افعل ولا حرج

لـ

أتت شريعة الاسلام السمحة لترفع عن الناس الآصار والأغلال (ليرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) ،ومعنى ذلك أن تلك الآصار كانت مفروضة على من كان قبل مبعث الرسول محمد عليه السلام ،ولكن ما فتىء الزمان أن دار وإذا بذلك التشريع البسيط السهل يتعقد وترجع الآصار والأغلال التي كان كثير من المشتغلين بالفقه يزيدونها رغبة منهم في صون دين الناس فكانت سببا لنفورهم ، غير مدركين للظروف الموضوعية والمشروطية التاريخية لذلك التشريع ،حتى بتنا نسمع عبارات تتردد في الآفاق بأن هذا الدين صعب وبه من التكاليف المرهقة ما ليس في غيره ،وكل ذلك لأن البعض للأسف كان ينظر إلى النصوص بوصفها قوالب جامدة توقف التاريخ عندها ولا يمتد بصره للحكمة من تشريعها وليس عنده متسع للشفقة والرحمة ،ولا تجده يفتي الناس بما يسعهم في أمر دينهم بل بورعه هو واحتياطه هو ، متناسيا تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ومتغافلا عن مصالح الناس التي حيثما وجدت فثم شرع الله، وهذا يعني أن كل نص يخالف المصلحة ويجنح للجور ويجافي الرحمة فليس هو من شرع الله ،أو بمعنى آخر يمكن إيقافه لتعطل المصلحة بإعماله ، ولعل من أبرز ما يعانيه المسلم في حياته –بسبب الفقه لا بسبب الوحي- أداء الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج فقد تعسر الحج وصار فيه من مكابدة اللأواء والضنك والرهق ما فيه سواء كان ذلك الرهق ماليا أو بدنيا أو نفسيا ،وصار التدقيق في مسائله والغوص في مجاهله والتشديد في جزئياته مدعاة لأن يصاب الإنسان بالأمراض والحوادث والموت والشك والوساوس حتى بات الكثيرون يرجعون شاكين في سلامة حجهم عازمين على إعادته ،ولعل من أروع الكتب التي حاولت رفع هذه الأغلال كتاب (افعل ولا حرج) للدكتور سلمان العودة حيث إن الحج قائم على السعة في الاختيار ،فللحاج أن يختار بين أنواع النسك الثلاثة ويختار بين أنواع الفدية (الإطعام والصيام والذبح) ،وكما يقول العلامة بن بيه:(يوجد في المذاهب كلها العدول عن القول الراجح إلى قول مرجوح لجلب مصلحة ترجحت أو درء مفسدة أو دفع مشقة عرضت ).
وليت شعري أي مشقة أعظم من إلزام الناس بترتيب أعمال يوم العاشر من ذي الحجة فالرمي يتبعه الذبح ثم التحلل ثم الطواف متناسين قول المصطفى:(افعل ولا حرج )وقد تم تأويل هذا الحديث العظيم بالقول أن ذلك كان في صدر الإسلام أما بعد استقرار الشرائع فلا مجال للجهل بها فضلا عن الترخيص للمشقة فيها،مع أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على هذا التأويل بل الحديث يحمل بين طياته دلائل عدم وجوب الترتيب وفيه استشراف للمستقبل الذي سينتشر فيه الإسلام في المشارق والمغارب وبالتالي سيكون الزحام شديدا والرهق عظيما.
وأي ضنك أشد من إلزام الناس بالدم فيما لا نص فيه بلزوم الدم فأين التخيير في الفدية كما قال تعالى(ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)-إن سلمنا بأن ذلك الفعل يلزم منه فدية مع أن كثيرا مما قالوا فيه بالفدية لا دليل عليه– وأين حرمة أموال الناس حتى يكلفوا بإهدارها دون وجه حق؟.
ولقد ضاقت منى بأهلها وتوزع الحجاج على سفوح الجبال، يركبون الصعب والذلول ،تاركين مكة على سعتها ومنطقة الحرم على عظمها ،وكل ذلك لقولهم بوجوب المبيت بمنى ولا يهم بعد ذلك على أي حال سكن الحاج وفي أي هيئة كان منامه ومقامه مع أن الرسول الكريم أجاز للعباس أن يبيت بمكة أيام منى لأجل السقاية ،وورد أنه أجاز لرعاة الإبل من الحجاج أن يبيتوا خارجها فإذا كان الجواز لحق هؤلاء على سعة منى ،فكيف لا يجوز لمن لم يجد مكانا لائقا به.
ولا زلت أذكر حال ذلك الزوج وقد أتى بزوجته محاولا استدرار عطف أحد المفتين ليسمح لزوجته بالطواف وهي حائض لأن الرفقة ستفوتها ،وعبثا ذهبت محاولاته أدراج الرياح ،مع أن القول بعدم اشتراط الطهارة للطواف قول معتبر وجواز دخول الحائض المسجد قول وجيه وله حظ من النظر ،وقد ورد في صحيح البخاري (عن عائشة – رضي الله عنها – أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم. قالت: فجاءت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد) مع العلم أنها امرأة يعروها ما يعتري النساء من الحيض ،على أن العلة التي يذكرها كثير من الفقهاء لمنع الحائض من دخول المسجد هي خوف تلويث المسجد وقد تطورت الحياة وصار من السهل تجنب ذلك .
وكلما حاول البعض تسهيل أمور الحاج، وجد الفتوى له بالمرصاد فإذا أراد شراء قسائم الأضاحي عن طريق شركات مرخصة تريحه من عناء الذبح ،وتكبد مشقة الذهاب لأماكن بيع الأنعام وذبحها على قدميه ،وانتظار الدور وجد الفتوى تقول له:لابد من ترتيب المناسك وفعلك هذا غير مجز ، وإذا رام الرمي عن النساء ؛لضعفهن وللتدافع الحاصل في الجمرات فقد رام عسيرا وشُدد عليه مع ما يحصل بسبب ذلك من مفاسد عظيمة –وخاصة في اليوم الثاني عشر-ليس أقلها تراص الأبدان بالأبدان وسقوط الملابس وإن سلمت من الموت لم تسلم من الجراح مع أن الصحابة رموا عن الصبيان ،وهو إشارة إلى أن جواز الإنابة متعلق بالمشقة والأمر فيه سيان بين الصبي والعاجز والمرأة ،وإذا أراد تقديم الرمي قبل الزوال في أيام التشريق حاججوه بفعل النبي عليه السلام وقوله (خذوا عني مناسككم) مع أن فعله عليه الصلاة والسلام للمناسك تتعاوره الأحكام الشرعية والحكم على فعل من هذه الأفعال بالوجوب وعدمه محتاج إلى نص وحيث لا نص بقي الأمر محتملا الجواز وغيره.
وأخيرا وليس آخرا –لأن هناك مسائل كثيرة كالوقوف بعرفة واللباس لم أعرض لها-هناك طواف الوداع وينبغي التنبيه بداية أنه ليس من مناسك الحج لأنه ليس على أهل مكة طواف للوداع وقد سقط طواف الوداع عن الحائض والمريض ولم يرتب الشارع على تركهم ذلك فدية بخلاف محظورات الإحرام التي ترتب على فاعلها ولو مضطرا فدية وهذا يدل على جواز تركه وأفضلية فعله ولذلك كان القول بأنه سنة ليس على من تركه شيء هو القول الأنسب في هذا الزمان خاصة مع الزحام الشديد وخوف فوت وقت الرحلة وخاصة لمن كان حجزه بالطائرة.
ولعل قائلا يقول:إن الحج مظنة المشقة وإنما يعظم الأجر على قدر المشقة وهنا يحضرني قول الشيخ سعيد القنوبي فيما رواه لي خلفان ين سيف الحارثي:ومن قال إن الأجر على المشقة؟ وقول عائشة : ( إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار ؛لإقامة ذكر الله)،وهذا يدل على أن المقصود الأسمى من الحج هو إقامة ذكر الله ولو عاش الحاج في أرفه الأماكن .
وختاما أوجه ندائي للمشتغلين بالفقه :أن يفتوا الناس بما وسعهم من أمر دينهم ويوفروا احتياطاتهم وورعهم لمن أراد ذلك دون إلزام الناس به.

حمد الرشيدي
Hamedmo7979@gmail.com

 

0 2316 19 أكتوبر, 2014 الثالث والخمسون, ثقافة وفكر أكتوبر 19, 2014