ريم الميع “كويتية في جوانتنامو”

لـ

ريم الميع هي كاتبة وصحفية كويتية ، وهي أول صحفية عربية تدخل معتقل جوانتنامو عام 2002 ، صدر لها في 2013 كتاب كويتية في جوانتنامو يحكي عن تجربتها خلال ثلاثة أيام قضتها في المعتقل.
تبدو ريم الميع لمن يراها شابة ممتلأة بالحياة والصخب تحيط نفسها بهالة من الدماثة والأنس الشفيف، غير أن الحديث معها يكشف عن تلك الصحفية الحاذقة التي لا تفوتها التفاصيل، وعن فكر متقد وعميق، كما أنها تستعذب السهل الممتنع ، فما كانت تنطق به بعفوية كبيرة وانطلاق ليس بأقل منه ، ظهر أنه لا يمكن إلا أن يقال بتأن وحنكة. غير أن ريم الميع المجربة -فيما يبدو- كانت تتجلى بكل عمق تجربتها في دقائق خاطفة ولكن لم تكن قط عابرة .
فيما يلي نص الحوار مع ريم الميع الكويتية التي قررت بشجاعة كبيرة أن تكون أول عربية في غياهب جوانتنامو الشهير.

ريم الميع تصوير مجدى عبد العزيز

– بداية، وكونك أول صحفية عربية تتمكن من دخول معتقل جوانتنامو ، كيف جاءت الفكرة؟

– بشكل عام، كنت أعمل في وقتها صحفية، وكنت مؤمنة بأن العمل الصحفي يجب أن يكون عملا ميدانيا. كانت لدي رغبة دائمة في أن أكون في الأماكن المكتضة بالأحداث الجديدة التي تتطلب التواجد الصحفي العربي، ذلك أننا كعرب نتابع أخبارنا عبر القنوات الأجنبية بسبب الغياب العربي خلال هذه الأحداث، فكنت حريصة على التواجد في مثل هذه المواقع بما في ذلك تجربتي في جوانتنامو.

كانت لهذه التجربة ظروفها الخاصة، إذ كنت ضمن وفد خليجي زار الولايات المتحدة. تقدمنا بطلب لزيارة معتقل جوانتنامو، فسلكت الإجراءات مجراها حتى حصلنا على الموافقة أخيرا بعد ثلاثة أسابيع، ولكن حين جاءت الموافقة تراجع الجميع ووجدت نفسي إما أن أذهب أو أتراجع، فكان قراري الذهاب عندما وجدت دعما من الجميع وموافقة أهلي وموافقة الصحيفة التي أعمل بها، وشعرت أنه من الصعب علي أن أتراجع الآن بعد أن قطعت هذا الشوط مع القائمين وإقناعهم بالموافقة.

رغم الخوف والارتباك وصغر سني في وقتها ومحدودية خبرتي، كنت راضية عن اتخاذ ذلك القرار في تلك الفترة تحديدا ، لأن ذلك انعكس علي بعد كل هذه السنوات، وأثرى ليس تجربتي المهنية وحسب، وإنما تجربتي الإنسانية، وجعنلي أنظر للأمور بمفهوم أشمل وأوسع عندما شاهدت أن من يدعي الحرية والديمقراطية لا يطبقها، غير أن ذلك جزء من التناقض الموجود في العالم بشكل عام.

– ما هي هذه المخاوف التي دفعت الآخرين للإنسحاب، والتي بالمقابل لم تثنك عن المضي قدما في هذه التجربة؟

– كان المكان معزولا وفي أقاصي الأرض وهو السجن الأشهر في العالم خارج حدود المكان والزمان، كما أن الوضع الجغرافي للمعتقل غريب، إذ أنه يقع في كوبا؛ البلاد التي لا تربطها علاقات سياسية مع الولايات المتحدة، وأمور كثيرة كانت تؤثر على اتخاذ هذا القرار.

أما بالنسبة لي فلعل حماسي وأندفاعي وقتها جعلني لا أفكر في كل هذه المحاذير ، ولست نادمة الآن على ذلك لأنه عاد علي بالكثير من الفائدة.

هناك يتربص الخوف والقلق، نتعرض للتفتيش ، نبيت ثلاث ليال معزولين عن العالم داخل المعتقل ، وعندما أعطينا الموافقة من السلطات الأمريكية أخلوا مسؤوليتهم من أي شيء يمكن أن يصيبنا هناك، إضافة إلى وضعهم للكثير من الشروط والعراقيل.
منعنا من الاقتراب ووضعوا الكثير من الحواجز بيننا وبين المعتقلين. مكان المبيت الذي قضينا فيه ثلاث ليال كان مزريا ومختلفا عما اعتدنا عليه من حياة، كل ذلك حدى بالآخرين إلى التراجع ، أما أنا فقد قررت خوض هذه المغامرة، ولو عاد بي الزمان لكررتها.

أعتقد بأن الصحافة عمل متعب ولا مكان فيه للترف والنجومية، هو ليس عمل لاستقطاب الأضواء بل عمل لتسليط الأضواء حول قضية ما.

– هل واجهتكم أية ضغوط سياسية قبل أو بعد هذه التجربة ؟

– لم تواجهنا أية ضغوط على الإطلاق، ولعله كان لحسن الحظ أنني كنت في زيارة رسمية للولايات المتحدة وتم الترتيب للأمر بدون علم السلطات الكويتية أو السفارة الكويتية في أمريكا، وعندما عدت كانت مفاجأة للجميع، كان أهلي ومكان عملي هما الجهتان الوحيدتان اللتان تعلمان بالأمر، كما أن السرعة التي ترتبت بها الأمور لم تتح الفرصة لحصول ضغوطات من أية جهة. وأظن أن ذهابي كان أمرا أيجابيا بالأساس للكويت بسبب وجود معتقلين كويتيين في جوانتنامو، ووجود صحفية كويتية هناك يدعم مطالباتها، إذ أنها تنقل صورة أكثر حيادية من أن ينقلها صحفي من أي بلد آخر.

– هل سمح لك بلقاء المعتقلين هناك ؟

– هذه أحد الشروط التي دفعت بعض الزملاء للتراجع، لكن الاقتراب بحد ذاته كان مكسبا بالنسبة لي. كنت أراهم، وتعرفت على أوضاهم داخل المعتقل.
أتيحت لي فرصة الحديث معهم أكثر من مرة، لكن هذا التجاوز كان إما أن يبعدني عن جواتنامو إلى الأبد أو أن يبقيني فيه إلى الأبد، ولم أكن مستعدة لهذه المخاطرة.

– ما هي المفاهيم التي تغيرت لديك بعد زيارتك لمعتقل جواتنامو؟

– وجدت أن الحقيقة ليست شيئا ثابتا، وليست بالضرورة ما هو موجود في أذهاننا، الحقيقة ليست ما نسمع، الحقيقة ما نصنع. كما أن لها أوجه متعددة تختلف باختلاف رؤيتنا لها واعتقادنا بها. تعلمت أن أنظر للأمور بشمولية أكبر، فلا يكفي أن أصدق ما أسمعه بل علي أن أراه لأتحقق من صحته ودقته.

– بعد ما شاهدته في جواتنامو، وتصريحك قبل قليل بالتناقضات التي يشهدها العالم و بأن البلاد التي تنادي بالديمقراطية والحرية هي من صنعت هذا المعتقل، هل فقدت إيمانك بالديمقراطية؟

– ليس هناك بديل للديمقراطية سوى الديمقراطية، لم أفقد أبدا إيماني بها، لأنها السبيل الوحيد للوصول إلى العدالة الاجتماعية والسياسية، هي أن يكون هناك مشاركة سياسية واجتماعية وحرية في التعبير عن الرأي. لن أكفر بالديمقراطية بسبب الممارسات التي رأيتها.

لكني دعنا نتساءل، هل كل من ينتقد هذا التناقض هو أفضل حالا منه؟ نحن من ننتقد هذه الممارسات التي تقوم بها الدولة “الديمقراطية” ننتمي أساسا لبيئة غير ديمقراطية، فحري بنا البدء بأنفسنا بدلا من الانشغال بانتقاد الآخرين، ونتبع منهج الله في التغيير ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

جواتنامو سيء لأنه سجن، ولا توجد سجون جيدة في أي مكان، لكن خطيأته الوحيدة هو وجوده في أمريكا، بمعنى: هل سجوننا العربية أفضل منه حالا؟ هل بقية السجون أفضل منه حالا؟ ذكر بعض المعتقلون في مقارنة بين سجن جواتنامو والسجون التي قدموا منها في افغانستان وباكستان ، أن جواتنامو أرحم بكثير من تلك السجون.

لم أتحدث إلى المعتقلين شخصيا ولكنني اطلعت على رسائلهم وتحدثت إلى ذويهم، فبعد خروجي من جواتنامو استكملت بحثي، فأنا أومن أن الصحفي باحث عن الحقيقة في كل مكان ، لا يكتفي بمعرفة المعلومة من مصدر واحد بل يبحث عنها من كل مصادرها.
انتقد البعض زيارتي كوني لم أقابل المعتقلين وقمت فقط بالحديث مع العساكر والقائمين على المعتقل، لكن هذا ما استطعت الحصول عليه في تلك المرحلة. غير أنني بعد مغادرتي للمعتقل تحدثت مع المحامين ولجان حقوق الإنسان وأسر المعتقلين.

ثم أنه لا يمكننا الحديث باسم أحد دون أن نرتدي قبعته. ينظر الجندي الأمريكي للمعتقل في جوانتامو على أنه عدو، إذا كيف يمكن أن ننتقد معاملته لعدوه ولو كان لنا عدو فلعلنا كنا أسوأ منه في معاملته. نعم سهل جدا أن نلقي بالنقد لكن الإصلاح صعب.

– ماذا فعلت بعد جواتنامو –في ما يخصه- عدا الكتاب؟

– الرحلة كانت قبل أكثر من عشر سنوات، ما قدمته كان مادة خبرية في الصحيفة التي أعمل بها، قدمت سبقا صحفيا في وقت كان المجتمع الكويتي يتطلع إلى معرفة حقيقة هذا المعتقل، فقد كان مفتتحا قبل شهرين فقط من زيارتي له، وكان عالما مجهولا بالنسبة لهم، وبعد ذلك شعرت أن دوري أنتهى عند هذا الحد، فهناك من استكمل بعدي هذا الدور، سواء كانت لجان حقوق الإنسان أو أعضاء في مجلس الأمة أو ناشطون حقوقيون.

بعد عشر سنوات وجدت أن الذاكرة الإلكترونية والذاكرة الوطنية أضعف من الذاكرة البشرية.فشعرت أن هناك مسؤولة ملقية على عاتقي بإعادة طرح الموضوع، خصوصا أن موضوع جواتنامو لا يزال قائما وهناك مطالبات بإغلاقه وأتمنى أن يحدث ذلك قريبا جدا.

بالنسبة لي، التكرار ممل جدا، وخشيت على نفسي وعلى غيري من الملل والتكرار، فكتبت الكتاب بصيغة جديدة وبروح جديدة وتجربة شخصية تقدم الحقائق ولكن بشكل توثيقي وليش بشكل خبري، بشكل لم يتقادم عليه الزمن. حاولت تطويره وتحديثه بالحقائق المتوفرة حتى ذلك الحين، فخرج هذا الكتاب، وتغمرني سعادة كبيرة لما حققه من نجاح سواء كان داخل الكويت أو خارجها، فمن مسقط إلى الرياض وقبلها الشارقة والدوحة، كان القارء الخليجي متطلعا دائما لقراءة هذه التجربة، خصوصا أنها تجربة فتاة من مجتمع محافظ عبرت الحدود لتنقل قصة واقعية إنسانية، حطمت الكثير من القيود لتصل إلى تلك النقطة تحديدا، وهذا شيء مما أرمي إليه من تحطيم قيود جواتنامو.

جواتنامو موجود في داخل كل إنسان منا. ذكرت في أحد الاقتباسات من هذا الكتاب ” فرق كبير بين أن تسكن السجن وأن يسكنك السجن”. هذه القيود لم يضعها لنا أحد، نحن من وضعها لأنفسنا، ما كبلنا عن الإقدام والمبادرة خوفا من هذه القيود، وهذه القيود ليست موجودة في الحقيقة إلا في أذهاننا، والنتيجة أنني عندما ذهبت إلى جواتنامو لم أجد من مجتمعي إلا كل دعم، وصدر هذا الكتاب في وقت قياسي، فهذه الطبعة الخامسة في فترة لم تتعد خمسة أشهر منذ صدوره. هذا دليل على أن المجتمع الخليجي مجتمع منفتح يدعم هذه التجارب الإنسانية.

– هل شعرت بأن هناك ما تغير في ريم كتكوين إنساني بعد خوضك لهذه التجربة في جواتنامو؟

– ريم التي ذهبت ليست ريم التي عادت، كانت جواتنامو هي أول رحلة أعبر فيها الحدود بمفردي دون أسرتي، ولا أعرف كيف أجري الحجوزات أو كيف أنهي إجراءاتي في المطار، كنت معتادة على أن يكون هناك من ينهي عني كل شيء قبل سفري، كنت أكثر اتكالية، عدت أكثر عصامية واعتمادا على الذات وأكثر ثقة بالنفس.

ريم التي ذهبت إلى جواتنامو كصحفية تختلف عن ريم التي كتبت هذا الكتاب. إن لم نستثمر هذا الزمن في إثراء تجربتنا الشخصية فهو زمن مهدور.

أصبحت أكثر تقبلا للرأي والرأي والآخر، فقد شهدت الكثير من المتناقضات في ذلك المكان، وجدت أن من يدعو للحرية لا يطبقها ، وحتى من يطالب بها لا يطبها. اكشفت أن ما حولنا هو ليس ما نعتقد، وأننا مغيبون عن الحقيقة أو غائبين عنها. هي تجربة إنسانية استأثرت بجانب كبير من الذاكرة وإن كان فيها كم من الألم، لكن على الإنسان أن يحاول إشعال شمعة لا أن يلعن الظلام.
تغير ما لا أستطيع حصره، غير أن هذه التجربة في الذهاب إلى السجن والكتابة عنه حررتني. فكيف يحرر السجن مخاوفنا؟
لم أحلم في يوم من الأيام أن يصدر لي كتاب، لكن ولد لي كتاب بعد هذه التجربة.

ماذا وراء اسم الكتاب ” كويتية في جواتنامو” من الإيحاءات والمعاني غير التجربة؟
لا أدعي الفضل في تسمية الكتاب، فقد اقترحه علي مجموعة من الزملاء وأعجبني، لأنه قدم تكريسا للجنس والجنسية من خلال هذا العنوان، وعزز تجربتي كامرأة، وذلك ما أعطاني شمولية أكبر.

أومن أن الكتابة إن لم تكن قادرة على إثارة الدهشة فإياك أن تتعبث بالورق كما يقول نزار قباني. فإن لم يكن هذا العنوان يطرح تساؤلا حول من؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهل؟ فهو عنوان غير جاذب. كما أنها دعوة للنظر إلى ما هو أبعد من العنوان، فالمهتمون يعرفون تماما أن جواتنامو معتقل للرجال فقط، فما الذي أودى بامرأة إليه؟ كما أنه أثار اهتمام غير المهتمين بهذا الشأن عادة لمعرفة جواتنامو عن قرب.

عندما كتبت هذا الكتاب كنت أظن أن الشريحة العمرية التي ستقرأه هي الفئة العمرية العشرينية فما فوق. فوجئت بأن القراء بدأوا من عمر اثني عشر عاما فما فوق، وهذا أمر يدعو للسعادة لأنه مؤشر بأنه لدينا جيل يقرأ ، خصوصا أن هذا الكتاب متخصص إلى حد ما، رغم أنني كتبته بصيغة سهلة وسلسة لأجذب الشريحة التي لا تقرأ،كما أنني كنت أريد أن أنال استحسان الفئة القارئة.

في البداية كنت أفكر في من سيقرأ الكتاب وأرائهم حوله، لكنني بمجرد أن بدأت بكتابة الفصول الأولى لهذا الكتاب، ونسيت هاجس القراء، بدأت أكتب لنفسي، ولنفسي فقط، أكتب على ذوقي وبالصيغة التي تروق لي، كتاب حين أقرأه أنا أستمتع به. عندما نجح هذا الكتاب واقتناه الكثيرون شعرت بالسعادة لأن كل من قرأه وأعجبه أجد فيه إنسانا يشبهني ذوقا وذائقة.

– بعد تجربتك الناجحة في كتاب ” كويتية في جواتنامو” هل تفكرين بكتابة إصدارات أخرى؟

لو سألتني هذا السؤال قبل صدور هذا الكتاب، فلم أكن أفكر به ولم يكن واردا في ذهني. كنت أقول بأن الإنسان ليس بما يقدم من كتب، وهناك عظماء مروا بهذه الأمة لم يصدر لهم كتابا، وما هي الإضافة التي سأضيفها للمكتبة العربية أو ما هي الإضافة التي سيضيفها الكتاب لي؟ لكن شاء القدر وصدر هذا الكتاب. هل سيكون هناك إصدار آخر؟ نعم في البداية عندما قلت بأنني بصدد إصدار كتاب لي توقع مني الكثيرون الكثير، وطرحوا علي أفكارا كثيرة، لكن بعد صدور الكتاب، وتحقيقه لهذا النجاح الغير متوقع، جعنلي أتراجع خيفة أن لا أرتقي لهذا المستوى، فإما ان أكون بنفس المستوى أو أفضل أو لا أكون. لازلت أعيش أصداء هذه التجربة، ولازلت أفكر في التجارب القادمة.

0 2316 16 أكتوبر, 2014 الثالث والخمسون, ثقافة وفكر أكتوبر 16, 2014