للشيخ :طيب يا شيخ أجبني من باب الفائدة وليس كفتوى واعتبر أن السؤال لم يكن عن هذه المسألة وما زال بالشيخ حتى أفتاه فلما أفتاه قال للشيخ :سأخبرهم أنك أفتيتني بذلك وأنهى المكالمة ،وهذا حال كثير من المستفتين يريد الظفر بفتوى على حسب مزاجه وما يزال يصيغ السؤال ويعيد ويزيد فيه حتى يجعل الحرام حلالا والحلال حراما،لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كثرة الأسئلة حتى كان الصحابة يفرحون بمجئ الأعراب لأن الرسول عليه السلام كان يجيبهم على أسئلتهم أما هم فكان قول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم )منهجا في حياتهم ،لأن كثرة الأسئلة تؤدي للتقعر في الدين والغلو فيه فيصبح الواحد (لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) أي أن حاله كحال من ضل في مفازة مترامية الأطراف فأنهك راحلته حتى ماتت ولم يقطع أرضا لأنه صار كحمار الرحى فالمكان الذي انتقل منه هو الذي عاد إليه .

0 2198 22 سبتمبر, 2014 الثاني والخمسون, ثقافة وفكر سبتمبر 22, 2014