سوسيولوجيا مواقع التواصل في عمان ، وصراع النخب

لـ

ما أحدثته السنوات الأربع الأخيرة في عمان بمختلف أحداثها تمثل في أنها ولدت بالإنسان العماني حاجة لأن يكون على قرب دائم من المراحل التي تدفع بالمجتمع لمزيد من الحركة والانتقال ، بحث الإنسان عن المصدر السريع وعن الأرضية التفاعلية التي تتيح له مشاركة حاجاته بما يتلاءم وأحداث المرحلة ، أوجد لمواقع التواصل التي تتصف بالحرية وبانكسار القيود المكانة لأن تكون منصة لوعي ومزاج الجماهير في عمان . استطاعت أن تشغل هذا الدور إلى الحد الذي صارت فيه عالما تعيش فيه الجماهير حياة افتراضية كاملة ، تتحرك فيها حاجاتها ومزاجها وأفكارها ويقطنها فاعلون اجتماعيون وجماعات و تحزبات ذات طابع فكري ، أيديولوجي و سياسي .
بجانب أن مواقع التواصل أوجدت للفرد شخصية افتراضية تجمع له أفكاره وتظهر مختلف حاجته و تكون هي المغذية لوعيه ومزاجه على السواء . صارت أداة سريعة لإشعال وتكوين رأي عام إزاء قرار الحكومة وفي أحيان أخرى إزاء حادثة لا وزن لها سواء أنها وجدت في وضع ما ثم نشرت على مواقع التواصل وأثارت ردة فعل تتناسب مع حجم وطبيعة الأفكار المتغلغلة في منطقة اللاشعور عند الجماهير .
هنالك عنصران مهمان للبحث ، الأول : متعلق بقدرة الشخصيات الافتراضية على تشكيل مزاج جماهيري عام ، من يغديه وعلى ماذا يتغذى ؟ وإلى أي مدى يستطيع أن يؤثر على الواقع ؟ العنصر الثاني : مدخل لظاهرة النخب أو التمايز النوعي الذي أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي كنتيجة للأفكار والمزاج العام الذي استوطن مواقع التواصل .
إعطاء نظرة عن قرب للعنصرين يبدأ ببحث ” العلكة الافتراضية ” التي تمضغ وتسبب ضجة على مستوى مواقع التواصل قد تستمر لأيام ، استيعاب هذه “العلكة الافتراضية ” بأنواعها واستيعاب الضجة التي تنشأ عنها يعطي فكرة سوسيولوجية عن درجة الاغراء التي تبعثها المساحات الحرة في الجماهير . وهي ايضا تعطي فكرة عن منطقة اللاشعور عند الجماهير الافتراضية في عمان والحاجات التي تشغل مزاجها العام خلال هذه المرحلة .
لعل أبرز أنواع العلك الافتراضية هي تلك التي ترتبط بالأيدولوجيات الاجتماعية عند الجماهير في عمان ، ظهر هذا النوع في حالات مثل حادثة دار الأوبرا ( رجل قرأ سورة الفاتحة في الأوبرا ) ، ثم ظهرت بعدها حادثة كتاب “ملح” وانتهت بعد جدل توسع وشمل شريحة واسعة ، ثم ظهرت مواقف أخرى وانتهت مثل حادثة مشهد غسل الميت التي كانت في أحدى المدارس ، وهكذا إلى أن أثيرت مؤخرا ضجة على مقال نشرته أحدى الصحف المحلية توضح فيه ما قيل عنه أنه رأي للشيخ كهلان في مواقع التواصل ، هذه الحوادث بالرغم من صغرها ، قد تكون كبيرة الحجم اذا ما قارناها ببعض المنشورات التي تثير ضجة بين الفينة والأخرى وهي لا تتجاوز عن كونها محاولات لإشباع المزاج عند من بات متعارفا عليهم بثنائي ” المتدين ” و”المثقف ” .
الملاحظ في هذه الحالات التي أثارت الضجة أنها تشترك في بعض الخصائص هي كالآتي : أن معظمها فردية ولا تظهر فكر منتشر أو في طي التوسع ، فحادثة دار الأوبرا قرأ فيها الشخص سورة الفاتحة بحسن نية ، وحادثة تعليم طريقة غسل الميت في أحدى المدارس كانت كأي نشاط أذاعي آخر ولم نسمع بأنها تكررت في مدارس أخرى ، وحادثة ما كتبته الصحيفة على أنه رأي الشيخ كهلان لا ينم عن وجود توجه عند تلك الفئة لمحاربة مواقع التواصل . لذلك ، نشؤ المزاج العام لم يكن أساسه طبيعة الحادثة بقدر ما هي حاجة اللاشعور عند فئات مختلفة لأجل بحث وإعادة ضبط العلاقة التي تنظم فئات المجتمع بعضها ببعض ، وأعني تحديدا اعادة ضبط العلاقة بين فئة المتدينين التي كانت لها سابقا الغلبة في توجيه المجتمع وفقا لأيدولوجياتها و وعيها ، وبين الفئة التي انفتحت على العالم واندمجت مع التغيرات الحادثة في بنية المجتمع . محاولة اعادة ضبط هذه العلاقة كانت بأن حدثت ردة فعل من هذه الفئة الناشئة على ما تراه وصاية وهيمنة المتدين على مختلف المجالات . وعلى ما تراه عائقا يحول دون تحقيق الحرية التي يريد بها احداث اختلاف في تعريفه للخطأ والصواب.
ما حدث كنتيجة لاحقة لمحاولة أعادة ضبط هذه العلاقة تمثل في الطريقة التي قامت بها العوالم الافتراضية بإحداث تمايز وفرز نوعي للشخصيات الافتراضية التي تشكل الجماهير ، بحيث يكون هذا متثقف وهذا متدين وذاك مطبل والآخر من دعاة الحرية ، ما يستحق التأمل أن الطريقة التي تم بها تعريف كل تلك المصطلحات وفرز الفئات نوعيا ، لم يتم إلا بناء على المادة البصرية والسمعية التي تغذي المجتمع الافتراضي . فالفرد الافتراضي تماشيا مع المزاج العام المستشار من قبل العلك الافتراضية لجأ إلى أن يلائم كل حالة وفق مخزونه وتجربته الاجتماعية ( الانفعالات والقيم والايدولوجيات التي نظمت له اسلوب حياته في مراحله السابقة ) ، وهو ما أوجد في مرحلة لاحقة هذا التصنيف النوعي للفئات ومن ثم أوجد بوادر لتحزبات ذات قواسم أيدولوجية مشتركة.
بجانب المساحة التي أوجدتها مواقع التواصل والتي حاولت فيها الجماهير أن تنظم علاقة فئات المجتمع ببعضها ، هناك مساحة أخرى احتوت رغبة الجماهير في نظم علاقتها مع الحكومة ، وهذا ما ظهر كنتيجة للطريقة التي خرج الناس بها في 2011 ، وقد ظهرت في ردة الفعل ازاء عدد من القضايا ، منها قضة معتقلي الرأي وقضية رفع الدعم ، وقضية قرار مجلس الوزراء ، وقضية قانون الجنسية وقضية حرية التجمع ومكافحة الفساد . عبر هذا المساحة ، استطاعت الجماهير تكوين جبهة قادرة على خلق سجال مع قرارات الحكومة يعكس تطلع الناس للحرية ولصياغة نوع جديد من الشراكة في بناء الوطن .

0 1791 29 ديسمبر, 2014 الخامس والخمسون, ثقافة وفكر ديسمبر 29, 2014