النبي محمد: شهادات غربيةّ

لـ

” كلما ازداد الباحث تنقيباً في الحقائق التاريخية الموثقة المصادر فيما يخص شمائل محمد ازداد احتقاراً لأعداء محمد”
المستشرق السويسري جون دي جنبرت في كتابه (محمد والإسلام)
— 1 —

التقديم
لم أجد أفضل من الرد على الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه و سلم الذي نشر في الولايات المتحدة الأمريكية على الانترنت من جمع و ترجمة شهادات غربية تدحض الإساءة. و ليس جهلة و متعصبو الغرب هم الذين يسيئون إلى النبي محمد بل بدأ ماديون عمانيون (ضمن الحركة العالمية للملاحدة الجدد) بالإساءة إليه صلى الله عليه و سلم حيث وصفه احدهم مستعملا اسما قلميا في احد المنتديات الالكترونية العمانية بأنه سفاح!و لا ينبغي ان تجعلنا هذه الطفيلية ان نحزن لأنه كلما كرسوا هذا النهج كلما خسرت قضيتهم ضميرها الشعبي فظنوا انه بالإساءة يمكنهم خدمة دعوتهم الفكرية غير مدركين ان الإسلام هو الدين الوحيد المستعد للمنازلة— لا تزيده الإساءة إلا انتشارا و لا يزيده الاضطهاد إلا صلابة و هو ما تأكد بغير جدال أثناء الغزو المغولي الوحشي و الحملات الصليبية التي لم تقل وحشية و الاستعمار الغربي الحديث خاصة الاستعمار الفرنسي المتعصب ضد الإسلام و سياسات الاتحاد السوفييتي السابق و اضطهاد حكومات ما بعد الاستعمار. و رغم حملات الشانئين من الغربيين(1) و عملاؤهم الفكريين في الداخل تزداد الدعوة الإسلامية انتشارا و يستمر دخول غير المسلمين في الإسلام. على سبيل المثال، الإسلام حسب دراسات متينة هو الدين الأسرع انتشارا في الولايات المتحدة حاليا.بل انه حسب موسوعة جنس عدد 2003 هو الدين الأسرع انتشارا في العالم من حيث عدد المعتنقين الجدد (Guinness World Records. p. 102). بل عندما كدت افرغ من كتابته فإذا بخبر في جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية( عدد 2 يناير 2015) يشير إلى ان عدد الكاثوليك في أوروبا يتراجع و مستوى اليهودية الأصولية مستقر و الإسلام في ازدياد (http://www.wsj.com/articles/europes-empty-churches-go-on-sale-1420245359.).
ما أنـت إلا الشمـس يمـلأ نورُهـا آفاقَنـا ، مهـمـا أُثـيـرَ غــبـار
إنَّــا لنعـلـم أنَّ قَــدْرَ نبيِّـنـا أسمـى ، وأنَّ الشانئيـنَ صِـغَـار ( 2)
المسجد النبوي
يعرض علينا الملحدون العرب بما فيهم الملاحدة العمانيين حزمة يقولون لنا أما ان نقبلها كلها أو ان نرفضها كلها. لا هذا و لا ذلك. هذه تسمى مغالطة حذف الخيارات الأخرى. فهم رغم تشدقهم بالإشارة إلى مغالطات الآخرين الفكرية فإنهم يقعون دائما في مغالطات فكرية. و هم في الواقع يدافعون عن دين و يدعون إليه، مثلهم مثلنا نحن المتدينين إسلاميا:إنما الفرق في الديانة. الإلحاد هو دينهم. فالمحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ذهبت إلى القول: ” ان وجهات النظر التي لا تؤمن بإله تعتبر دينية عندما تحتل في حياة الشخص المكانة نفسها التي يحتلها الإيمان التقليدي بإله ” أو “عندما تحتل مكانة موازية لتلك التي يحتلها الله لدى الأشخاص المتدينين تقليديا” أو “عندما تشكل وجهة نظر فكرية و عملية ترتبط عميقا بحياة الإنسان في العالم الذي يعيش فيه”. و قد سمت المحكمة ما يسمى بالعلمانية الأنسوية (عقيدة الملاحدة الجدد) بأنها ” وجهة نظر دينية”. هم في الواقع، أي الملاحدة الجدد يدعوننا إلى ان نترك ديننا و ندخل في دينهم تحت ذرائع علمية زائفة، ما يسمى بالعلموية،Scientism. فعندما نقول ان المادة ليست هي الحقيقة النهائية يقولون إنها عقيدة ليس لها سند علمي لكن قولهم المخالف ان المادة هي الحقيقة النهائية هي أيضا عقيدة ليس لها سند علمي. بينما في الواقع ان هناك دلائل علمية متزايدة تشير إلى واقع متجاوز للمادة ليس هنا موضع تفصيلها لكني قد أفصلها في سلسلة مقالات لاحقة في هذه المجلة الغراء (هذا إذا سمحت ظروفي الصحية).
و أريد ان اعرض هنا ما ترجمته أنا بنفسي لا نقل ترجمات أخرى على أهميتها (المقال لا يتسع لها) و النصوص المترجمة هنا جميعها بالانجليزية في مصادر غير المصدر الأصلي إلا أربعة:نص مايكل هارت و نص توماس كليري و نص الأمريكية سيسيليا انجلز و نص كارين آرمسترونج . و تأتي قيمة هذه الترجمات لأنها أولا صادرة من كتاب غير مسلمين و لأنها ثانيا تنظر إلى الرسول صلى الله عليه و سلم من مناظر لا نراه من خلالها نحن الذين نؤمن به. فنحن لا نؤمن به فقط بل نحن نحبه أيضا. على أني حرصت على أمانة الترجمة بحيث لو رجع القارئ إلى الأصل (الذي باللغة الانجليزية) يجد أني فعلا ترجمة ما كتب هناك ترجمة أمينة. و ابدأ أولا بشهادة الفيزيائي و عالم الفلك الأمريكي مايكل هارت.
—2—
الشهادات الغربية
(1) قال الفيزيائي و عالم الفلك و الكاتب الأمريكي الذائع الصيت (مايكل هارت) في كتابه (المائة: ترتيب الشخصيات الأكثر أثرا في التاريخ) (ترجمة هذا الكاتب):
” اختياري محمد على رأس قائمة أكثر الشخصيات أثرا في التاريخ سيفاجئ بعض القراء و سيعترض عليه بعضهم. لكنه كان الشخص الوحيد في التاريخ الذي بلغ الغاية في النجاح على الصعيدين الديني و الدنيوي.من بدايات متواضعة أسس محمد و نشر واحدا من أعظم أديان العالم كما أصبح قائدا سياسيا مؤثرا على نحو هائل. اليوم بعد ثلاثة عشر قرنا من وفاته لا يزال أثره قويا و مستمرا في الانتشار. ان اغلب شخصيات هذا الكتاب توفرت لهم ميزة الولادة و الترعرع في مراكز الحضارة أما في أمم كانت مثقفة تثقيفا عاليا أو في أمم كانت محورية سياسيا. على خلاف ذلك ولد محمد عام 570 في مدينة مكة في جنوب الجزيرة العربية التي كانت في ذلك الوقت منطقة متخلفة من العالم بعيدة عن مراكز التجارة و الفن و التعليم” ص 3-4 (طبعة 1998 citadel press).
صدر كتاب The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History لأول مرة عام 1978 و بيعت منه حتى عام 1998 نصف مليون نسخة على مستوى العالم حيث ترجم حتى الآن إلى 15 لغة(3).
(2) يقول المؤرخ البريطاني ادوارد جبون (ترجمة هذا الكاتب):
” ليس نشر دينه الذي يثير الاندهاش بل بقاءه هو الذي يستحق دهشتنا، نفس الانطباع الكامل و النقي الذي طبعه في مكة و المدينة لا زال محفوظا بعد دوران اثنا عشر قرنا… لقد قاوم المحمديون إغراء إنقاص غاية إيمانهم و إخلاصهم إلى مستوى أحاسيس الخيال البشري. ” لا اله إلا الله محمد رسول الله” هو الإقرار البسيط و الثابت بالإسلام. الصورة الفكرية للمعبود لم تنحط إلى صنم منظور، و إجلال النبي لم يجاوز معايير الفضيلة الإنسانية، و مبادئه الحية قيدت عرفان أتباعه في حدود العقل و الدين.”Edward Gibbon and Simon Ocklay, HISTORY OF THE SARACEN EMPIRE, London, 1870, p. 54. و قال في كتابه (هبوط و سقوط الإمبراطورية الرومانية) (ترجمة هذا الكاتب): ” احتقر حس محمد الصالح فخامة الملوك. أذعن نبي الله للواجبات العائلية الحقيرة: كان يوقد النار، يكنس الدار، يحلب الشاة، و بيديه خصف نعليه و رقع ثيابه. مزدريا ما يوقعه الناسك على نفسه من عقوبة و غير طالب للثناء راعى بدون خيلاء طعام العربي غير المسرف”Gibbon in ‘The Decline and Fall of the Roman Empire’ 1823
(3) قال المفكر الفرنسي لامارتين (ترجمة هذا الكاتب):” إذا كانت عظمة الغابة و قلة الوسائل و النتائج المذهلة هي معايير العبقرية الإنسانية الثلاثة فمن يستطيع ان يتجرأ ان يقارن أي عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟ أشهر الرجال صنعوا السلاح و القوانين و الإمبراطوريات فقط. ما أسسوه، إذا كان هناك ما أسسوه، لم يكن أكثر من قوات مادية غالبا ما انهارت أمام أعينهم. هذا الرجل لم يحرك فقط الجيوش و القوانين و الإمبراطوريات و الشعوب و الأسر الحاكمة و لكن حرك ملايين الناس في ثلث العالم المسكون بل و أكثر من ذلك حرك المعابد و المعبودات و الأديان و الأفكار و المعتقدات و الأرواح… جلده في النصر و طموحة الذي كرسه بالكلية لفكرة واحدة لم يكن مقصودها السعي لإنشاء إمبراطورية ، دعائه الذي لا يتوقف، اتصاله الخفي مع الله ، موته و انتصاره بعد موته ، كل هذا لا يدل على شخص مدعي أفاك بل على قناعة راسخة منحته القوة ليجدد عقيدة. هذه العقيدة مزدوجة: وحدانية الله و عدم مادية الله ، الأولى تخبرنا ما هو الله و الأخرى تخبرنا ما هو غير الله، الأولى أسقطت المعبودات الباطلة بالسيف و الثانية أطلقت فكرة بالكلمات. فيلسوف، خطيب، نبي، مشرع، محارب، فاتح الأفكار، مجدد العقائد العقلانية لدين بدون صور، مؤسس عشرين إمبراطورية دنيوية و إمبراطورية واحدة روحية، هذا هو محمد. باعتبار المعايير التي تقاس بها العظمة البشرية، فيمكن ان نسأل بحق هل هناك إنسان أعظم منه.”
(4) تقريض الأمريكية سيسيليا انجلز لكتاب كارين آرمسترونج (محمد: نبي لزماننا)، Muhammad a Prophet for our Time ، طبعة 2007 ،(ترجمة هذا الكاتب):” هذه السيرة تعطي رواية مثيرة لحياة محمد و أصول الإسلام الدين الذي أسسه. تتيح لنا المؤلفة تصور الحياة و المجتمع في الجزيرة العربية وقت محمد و الانجازات الهائلة التي حققها في زمن قصير جدا. إنها قصة قائد متألق دينيا و سياسيا. ان إضافة آرمسترونج الأكثر أهمية من خلال هذه السيرة هي في رائي الكشف عن محمد في ضوء إنساني جدا خال من إغراء الأساطير و غير ملطخ بالتحيزات التاريخية. انه كتاب مفيد جدا لأزمنتنا المعاصرة من حيث انه يتيح الفرصة لفهم أفضل للإسلام.”
محمد نبي لزماننا
(5) كتبت الباحثة في الأديان البريطانية الشهيرة (آني بيسنت) كتبت تقول في ص 4 من كتابها ( حياة و تعاليم محمد) (ترجمة هذا الكاتب): ” انه لمن المستحيل لكل امرؤ درس حياة و شخصية نبي الجزيرة العربية العظيم و عرف كيف عاش و كيف علم الناس أن لا يشعر بالتبجيل لهذا النبي العظيم و أحد رسل الأعلى العظام. و رغم ان ما سأقدمه قد يكون مألوفا لدى الكثيرين إلا أني أنا نفسي اشعر عندما أعيد قراءته بطريقة جديدة للإعجاب و شعور جديد بالتبجيل لهذا المعلم العربي العظيم”.
(6) يقول الطبيب النفسي الأمريكي الراحل جولز ماسرمان(ترجمة هذا الكاتب):” على القادة انجاز أو الوفاء بثلاث وظائف: الاعتناء بحسن حال الرعية، إقامة تنظيم اجتماعي يشعر فيه الناس بالأمن، مد الناس بمجموعة من المعتقدات. القادة أمثال (باستور) و (سالك) هم قادة بالمعنى الأول. القادة أمثال (غاندي) و (كونفوشيوس) في جانب و (الاسكندر) و (قيصر) و (هتلر) في الجانب الآخر ، هم قادة بالمعنى الثاني و ربما الثالث. (المسيح) و (بوذا) ينتميان إلى التصنيف الثالث وحده. ربما أعظم قائد في كل الأزمان هو (محمد) الذي جمع الوظائف الثلاث. و بدرجة اقل فعل (موسى) الشيء نفسه.”
شغل (جولز ماسرمان) قبل وفاته في فترات مختلفة رئاسة كل من الرابطة الأمريكية للطب النفسي، الجمعية الأمريكية للعلاج الجمعي، الرابطة الأمريكية لطب النفس الاجتماعي، الجمعية الأمريكية لطب النفس البيولوجي و الأكاديمية الأمريكية للتحليل النفسي.

(7) يقول المؤرخ البريطاني مونتجمري وات (ترجمة هذا الكاتب) : “استعداده لتحمل الاضطهاد في سبيل معتقداته و الخصال الأخلاقية الرفيعة للرجال الذي آمنوا به و نظروا إليه كقائدهم و عظمة انجازه النهائي كلها تجادل لصالح نزاهته الأصيلة. الافتراض ان محمد كان منتحلا يخلق مشاكل أكثر مما يحلها. رغم هذا فليس أحد من عظماء التاريخ قليل التقدير في الغرب مثل محمد” (Mohammad at Mecca , Oxford, 1953, ص 52)
(8) يقول عالم اللغات و الباحث في الأديان المفكر الأمريكي توماس كليري Thomas Cleary على ظهر كتابه المعنون The Wisdom of the Prophet ، حكمة النبي ، الذي ضمنه 200 حديث ، يقول عن النبي محمد (ترجمة هذا الكاتب): ” رجل من أهل الدنيا لكنه متألق روحيا . حازم في أمور العدالة و في الوقت نفسه رحيم. غني بالكرامة لكنه شديد التواضع. قاص شديد التأثير وهب حس دعابة ثاقب. محارب شجاع، عامل متقن، رجل عائلة حي الضمير، جار محسن، ملك عادل”.

و كما قال القائل ” لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل” فممن اثنوا عليه صلى الله عليه و سلم و ذبوا عنه من غير المسلمين أيضا اذكر الشخصيات الأشهر التي قد تكون معروفة لدى القراء الكرام و منهم: المهاتما غاندي، ديكارت (نعم الفيلسوف الفرنسي المشهور)، دوركهايم (نعم المفكر الفرنسي مؤسس علم الاجتماع الحديث)، الكاتب الأمريكي الشهير واشنطن إيرفنج (مبدع أُفْنُون القصة القصيرة) ، مكسيم رودنسون (الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي المعروف، من أهم مفكري الماركسية) برنارد شو (الروائي البريطاني الساخر و الكاتب المسرحي المعروف) جوستاف لوبون ( من أعظم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين) و جواهر لال نهرو (احد قادة حركة استقلال الهند و أول رئيس وزراء لها بعد الاستقلال و احد مؤسسي حركة عدم الانحياز).
—3—
و رفعنا لك ذكرك: الاسم محمد

ربما لا يعرف اغلب قراء هذا المقال الكرام ان الاسم محمد هو الاسم الأكثر شيوعا في العالم! هناك، بحسب (موسوعة كولومبيا)The Columbia Encyclopedia (النسخة السادسة 2000-2007) التي تصدرها جامعة كولومبيا الأمريكية، نحو 150 مليون شخص يحملون هذا الاسم في العالم! كما انه بحسب هيئة الإحصاء النرويجية أصبح حاليا الاسم الأكثر شيوعًا في العاصمة النرويجية أوسلو متفوقا على كل من اسمي (يان) و (بيير)، و يحتل حاليا بالتهجئة Mohamed المرتبة430 بين الأسماء الأكثر شيوعا في الولايات المتحدة فيما يصعد ترتيبه بين أسماء الذكور في كل من اسبانيا و بريطانيا و فرنسا. و ان تعجب فعجب ان تكون هذه السورة،الشرح- الانشراح ( التي نزلت بعد سورة الضحى باتفاق و قبل سورة العصر و تعد الثانية عشرة في ترتيب نزول السور) قد نزلت في بداية بعثته صلى الله عليه و سلم،أي السنة الأولى للدعوة (أي حتى قبل بدء الدعوة الجهرية): في البداية تماما، في السنة الأولى (الكتابة أفقيا):
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ
الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ

من أين له، في بداية دعوته، ان يعرف ان اسمه سيرتفع في العالم؟ من أين حقا؟ نزلت هذه الآيات و الذين آمنوا به لا يجاوزون زوجته خديجة و بناته و علي و زيد و العشرة (المبشرين بالجنة)(4) و بلال و آل ياسر ر و بضعة رجال آخرين و نساء أحرارا و عبيدا. حتى عندما دعا رؤساء قومه بنو هاشم إلى وليمة و شرح لهم رسالته لم يستجيبوا له. و الحق انه بعد نحو ثمان سنين من الدعوة الجهرية وصلت الدعوة في مكة إلى طريق مسدود. حتى كانت السنة الحادية عشرة للبعثة عندما التقى ستة نفر من الخزرج كانوا في قافلة قادمة من يثرب فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فاستجابوا لدعوته و اتفقوا على العودة العام القادم للحج. فكيف إذا علم ان اسمه سيرتفع في العالم؟

و الآن نأتي إلى فرية “السفاح” التي رماه بها شان من الملاحدة العمانيين و ما تخفي صدورهم أكبر. للتفصيل على القارئ المهتم بمعرفة ملابسات إعدام الذكور البالغين القادرين على القتال من قبيلة قريظة اليهودية في المدينة بعد غزوة الأحزاب عليه الرجوع إلى كتب الحديث و التاريخ. لكن إليكم شهادة غربية، شهادة الباحثة في الأديان، المذكورة آنفا، البريطانية (كارين آرمسترونج) الذائعة الصيت حيث أبانت قائلة(ترجمة هذا الكاتب):
” انه لمن المهم ان نلاحظ ان قريظة اعدموا ليس لأسباب دينية أو عرقية. لم تعترض أو تحاول التدخل أي قبيلة يهودية أخرى في الواحة معتبرة بجلاء أن الأمر }أي إعدام الذكور البالغين القادرين على القتال من قبيلة قريظة{ مسألة سياسية و قبلية. عدد مهم من أفراد قبيلة كلاب العربية وكلاء قريظة اعدموا معهم . لم يكن محمد على خصومة مع الشعب اليهودي. فقد قال مرة ” ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”}رجعت إلى نص الحديث بالعربية من كتب الحديث إذ لا يجوز نقل الحديث إلا في نصه الأصلي بالعربية{. رجال قبيلة قريظة اعدموا بسبب الخيانة. قبائل المدينة اليهودية السبع عشرة بقت في الواحة تعيش مع المسلمين في ود لسنين عديدة” (Muhammad a Prophet for our Time ص 150-151، طبعة 2007). و تختم آرمسترونج البيان بقولها:”لاحقا في الإمبراطوريات الإسلامية تمتع اليهود بحرية دينية كاملة و لم تصبح معاداة السامية} اللفظ الذي يطلقه الغرب على معاداة اليهود{ من عيوب المسلمين إلا عندما صار الصراع العربي الإسرائيلي حادا في منتصف القرن العشرين”.

أخيرا فلنختم بهذه الآيات، سورة الضحى، التي نزلت قبل سورة الشرح أي في السنة الأولى للبعثة كذلك: رسول الله معه قلة قليلة من رجال و نساء أحرارا و عبيدا و لا يعرف حقا مصيرة أو مصير هذه الدعوة الوليدة؛ لنرى هل وجد شيئا مما في هذه الآيات في حياته صلى الله عليه و سلم؟ الجواب اتركه لكم. لكن في ذكرى مولده يمكننا ان نقول لقد ولد غلام عربي في ناحية قصية من العالم اسماه جده (محمد) لأن أباه قد مات قبل ولادته، لم تكن أمه التي ولدته أو الذين من حوله يدركون ان هذا الرضيع اليتيم الفقير سيلمس حياة آلاف الملايين من البشر العرب و غير العرب لألفيات عدة :
و َالضُّحَى
و َاللَّيْلِ إِذَا سَجَى
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اهدي هذا المقال، مجددا (هذه هي المرة الثانية) ، إلى ذكرى الراحلين: المفكر العلماني (ادوارد سعيد) الذي كانت العدالة قضيته و لم تكن قضيته يوما محادة الإسلام و رسوله و المسلمين و إلى المفكر اليساري المصري (محمود أمين العالم) الذي كانت المواقف الإنسانية همه و لم يتعرض يوما للإسلام و لا لنبيه، صاحب مقولة الإنسان موقف. احي شجاعتهما الأخلاقية و ثباتهما على المبدأ.نموذجان لم يرقى إليهما، يا حسرة، طائفة من المسلمين، و لا أي من العلمانيين العمانيين غير الملحدين منهم و الملحدين، مثقفون زورا يحطون من قدر الإسلام و رسوله و من آمن بعلموية تثير الرثاء بضحالة منطقها و تخلفها الفكري علميا فهم لا حظ لهم من فهم العلوم الحديثة إلا اسمها و رسمها كأنهم إذا ذكروا لنا الانفجار العظيم أو نظرية دارون سيخرج الإيمان طائرا من قلوبنا فرقا و هم الأدعياء الذين لم يحيطوا البتة بجميع جوانب هذه المواضيع العلمية الشائكة كالمتابع الحق لأنهم ليس مقصدهم معرفة الحقيقة العلمية بل مقصدهم أجندة فلسفية لا تخفى إلا على ساذج أو جاهل أو مسلم فوض غيره يفكر عنه و كثير ما هم! مثقفون زورا يعرضون ككبيرهم الذي علمهم الإلحاد بذرائع علمية يعرضون مثله بالذين امنوا بالله وحده بأنهم لا عقل لهم. و لا جواب لهم إلا مقولة أستاذ الدراسات الإسلامية و الباحث في الأديان الأمريكي الذائع الصيت البروفسور فردريك دني،Frederick Denny ، عندما قال عندما تقرأ القرآن تخرج بانطباع ان الكفر نوع من الجنون! هم الذين قال فيهم القائل: بنيانهم من زجاج رديء و ذواتهم من فخار محترق وأفكارهم مسخ خلط من الشكوك والشبهات والشهوات وأمراض القلوب .
+إعلامي عماني في الإذاعة و التلفزيون منذ عام 1977، عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA ،عضو الرابطة البريطانية للكتاب العلميين BSWA.

(1) يمكن ان أقول بحسب تجربتي و دراساتي، و هناك منهم أفضل مني فهما في هذا بلا شك و هم كثر، ان الغربيين فيما يتعلق بالموقف من رسول الله صلى الله عليه و سلم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول هم الأغلبية الذين لا يكادون يعرفون عنه شيئا يعتد به. أذكر واحدا منهم، أخ في الإنسانية، عندما قال لي لما ذكرت له محمد: أليس ذلك اسم جبل ما؟(كأنه قد سمع بالمثل الانجليزي: if the mountain won’t come to Muhammad, Muhammad must go to the mountain “إذا لن يجيء الجبل إلى محمد فعلى محمد ان يذهب إلى الجبل” و ليس هنا موضع بسط ملابسات هذا المثل، و هو بالمناسبة مثل يرجع إلى زمن روجر بيكون و لا ينطوي على أي حط من قدر النبي صلى الله عليه و سلم ).هؤلاء الذين يجهلون عنه كل شيء تقريبا عندهم الفضول لمعرفة من هو حقا، لذا من الظلم ان نأخذ الغربيين كلهم بجريرة الشانئين منهم ” وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى “. القسم الثاني هم الذين يبغضونه و يقعون فيه سواء فيما بينهم أو في وسائل الاتصال الجماهيري و كثيرهم تبع لقليلهم أي إمعات. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، اغلب هؤلاء الشانئين من النصارى الإنجيليين، Evangelicals، المعروفين بتعصبهم، الذين ينتمون إلى ما يسمى باليمين المسيحي ( يبلغ عددهم حاليا نحو 70 مليون). القسم الثالث هم المنصفون و المحبون و الذابون عنه عن علم و هم الأقلية لكن عددهم في تزايد بسبب عوامل ليس هنا موضع بسطها.

(2) الشاعر السعودي عبدالرحمن العشماوي
(3) العشرة أوائل القائمة هم:
1.محمد صلى الله عليه و سلم
2 اسحق نيوتن
3 المسيح صلى الله عليه و سلم
4 بوذا
5 كونفوشيوس (مفكر صيني أثرت تعاليمه في ثقافات شرق آسيا)
6 بولس (مؤسس الاعتقاد الذي يعتقده حاليا اغلب المسيحيين )
7 تسأ لن (مخترع الورق، خصي صيني)
8 جوهانس جوتبرج (مخترع الطباعة)
9 كريستوفر كولومبس (“مكتشف” القارة الأمريكية)
10 ألبرت أينشتاين (مكتشف النسبية،فيزيائي يهودي ألماني بل أشهر عالم فيزياء على الإطلاق حتى كتابة هذه السطور).

(4) لا يخفى ان حديث العشرة المبشرة الذي رواه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قاله النبي صلى الله عليه و سلم في المدينة لاحقا و ليس في مكة و نصه: ” أبو بكر في الجنة و عمر في الجنة و عثمان في الجنة و علي في الجنة و طلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة و سعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة و أبو عبيدة بن الجراح في الجنة”.

0 2401 07 يناير, 2015 السادس والخمسون, ثقافة وفكر يناير 7, 2015

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان
  • يحيى الرواحي

    الأخ الكاتب محمد العليان
    لا يسعني سوى أن أسجّلَ إعجابي بمقالاتك الرصينة، وكتاباتك العميقة، فأنتَ وأمثالك من الكتّاب المجيدين توفّرون للقارئ المتعطّش، والمتذوّق الفاهم، مادةً تروي شغفَه وتبلّ صداه، فكتاباتكم كواحةٍ عذبة في وسط صحراءَ قاحلة من الكتابات الركيكة التي تسمّى زوراً “فكرأً وثقافة” الصادرة عمّن ابُتليت الثقافةُ والكتابةُ بهم؛ من أولئك الذين أشرتَ إليهم في مقدّمة مقالك، ومَن سارَ نهجَهم ممّن يرفعون شعاراتٍ شتّى؛ فخمة المباني، خاوية المعاني!
    وأنتهزُ هذه الفرصةَ لأدعو -وإن كنتُ لستُ أهلا لذلك- جميعَ الكتّاب الغيورين، والمثقفين الحقّين، والأدباء الحقيقيين أن يبادروا بالكتابة والنشر والمشاركة في جميع المواقع -كهذا الموقع- لكي لا يتركوا فراغاً يملؤه أولئك المدّعون، فالنّاس يملكون من الوعي ما يمكّنهم من التفريق بين الغثّ والسمين متى ما وجدوهما معاً، لكنّهم قد لا يستطيعون تبيّن الغثّ إن لم يوجد السمين بإزائه.