ميلاد جديد

لـ

مضت سنة 2014م بحلوها ومرها، بذكرياتها الجميلة من انجاز، وبذكرياتها الحزينة من فقد وحرمان وفشل، وليس الماضي إلا لمحة مرت وولت أو هو شيك ملغي على حد تعبير بعضهم، ولنا هذه الساعة التي نحن فيها، التي نتنفسها، التي نمسك بزمامها، فاستجرار الأحزان والخيبات يرتد على الحاضر فيجعله ضائعا ويحيله للماضي، لأننا نصبح سكانا في جلباب الأمس بأرواحنا وإن كانت أجسادنا تعيش الحاضر، العمر عبارة عن أوقات أو هو أنفاس تتردد، نحتاج أن نراجع أنفسنا، أن نحس بقيمة أوقاتنا، بأهمية حياتنا، نسعى للخلود كما سعى إليه جلجامش الذي ظنه في البداية نبتة يأكلها ثم أدرك أنه يعني الانجاز.
ما هو الانجاز يا ترى، هل هو يُعد بكم الكتب التي قرأتها والأموال التي حصلتها والبناء الذي أتممته، أم الانجاز هو باكتشافك لعوالم جديدة ، سواء كانت تلك العوالم عبارة عن حقول معرفية بكر لم تحرثها من قبل ، أوصداقات تغير نظرتك للحياة وتريك أكثر من لون لها، أم الانجاز في ضربك في الأرض طولا وعرضا تكتشف مجاهلها وتتعرف على شعوبها وعاداتها، لعل أعظم انجاز تحققه هو استفادتك من وقتك في ترقية نفسك، ومهما حاولت إدراك قيمة الوقت فلن تدركه حتى تدرك قيمة نفسك وتسعى جاهدا لرفع هذه القيمة وكما يقول سكوت بيك :”إلى أن تعرف قيمة نفسك ، لن تعرف قيمة وقتك. والى ان تعرف قيمة وقتك ، لن تفعل أي شيء به” ، الحياة فعلا قصيرة فلا تقصرها أكثر بتضييع الأوقات وهدرها دون فائدة، لست أريد أن أمارس عليك دور الواعظ ولكن هناك ما يحز في النفس ويجرح الروح، عندما أجد اللامبالاة تنخر أوقاتنا، والهدر لها يؤخرنا عن ركب الحضارة، ويمارس هذا الإرهاب الداعشي للوقت بطرق كثيرة تفوت الحصر ولا تعد ولا تحد، آهٍ لو استشعر المرء قيمته، لو أنه بدأ أول خطوات البناء لوطنه، لو استشعر أنه لبنة سيقام عليها أعظم بناء، فالبناء يعلو والحياة تحلو بالعمل ومهما كان الدرب طويلا والعمل شاقا فإن رؤية النهاية ماثلة في الأذهان قبل تجسدها واقعا يخفف من مشقة السير ويشحذ الهمم نحو المراد ، ومما يذكر أن الفرنسي الكبير مارشال ليوتي سأل يوما بستانيا له أن يزرع شجرة. واعترض البستاني قائلا إن الشجرة تنمو ببطء وإنها لن تصل إلى مرحلة النضج الا بعد 100 عام. فأجابه : “في هذه الحالة ، ليس هناك وقت نضيعه ، ازرع الشجرة اليوم!، نعم ازرع شجرة خلودك اليوم واسقها بالهمة والعزيمة وغذها بالمعارف، عند كلل اليد عن الكتابة وتعب العين من القراءة والنظر، أفسح المجال لعقلك ليطوف في ساحات الحياة متدبرا ولصنوف المعارف ممحصا، ووللخيال الخصب منتجا، وكما قال ابن عقيل الحنبلي الذي كان يُذكر عنه
في استغلال وقته العجائب:
(إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة،أعملت فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره).
ما تأملتُ الخالدين إلا ووجدت الوقت هو رأس مالهم الذي استثمروه، حتى في أحوال هزلهم ومرحهم هم في الحقيقة يستفيدون، لأن النفس اذا لم تجد حظها من الاستجمام والراحة؛ تركتك في منتصف الطريق لوحدك.
وتستطيع بكل سهولة معرفة أن بلدا تطور أو في طريقه للتطور بالنظر في أحوال شبابه واهتماماتهم، فإذا رأيت تسابقا في ميادين العلم، وتنافسا في الإنتاج والابتكار، فذلك دليل حياة وتطور ونماء، وإن رأيت همما متقاعسة، واهتمامات دونية، فلا ريب أنك تنظر لبلد شرقي أنهكه الكسل والخمول، وصاحت بجانبيه الطبول فلم توقظه من نومه ولا نبهته من رقدته،دعونا نعقد العزم على بدء صفحة جديدة متفائلة، نكتب فيها أهدافنا ونرسم فيها خططنا ومن الله التوفيق.

0 1582 19 يناير, 2015 السادس والخمسون, ثقافة وفكر يناير 19, 2015